لندن - في تاريخ الرواية الحديثة ارتبطت اللغة دائماً بالسلطة والمعرفة والهيمنة الثقافية. الاستعمار، الهجرة، التعليم الغربي، وأسواق النشر العالمية دفعت أجيالاً من الروائيين إلى الكتابة بلغات ليست لغاتهم الأولى. هذا التحول اللغوي منح بعضهم انتشاراً واسعاً، غير أن كثيرين واجهوا مع مرور الزمن شعوراً عميقاً بالاقتلاع الرمزي، حيث فقدت اللغة الثانية قدرتها على حمل الذاكرة الداخلية، والإيقاع العاطفي، والحمولة الثقافية التي تشكّل العمق الخفي للنص. عند هذه النقطة عاد عدد من الكتّاب إلى لغاتهم الأم، في خطوة تحمل أبعاداً ثقافية وسياسية وفكرية تتجاوز حدود التقنية السردية.

نغوغي وا ثيونغو، الروائي الكيني المولود عام 1938، يمثّل الحالة الأكثر وضوحاً في هذا المسار. بدأ مسيرته الأدبية بالإنجليزية عبر روايات مثل «لا تبكِ أيها الطفل» و«حبّة قمح»، وحقق حضوراً مبكراً في المشهد الأدبي الأفريقي المكتوب بالإنجليزية. بعد سجنه في سبعينيات القرن الماضي بسبب نشاطه الثقافي والسياسي، أعاد التفكير جذرياً في موقع اللغة داخل مشروعه الأدبي. اتخذ قراراً قاطعاً بالتخلي عن الإنجليزية والعودة إلى لغة الكيكويو المحلية. كتب بهذه اللغة أعمالاً مثل «شيطان على الصليب» و«ماتيجاري». هذا التحول حمل رسالة ثقافية واضحة: اللغة ليست أداة محايدة، والكتابة بلغة المستعمر تعيد إنتاج علاقات القوة الرمزية. العودة إلى اللغة الأم شكّلت إعلان استقلال ثقافي طويل الأمد، ومحاولة إعادة الأدب إلى المجال الشعبي بعيداً عن النخبوية الأكاديمية.

كاتب ياسين، الروائي الجزائري المولود عام 1929، عاش توتراً لغوياً مختلفاً في السياق الاستعماري الفرنسي. روايته الأشهر «نجمة» كُتبت بالفرنسية، غير أن بنيتها السردية حملت ذاكرة جزائرية جريحة. لاحقاً اتجه إلى المسرح الشعبي وبدأ الكتابة بالعربية الدارجة، رغبة في إعادة وصل النص بالجمهور المحلي. هذا الانتقال لم يكن حركة تقنية، وإنما موقف ثقافي يعكس صراع الهوية في مجتمع خرج لتوّه من الاستعمار، ويحاول إعادة بناء لغته الوطنية في الفضاء العام.

في غرب أفريقيا أيضاً، مرّ الروائي السنغالي عثمان سمبين، المولود عام 1923، بتجربة مشابهة. كتب أعماله الأولى بالفرنسية مثل «عامل الرصيف الأسود»، ثم عاد تدريجياً إلى لغات محلية في أعماله السينمائية والأدبية، معتبراً أن اللغة الاستعمارية تفصل النص عن جمهوره الطبيعي. مشروعه الثقافي اتجه نحو بناء سرد أفريقي موجّه إلى الداخل الاجتماعي لا إلى القارئ الغربي وحده.

في آسيا، واجه الروائي الصيني الأميركي ها جين، المولود عام 1956، إشكالية لغوية مختلفة. كتب رواياته الأساسية بالإنجليزية بعد هجرته إلى الولايات المتحدة، ومن أعماله المعروفة «انتظار» و«حرب قمامة». رغم نجاحه النقدي، صرّح في مقابلات متعددة بشعوره الدائم بأن الكتابة بلغة ثانية تخلق مسافة باردة مع الذاكرة الشعورية. لاحقاً عاد إلى الكتابة الشعرية باللغة الصينية، في محاولة لاستعادة العلاقة المباشرة مع المخزون الثقافي الأول. هذه العودة الجزئية تكشف صراع الكاتب المهاجر بين لغة السوق العالمي ولغة الطفولة.

صامويل بيكيت، الكاتب الإيرلندي المولود عام 1906، قدّم تجربة مختلفة في الاتجاه المعاكس ثم عاد لاحقاً إلى لغته الأولى. كتب عدداً من أعماله الأساسية بالفرنسية، ومنها «في انتظار غودو»، ثم عاد إلى الإنجليزية في مراحل لاحقة. بيكيت أشار إلى أن اختياره الفرنسية جاء رغبة في التخلص من البلاغة الموروثة في لغته الأم، غير أن العودة إلى الإنجليزية لاحقاً أعادت فتح العلاقة مع الإيقاع الداخلي للغة الأولى.

في السياق المغاربي، كتب الطاهر بن جلون أعماله الروائية بالفرنسية مثل «تلك العتمة الباهرة» و«ليلة القدر»، ثم اشتغل في مراحل لاحقة على نصوص ذات مرجعية لغوية عربية من خلال إعادة التفكير في الهوية الثقافية للنص وترجمته الذاتية لأعماله، في محاولة لبناء جسر مزدوج بين الداخل والخارج.

هذه التجارب تكشف أن اللغة ليست قناة محايدة لنقل الحكاية. اللغة تحمل تاريخاً من الهيمنة، وتخزن داخلها منظومة قيم وتصورات للعالم. حين يغيّر الكاتب لغته، يغيّر زاوية نظره إلى ذاته وإلى المجتمع. العودة إلى اللغة الأم تمثل في حالات كثيرة استعادة للذاكرة الشفوية، للإيقاع اليومي، للحميمية التي تعجز اللغة الثانية عن إنتاجها مهما بلغت درجة الإتقان.

في العمق، هذا المسار يطرح سؤالاً مركزياً حول الأدب العالمي. الكونية لا تُبنى عبر هيمنة لغوية واحدة، وإنما عبر تعدد الأصوات واللغات وتجارب الهامش. النصوص التي تعود إلى لغاتها الأصلية تحمل كثافة شعورية أعلى، حتى عندما تُترجم لاحقاً إلى لغات أخرى.

العودة إلى اللغة الأم لا تعني الانغلاق الثقافي، وإنما إعادة تموضع داخل الخريطة الأدبية العالمية، حيث يصبح الكاتب شريكاً في صياغة خطاب متعدد المراكز، لا تابعاً لمركز لغوي واحد.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم