صاحب هذا النص الروائي، أو السـردي كما آثــرَ أن يـصنّفه، هـو عـلي أومــلـيل، الأستاذ الجامعي المعروف بـكـتبه في الفكر والفلسفة وأسـئلة الـنهضة، والذي اقـترن اسمه بـنشاطه المتـمـيـز في المجتمع المدني المغربي والعربي، وبخاصةٍ في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان أيــامَ زمــنِ الـرصاص... لـكنه يحمـل إلينا مفاجأة سارّة من خـلال نـشره «مرايا الذاكرة» (المركز الثقافي العربي، 2016)، إذ يكـشـف عـن موهبـته الأدبية التي أتيح لي أن أتعرف عليها قبل عقود بـحكم صداقتنا منذ مطلع الشباب. فـضّـل الكاتب أن يـسِـمَ نـصـّه بـ «ســرْد» بدلاً من «رواية»، لأنـه لا يـتـقـيّـد بالحـبكة وتـرابُط الشخصيات والفضاء، واعتـماد الـمـخـيــلة... هـو يـسلك سـبيـل الذاكرة المفتوحة ويـقـتـنـص منها ما يـلحّ عـليه، ما هو نابع من حياته الخاصة، أو مـتـصل بالحياة العـامة، أو مُـسـتوحى مـن زوّادةِ التـاريخ الذي له امتداد في الحاضـر. ولأنْ ليست هـناك حـبكة تـنـتظم حولها المقاطـعُ المتصلة بالسـيرة الذاتية أو المـستـوحاة من المجتمع والتاريخ، فــــــإن الكاتب يعـتمد الــسـرد المفتـوح، والكتابة الـشذرية التي تـتيـح الـتـنــقـّـلَ، في يُــسـر، بين سجلات النـصّ. على امـتداد الفصول الثلاثين القصيرة الحجم، تـُـطالعـنا كـتابة تـتمـيّـز بالكثافة المحاذيـة للشـعـر، والجُــمـَل القصيرة المـتـدثرة بالفـعل المضارع الذي يحول أفعال الماضي إلى حـاضـر. والـكتابة تذهب مـباشـرة إلى ما هو جـوهـريّ، دون إسـهـاب أو ثـرثـرة؛ وكـأنـنـا نـقـرأ حـديثاً حمـيـماً يُـفضي به السـاردُ إلى نـفسه. وبقدر ما نطوي الصفحات تـنـتـصبُ أمامنا مـرايا مـصفوفة بـعضها إلى جانب بعض، وكل واحدة مـنـها تـعكس ملامح فضاء مـختلف اخـتـزنـتْـهُ ذاكرة السارد عـبْـرَ الـمعيش أو الـمقـروء أو الـمـرئي... وليست تلك المرايا المتجاورة مقطوعة الـصلة بـبعـضها، لأنها كـثـيـراً مـا تـتـصادى وتـتـشـابَكُ من خلال الـمُــماثلة أو الدلالة. ولعـل ما يخلق نوعاً من اللـحمـة بـين هذه الـمـرايا، هـو تلك الـمُـراوحة بـيـن السـرد والـتأمـل. وهـو تأمـل كـثـيراً ما يـنصبُّ على ثـيـمـاتٍ تـتـردد بـوتـيـرةٍ لافـتـة لـتـُـشـكّـل مـحـوراً عـن الـزمن والمـوت، عن الـتـصوّف والـعـــقـل، وعـن سـيـرورة الـتاريخ ومــفـارقــاته. نـقـرأ مثلاً في صفحة 18: «بسطت أوروبا سلطانها على البحار وحاصــرتْ أوطانَـك فـهـبطَ قـومُـك إلى أغوار النفس يـتصوفون. الـجـذبة والـرعشة الـبِكـْر كـلما اشـتـدّ «الحال» بالمتصوف. فـقـَـدَ قـومُـك السيطرة على المكان فتـحصـنوا في أعماق النفس. احـتلّ الـعدو الشواطئ والقِــلاع وعـجزوا عــــن جـهاده فأعـلنوا الـجهادَ على الجسد. يولج المتصـوفُ الموتَ في الحياة ويولج الحياة في الموت...».

الـهوية المـتـعددة أمـيـلُ إلى اعـتبار هذا النص، في شكله الأساس، مـنـتـمـياً إلى كـتابة الذاكرة التي أمـيـز بـينها وبيـن المحاكاة الحريصة على اسـتحضار «الواقع» من خلال تـمـثيلاتٍ تـُحـيـلُ عـليه. في كتابة الذاكرة، يمكن الحذف والإضافة وإفساح المجال أمام التخيـيـل دون الـتقيـد بـنموذج سابق؛ ولا يكون الوصف الـمسـهب ركيزة في النص، بـــــل يحظى الاســتبطانُ والحوار الداخلي بـأهمية أكـبـر من الوصف. والـسارد، هنـا، لا يحمل اسماً وإنما إحالات سياقــية على كاتب النص الذي يكتب ذاكـرته، أو بالأحـرى جـزءاً منها،عـبْـر لحظات عاشها في الماضي والحاضر، تـرتبط بـتـنـويـعاتٍ تـيـماتيـكية، كما في المقطوعات الموسيقية، وكأن الذكريات الذاتية تبحث عــن قـرابة لـها في ما ادخــرتْـه من قراءات وأســفار. في استعادته لـفـقـيـهِ الـكـُـتاب الذي يعلم تلاميذه القرآن فــي قـرية أمازيغية، نـقرأ ما يلي: «يـتوسط الفـقيـه طـلبة تـقدمتْ بهم الـسـنّ ولم يتــقدموا في العربية، لغة العــلــم المسـلم. تحوم حول المدرسة هـيبة العلم الـمستـعصي على الأفـهام واللسان. يـمـر أهل القرية بجـوار المدرسة فيسمعون طلبـتها يـقرأون «العلم الشريف» بـأصواتهم السُّوسية الـحادّة فـيـشـتـدّ إعجابُ أهل القرية الأمازيغ بـعلمٍ هـو كـالأســرار لا يـعـرفون لـغته(...) الفـقيه يُـلوح بشـبح الموت لـلإمساك بـخناق الأحياء. لا يتحدث عن الحياة إلا للتـذكـيـر بالموت، يُـذكر به للسيطـرة على الحياة. الفـقيه مُـقاولُ الـموت، يـستـثـمـره، يـنصبُ شباكَ الخـوف والنــدم لــيـأتي الناس إليه وأيديهم مـعــقودة وراء ظهورهم تـائـبـيـن» (ص 38). على هذا النحو، تصبح سـردية «مـرايا الذاكرة»، في نهاية التحليل، بـمثابة فـسـيـفـساء ذات نـتوءات تـمُـتُّ في أغلبـها بـصلةٍ إلى السيرة الذاتية، وتـشتـمل أيضاً على تـأملات لها علاقة بأسئلة الموت والوجود والتاريخ. كـأنها رحــلة مـن الذات إلى ما هـو خــارج عنها تحاول أن تـضع اليــد على الأواليات المـحركة للعلائـق المعقدة التي تـربط بــيـنها. والعـناصـر الـسـردية الـمكــثـفة تـصلح لأن يـنسج منها القارئ تـفاصيل لـروايةٍ مطولة، يكون محورها تلك العلاقة المـحسـوسة والغامضة في آن، بـيـن الـفرد والمجتمع والتاريخ وقد لـفـّـتـهُـم لـُـغـزيـــــة الـوجود والــعدم... من هـنا، يــغدو الـسـرد الخالي من الـفضـفضة والإسـهاب، عـنـصـرَ تـبـلـيغٍ وتـخـيـيـل، وتصبـح اللغة المكثــفة، المـرتدية غلالة الالتــباس، حاملة للتــشـكيك في ما هو مُـعـتـبـر حقائق مطلقة. ومن ثــمّ تـبـرز تجربة الذات الساردة بـوصفها صوتاً لـلمساءلة والـغـربلة وإعادة الـنـظـر. لــكـنّ تـحـويــمَ طيـف الموت على النص، من أوله إلى نهايته، يـضـفي إيــقاعاً أســيـانـاً يـذكـّــرنا بتلك الـنهاية التي تـنـتظر كل حيّ، والتــي سـتــهدمُ الـلـذة التي يـنـتـصـر لها الفيــلسوف ضــد الـفـقـيه: «الـفـقـيه وفـيـلسوف اللذة كل واحد منهما يـتـعامل مع الحياة والموت على طـريقــته. الـفـقـيه يضع الحياة في خدمة الموت. يُـلوح بشبح الموت لـلإمسـاك بـخـنـــاق الأحياء. يختزل تفاصيل الحياة في مُـخـتصـر من الشـريعة محفوظ عن ظــهـر قـلب(...) أما فـيلسوف اللــــذة فــيُـواجه الموت ويـتـحـدّاه. غـايـتــه الإقــبال على الحياة وحـسـب. المـوت شــأن خــاص لــمَـنْ أراد أن يـهتـــم بــهــمّـه. ولماذا لم تـنـشأ عـندنا فلسفة اللـذة؟ هــل لأن الـدنـيوي لم يــسـتـقلّ عــن الــديـني؟ ربما لـو اسـتـــقـــلّ لــكانت لـه شـرعيــتــه التي يـتــأسـس عليها نظام المجتمع والدولة، ولكان اســتــقـلّ الــشـأنُ الـعامّ عن الــشـأن الخاصّ واســتـقـلّ نظامُ المجتمع والسـياسة عـن الــديــن...» (ص 98). أمام هذا الحضور المخيف للموت فــــي الخطاب الديني الذي كثـيراً مـا يُـستعـمَـل لـردْع الـنزوات وإلــجام الشـهوات، يـشـيـر السارد إلى وجود الـعشـق والــشـوق، لحسن الحظ، اللـذيْـن يـزرعــان في الإنـسان الـتـعلق بـمُـتـع الحياة وبـنـشـوتــها المتجددة.

وداع الحياة هــناك في الـنص أكــثـر من إشـارة تـوحي للقارئ أن الـسارد يُــطـلّ على ذاكــرته مـن مـوقِـع مَـنْ هو علـــــى أُهـبـةِ تـوديـع الحياة والاسـتعداد لـلأفــول. لـكنه، على رغم ذلك، يـظل واعـيـاً بـالـتهجـيـن الإيجابيّ الفاعل، خِـلسـة،ً في أعـماق ذاته بـيـن مُـكوّنـات شـتى لِـهُــويـته. وهـــيَ هُـوية تـمـتــد في مسارها، مـن قـرية الأجداد الأمازيغية إلى مدينة الـقنيطرة على المحيط الأطلسي، ثم القاهرة وباريس وأمـيركا والصيـن؛ ومن قـراءة الـتـراث العربي الإسلامي إلى التفاعل مع الـفلسفة الحديثة وميـراث الفكر العقلاني...، وطوال تلك الرحلة الحياتية والفكرية، لــم يـحسّ بـالـغـربة وسط هذه الـهُـوية الـمركبة، المُــتعددة، لأنـها ربـطـته بـسيْـرورة الحياة المـنـتمية إلى المسـتـقبل. أمـا مـصـدرُ قـلق السارد فـيـأتي من جـهالة فـكـر ذوي الرايات الـسّــود، سُــجناء الماضــوية وبـقــايا عـقـابيـل أدواء الأجداد من الأصوليـيــن المـتـــعصـبيـن. في الـمرآة الأخيرة من النص، يـلـتـحفُ السارد بــهُــويـته المـتعددة ويقبل مصـير الأفـــول غـيـر آبِــهٍ بجـعجعةِ مَـنْ يحاولون وقف جـريان الحياة: «الانـحدار في ما تبقى من الوقت. الانسـلال شيئاً فشيئاً من أشياء الـــوقـــــت. الأحاديث حولك كأصداء بعيدة عن أشياء لم تعد تعنيك(...) سـتسـتأنف الحياةُ جـريانها غير آبـهة بمن رحل، إلى أن يـنفصل جرم تائه في الفضاء فيصدم هذا الكوكب ويفجره شظايا...» (ص156). كتابة «مرايا الذاكرة» تـنزع كل غشاوة وهي تستحضر الموت؛ لكنها في الآن نفسه كتابة ممتلئة بحب الحياة.

عن صحيفة الحياة

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم