ن يقرأ جورج مغامس في كلّ نتاجه، يلحظ من الصفحة الأولى أنّه ليس للعامّة، هو مدرسة في الكتابة الأدبيّة، حيث الدُربة حفرٌ، ومُكنة الجمع بين التراث والحداثة حِرفةٌ، وإتقان الصَّنعة لا يخلو من روح الفطرة. الفكرُ المستنير حاكمٌ، والمنطقُ طاغ، واللغة عصيّة على الاستنساخ، والتكثيف حاضر باستدعاءاته الماضيَ والمستقبل، والعين ترسل مدركاتها للمقارنات والموازنات، والحسّ النقديّ يسجّل، والحدس البرغسوني يوحي، والوجدان يتفوّر جراحاً وتحسرّاً وتألّماً. أمّا التجديد في العبارات فاستحداثٌ على ابتكار تراكيبَ سعى إلى فرادته فيها. وحين نكرّر أنّه مدرسةٌ في الكتابة فليس من باب التفخيم أو المجاز، سَواء وجدنا من أحبّ أسلوبَه أم لم يحبَّه، وهنا تطرح كتاباتُه إشكاليّةً على أمل أن يكون لها مبحثٌ آخر في إطار جدليّة الكتابة بين المبدع والمتلقّي. قد يكون هذا الكتابُ ثالثَ ثلاثيّة لديه توحي بأدب الرحلة، بعد كتابيه: أيّام في بلاد الماتروشكا، وَفلسُ العودة إلى منازلِ الغبطة، لكنّ الرحلة المكانيّة فيها ما هي إلّا بؤرٌ سرديّة اتخّذها الكاتب ليطرح من خلالها قضايا الجوهر في رحلة الفكر والروح انطلاقاً من العرض في رحلة الحواس. نعود إلى هذا الكتاب تحديداً: «في مدار برج العرب»، وفي البرج علوّ المقامِ والمقالِ، يسنده برج بابل، وقد هرب منه إليه، شتيتُ من تبلبلت بهم الألسنةُ من مشارق الأرض ومغاربها، في البرجين توقٌ إلى السماء، وفي البرجين، الشرقُ قِبلةٌ، ونباهةُ الرقيب من علُ تصوّر المدى القريب والبعيد، والمنظورُ في وعي الناظر، حسرة ومفاضلة، من شاهق الخيبات والجراحات التي تطفو على مرأى تفوق الآخرين، الروحُ جوّابٌ في الأمكنة، والزمنُ سيّال بين يدي التاريخ. في مدار جعبة مغامس المعرفيّة، هذا الكتاب هو أقربُ إلى «صلاة استعقال»، وما تستدعيه من تهيّب وتعقّل وتفكّر، لأنّه يطالب بالعقل ضرورةً حتميّة لا حلّ خارجاً عنها، في وجه «محاولات التدعيش بعد محاولات التتريك تلاطمُ محاولات الفرسنة، والإسراع إلى إعادة الاعتبار إلى العقل النقدي في إطار المؤسسات الدينيّة.» وإذا حاولنا تتبّع منظومة فكريّة في هذا الكتاب على رغم أنّه يسير ضمن خطّ من المشاهدات والتداعيات في مشهديّة سرديّة-حواريّة، نجد أنّ طابع التفكّرات هو المهيمن، في تسجيل موقف، أو توثيق تمرّد أو تصوير تفوّق وانحدار في جرأة لا تحتمل المواربة وازدواجيّة التأويل، في نصّ أقرب إلى أن يكون بياناً فكريّاً، فتصبح بذلك رحلتُه أقربَ إلى ما قام به رفاعة الطهطاوي حين أُرسل في بَعثة إلى فرنسا وكتب كتابه الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» ليجيب عن التساؤل الملحّ: «لماذا تقدّم الغرب وتخلّف العرب؟». والمقارنة هنا إذا جازت، لماذا دبي، في هذا الخليج تطوّرت عمرانياً وأمنياً واقتصاديّاً، وصارت «فلذةً من باريس»، وجمعت أمماً، وحلّت عليها بركاتُ العولمة انتشاراً وجذباً، ولبنان يتأخّر وينغمس في وحول التجارب مجدداً؟ حاول مغامس في هذا المدار أن يطرح إشكاليات عن الإنسان والتديّن وصراع الحضارات، بحثاً في أسباب التخلّف والتقاتل والتنافر بدلاً من التكامل والاستنهاض، عبر الغوص في مكوّنات العقل النقدي العربي وثغراته، منتفضاً على الذين «يصمّون آذانَهم دون القراءات التفسيريّة والتأويليّة للنصوص الدينيّة ولا سيّما تلك التي تزخر بالعنف، تُجاه الآخر»، إقصاء وإلغاء، ثائراً على «مسفّهي دعاةِ الدولة المدنيّة الديمقراطيّة»، معتبراً أنّ لعنة التعدّدية كامنة في انعدام «التمييز بين المسائل التعبّديّة والمسائل السياسيّة،» وذلك بسبب تحجّر العقول، ما ساهم في إحياء النزعات السلفيّة المتشدّدة، والتصنّع و «التقنّع والإفتاء بالفتن»، فالأحاديّة لعنة، والتعددية بلوى والحذر من الثورة تعقّل: «يمنعنا من الثورة أنّنا فسيفساءُ بالهزّات تنفرط». ويعزو نهضة هذه البلاد إلى أنها تغرف من المستقبل، وقد تركت الماضي لأسراه وقضاياه التي قرّحت جلود العرب دهراً، «هذي بلادٌ لا يستغيث حاضرُها بماضيها بقدر ما يستدعي ويستلهم المستقبل. نحو المستقبل تسير دولةَ مؤسّسات وحياة».

في التقنيات السرديّة زمن السرد: في هذا الكتاب هو ما يقارب الأسبوع من الزمن، لكنّ زمن القصّ تمدّد في التاريخ، فكان تكسير الزمن واضحاً فلا يجري في خطّ تعاقبي، بل يقوم بتحويله من أجل أن يستلهم عبراً من أحداث ومعارك وقصائد وفلسفات، أو يصف حالاً سياسية وفتنوية في الواقع الراهن هي صورة عمّا مضى. الوصف: لم يأتِ الوصفُ تقريريّاً، أو توثيقيّاً، (إلا في حالات قليلة عبر تنصيص مرجعي عن بدايات الحكم فيها)، بل جاء نقلاً لحال المشاهدة عند معاينة كلّ ما يرتبط بموضوعات أراد الأديب أن يوقف الزمن عندها، ليؤبّدها، ليمنعها من الهروب من أمام نقده، فلا عفويّةَ في اللقطة، وكأنّها ذهنيّةٌ مبرمجة يحكمها العقل أيضاً لتخدم الحركيّة الجماليّة التي أشرك فيها الظلال والألوان، مولّداً معاني تخدم مواقفه وأفكاره.» وقد ساهم الوصف الرمزي والتفسيري في تقوية الأشكال السردية، مما يتيح إمكانات تشغيل الديناميكية الحكائية، مما يزيد من بلاغة التعبير عن الموقف السردي، «جيرار جينيت». - تقنية التداعيات: جاءت عبر هواجسَ محكومة بمنطق المقارنات التي تغوص في جوهر المشكلات، بحثاً في علّتها لتصويب ما أمكن من معلولات صارت إليها. «التداعي نوع من الاستحضار والتذكر من خلال صورة ضبابية للشيء او من خلال انعكاس تمثّلاته في مجلس أو خيال أو مرآة أو حكي أو مداهمة، أو اقتحام فضولي، من كتاب بلاغة السرد». فالمنطق لدى مغامس جعل هدا التداعي متسلسلاً متناسلاً يخدم تصعيد الخطاب. وقد جاءت بأسلوبين: التذكّر والاستدعاء. تقنيّة التذكّر: جاءت مشحونة بشتى الأحاسيس المتضاربة والجراحات الوطنية تارة، وتارة أخرى جاءت زفير مجد وطن خلاق وشامخ. ما يحيل إلى تقنية الاستدعاء. تقنية استدعاء التراث القديم: وظّفه الأديب بلاغيّاً كمنجز تكثيفي، ودلاليّاً في خدمة نقل الحالة في أسبابها ومسبباتها، عبر شخصيّات مؤثرة في إنجازاتها، (أدبية: عباسية، أبو العلاء المعري لوصف مهازل الحياة، وأبو نواس في استخفاف الطرب، وابن الرومي في معرض الهجاء والقدّ والهدّ، وشخصيات أدبية نهضوية وحداثوية،.. أمين الريحاني في ملوك العرب لاستحضار منازعة الأشقاء، ونسيب عريضة والأخطل، وخليل مطران، ومسرحية وروائية (مثل شكسبير ودون كيخوته لفتاً إلى خلودهما وتمجيد ذكراهما الأربعمئة) وقوانينَ وأحكاماً(حمورابي) وفلسفاتٍ (الكتف الأرسطيّة والكتف الأبيقوريّة)، وعاداتٍ وأمثالاً وتراثاً فقهيّاً (ابن حنبل، وابن تيميّة)... وأحداثاً دامية وإبادات يستدعيها على أبواب المئويّة» مجازر الأرمن، والسريان والكلدان والأشوريين... أو سقوط الأندلس وطورا بورا» وفظائع ستالين السوفياتي وبُل بُت الكمبودي وغيرهم. وكلّ هذا الاستدعاء لم يأت بريئاً، فإلى جانب توظيفه معرفياً وكشفاً لحجب التقنّع وعقم الموروث، استخدمه في تقنيّة السخريّة، التي تحمل في جانبها البلاغي قوّة التلميح والصراحة الجارحة، وهي نكهة لا يولم إليها إلا الأفذاذ من ذوّاقة الأدب ومحترفيه والعارفين خباياه. لعل تصنيف الكتاب كما سمّاه مؤلّفه في تساقط الجدران، أو كما يسمّي الشاعر والناقد ربيعة أبي فاضل هذا النوع بهجرة الأجناس، أو ما يمكن أن يطلق عليه، ففيه من الشعر بلاغته وجماله ولمعته، ومن الرواية إطارها وسردها، ومن الرحلة تنقّلاتها، ومن السيرة وجدانها وذاتيّتها، ومن المقال موقفه، ومن الخطبة فصاحتها، ومن التراث أحداثه وغناه وتناقضاته وعباقرته، ومن الفلسفة عقلها ومنطقها، ومن الدين روحه، وهذه التوليفة لا يمكن أن تكتمل إلا لمن صهرها في فكره وعقله ووجدانه.

عن صحيفة الحياة

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم