لماذا غاب ربيع جابر عن المشهد الروائيّ العربيّ
تحوّل اسم ربيع جابر خلال السنوات الأخيرة إلى علامة سؤال مفتوحة في المشهد الروائي العربي. كاتب لبناني راكم حضوراً لافتاً عبر مشروع سردي كثيف، ثم دخل في صمت طويل، صمت لا يحمل طابع الانسحاب السلبي، وإنما يشي بتحوّل داخلي في علاقته بالكتابة والعالم. هذا الغياب لا يمكن قراءته باعتباره انقطاعاً إبداعياً، ولا باعتباره أزمة عابرة، وإنما باعتباره حالة مركّبة تتقاطع فيها خيارات شخصية، تصورات جمالية، وحساسية خاصة تجاه الفضاء الثقافي العام.
منذ بداياته في مطلع التسعينيات، بنى ربيع جابر مساراً إنتاجياً متراكماً شمل روايات قصيرة وطويلة، أعمالاً تاريخية، ونصوصاً اشتغلت على بيروت بوصفها مدينة ذاكرة وركام وزمن متكسّر. هذا المسار بلغ ذروة رمزية مع فوزه بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2012 عن روايته "دروز بلغراد"، وهو تتويج وضع اسمه في دائرة الضوء العربي والدولي، وفتح أمام أعماله مسارات الترجمة والانتشار الواسع .
غير أن هذه اللحظة لم تتحوّل إلى بداية مرحلة حضور إعلامي كثيف. على العكس، بدأت ملامح انسحاب تدريجي من المشهد العام. لقاءات أقل، مشاركات نادرة، صمت شبه كامل في الفضاء الثقافي. هذا التحوّل لا يمكن عزله عن رؤيته الخاصة لدور الكاتب، حيث النص يحتل مركز التجربة، فيما تبقى الأضواء خارج هذا المركز.
تقارير صحافية لبنانية وعربية رصدت هذا الانكفاء، وأشارت إلى نمط حياة قائم على العزلة الاختيارية، الابتعاد عن التجمعات الثقافية، والتركيز على القراءة والعمل الفردي . هذا السلوك لا يحمل طابع النفور الاجتماعي السطحي، وإنما يعكس موقفاً ثقافياً متماسكاً تجاه زمن تحوّل فيه الكاتب إلى عنصر في اقتصاد النجومية الثقافية.
في هذا السياق، يبدو صمت جابر أقرب إلى احتجاج هادئ على تحويل الأدب إلى حدث موسمي، وعلى ربط القيمة الأدبية بالحضور الإعلامي وعدد الدعوات والظهورات. هو يختار البقاء خارج هذا الإيقاع، محافظاً على مسافة بينه وبين السوق الرمزية للثقافة.
بعد صدور طيور الهوليداي إن، نشر ربيع جابر عملاً لاحقاً بعنوان "المبرومة"، وقد وُضع على غلافه توصيف صريح: «مختصر طيور الهوليداي إن». هذا التوصيف يحمل دلالة تتجاوز الجانب التقني. فالنص يقوم على إعادة تفكيك الرواية الأصلية، ضغط الزمن الحكائي، تكثيف السرد، وإعادة ترتيب البنية الداخلية ضمن إيقاع أكثر اقتصاداً في اللغة والحركة.
"المبرومة" تمثل تمريناً سردياً على الحذف، على تقليص الامتداد الزمني، وعلى إعادة التفكير بوظيفة التفاصيل داخل النص. هذا الخيار يكشف تحوّلاً في مزاج الكتابة لدى جابر، ميلاً نحو التكثيف، نحو الاشتغال على الجوهر الدرامي، ونحو مساءلة الشكل الروائي نفسه. والسؤال هل تمثّل صورة عن الندم بنشر عمل طويل ثم اختصاره وكأنّ الحجم سبب عدم نجاه وترويجه المأمول!!
منذ صدور هذا العمل، لم يظهر إصدار روائي جديد، ما فتح باب التأويلات حول هذا الغياب الطويل. مع ذلك، تؤكد متابعات صحافية استمرار علاقته اليومية بالقراءة والكتابة، دون الإعلان عن مشاريع جاهزة للنشر أو جداول زمنية محددة . هذا الإيقاع البطيء يضع تجربته في سياق كتّاب عالميين راهنوا على زمن النص الطويل، وتعاملوا مع النشر بوصفه مسؤولية فكرية ومعرفية، خارج منطق الإنتاج المتسارع.
غياب ربيع جابر يرتبط أيضاً ببنية شخصية تميل إلى الانغلاق الإبداعي، وتفضّل المسافة على الاحتكاك المباشر. تقارير صحافية وصفته بشخص يبتعد عن اللقاءات العامة، يتجنّب الظهور الإعلامي، ويعيش ضمن دائرة ضيقة من العلاقات اليومية . هذا السلوك يتقاطع مع عالمه الروائي، حيث الشخصيات غالباً ما تتحرك في مناطق هامشية، داخل فضاءات داخلية، في مدن تتراكم فيها الطبقات الزمنية فوق بعضها.
هناك حساسية واضحة تجاه الضجيج الاجتماعي، تجاه الأداء العلني المفروض على الكاتب المعاصر. هذا النفور من «تمثيل دور الكاتب» في الفضاء العام يعكس قناعة بأن الكتابة فعل داخلي يحتاج إلى عزلة، صمت، وتفرّغ ذهني طويل.
الفوز بجائزة كبرى يضع الكاتب أمام ضغط خفي: توقعات القراء، مطالب الناشرين، رغبة الوسط الثقافي في استنساخ النجاح. في حالات كثيرة، تتحوّل لحظة التتويج إلى عبء ثقيل. في حالة ربيع جابر، يمكن قراءة صمته اللاحق بوصفه محاولة لإعادة ترتيب العلاقة مع الكتابة بعيداً عن هذه التوقعات.
بدلاً من الدخول في دورة إنتاج سريعة، اختار التراجع خطوة إلى الخلف، حماية مشروعه من التكرار، ومن الاستجابة الآلية لمنطق السوق. هذا السلوك يعبّر عن وعي صارم بخطر الاستسهال الإبداعي.
لا توجد معطيات موثوقة تشير إلى حالة مرضية نفسية أو اكتئاب معلن. كل ما هو متاح في الصحافة الثقافية يصف انكفاءً اختيارياً ونمط حياة هادئاً، قائماً على العزلة والعمل الفردي. القراءة الأدق تضع هذه الحالة ضمن إطار وجودي وأدبي، لا طبي. إنها علاقة خاصة بالزمن، بالمدينة، وبفكرة الكتابة نفسها.
من يقرأ أعمال ربيع جابر يلاحظ أن مشروعه الروائي لم يبلغ حالة اكتمال نهائي. بيروت ما زالت مركز ثقل سردي، التاريخ ما زال مادة اشتغال مفتوحة، والهويات الهشّة التي تتحرك في نصوصه لم تستنفد إمكاناتها. لهذا يبدو الصمت الحالي أقرب إلى تعليق مؤقت للمسار، لا نهاية له.
هذا النوع من التوقف يعكس قناعة بأن التكرار أخطر على الكاتب من الغياب، وأن إصدار رواية إضافية بلا ضرورة داخلية قد يُضعف المشروع أكثر مما يقوّيه.
غياب ربيع جابر يضع المشهد الثقافي أمام سؤال صريح: كيف يتعامل الوسط الأدبي مع الكاتب الذي يرفض الدخول في اقتصاد الظهور؟ وهل هناك متّسع لتجربة تقوم على الصمت والعمل البطيء في زمن السرعة الرقمية؟
في هذا السياق، يتحوّل حضوره الصامت إلى مرآة تكشف هشاشة العلاقة بين القيمة الأدبية والانتشار الإعلامي، ويعيد طرح معيار مختلف للحضور الثقافي، يقوم على الأثر التراكمي للنصوص لا على عدد المناسبات.
ربيع جابر حاضر في المكتبة العربية حتى وهو بعيد عن المنصات. رواياته تواصل التداول، وتجاربه السردية ما زالت مادة قراءة ونقاش. غيابه الحالي يحمل طابع المسافة التأملية، لا القطيعة. صمت مشحون بأسئلة، يذكّر بأن الكتابة فعل طويل النفس، وأن بعض المشاريع تحتاج إلى عزلة، وزمن خارج مقاييس السوق.
هذا الغياب، في عمقه، يبدو امتداداً صامتاً لمشروعه السردي، حيث الصمت ذاته يتحوّل إلى شكل من أشكال الكتابة.
0 تعليقات