القراءة الخطرة
التربية العاطفية:
حاورتُ في الشهر المنصرم، صديق عزيز، حول ضرر قراءة الروايات على القارئ، وخصوصا القارئ المراهق. زعم هذا الصديق، بأنّ قراءة الرواية، تؤثّر في عقل المراهق، بشكل سلبي، وبالتالي تؤثر في استقامته. ونفس الزعم طرحه مغرّد، في وسائل التواصل الاجتماعي، مضيفا الفلسفة إلى الرواية، هذه المرّة. هذين الموقفين، ذكراني بمقطع من " التربية العاطفية " لفلوبير. أشار إليه الناقد عبد الفتاح كيليطو، في كتابه "بحبر خفي": تصف الرواية في مستهلها، السفر الذي قام به فريدريك مورو، من باريس إلى نوجان، مسقط رأسه. وحيث كان من المفترض، أن يستقل البطل عربة بريّة، سريعة، توصله في أقرب وقت. لكنه وعوضاً عن ذلك، يختار السفر على متن سفينة، لا تصل إلا عبر منعرجات نهر السين، ومنعطفاته. وفي سياق الإحباط، الذي يلم بفريدريك، وصديقه ديلوريي، يقوم كلا منهما بتفسير فشله، وفشل جيلهما ككُل. فيقول ديلوريي، إن إخفاقه ربما، يكون نتيجة "مبالغة في الاستقامة"، بينما يعزو فريدريك خيبته، إلى "انعدام الخط المستقيم".
إن فكرة أن تشكل القراءة، خطرا على المعتقد، فكرة برأيي، سخيفة من الأساس وزائفة. شخصياً لا أتقبّلها. فالحياة اليوم مليئة بالمغريات. يمكن للأفلام الإباحية والصور الخليعة، المنشورة في المواقع والمجلاّت والشاشات، أن تؤثر سلبا على المراهق، وتُسهم في انحرافه. هذا مقبول إلى حدٍ ما. أقول "إلى حدٍ ما"، ربما إذا كان الأمر، يتعلّق بمجتمع منغلق جدا على ذاته. لكننا في مجتمع، الشاب فيه لا يكون محاصرا في علاقته مع المرأة، كما هو الأمر في بعض الدول العربية. وبالتالي الانحرافات، لا يمكن أن تكون ناتجة عن القراءة، أو التأثير السلبي، لما يُنشر في المجلات والجرائد. وإذا سلمنا جدلا بذلك، هل فعلا لدينا قرّاء "فلسفة" حقيقيون، لدرجة أنه يمكن، أن يغدو الواحد منهم، مُلحداً أو مشككاً، أو ناكرا للدّين؟ كم نسبتهم يا ترى؟ حسب علمي، لا يوجد هذا النوع من القرّاء. بل لا يمكن أن نجد قارئ واحد في الألف ولا الألفيين، ولا حتى المليون. يبلغ تعدادنا " 16" مليونا حسب الإحصاءات الدولية. ومن ثمّ، بناء على ذلك، لابد أن يكون لدينا "16 " قارئا على الأقل، إذا كان هذا الافتراض حقيقياً. وهذا العدد كاف باعتقادي، لإحداث ثورة ثقافية، أو تنويرية، في مجال الفلسفة. ثورة بإمكانها، إسقاط التابوهات الدينية، المتزمّتة، التي نعيش وسطها. قرّاء الفلسفة، الذين يعيشون بيننا، لا يتعدّى عددهم، أصابع اليد الواحدة، واليد الواحدة لا تصفّق. وهؤلاء محبطون من سيرورة المجتمع، منزويون في أماكنهم، ولا يمكنهم الحديث بجرأة، لأنهم محاصرين بكافة الأيديولوجيات، التي تقمع أيّ صوت، يحاول الخروج من قُمقمه. وبالتالي لا يكون لهم أي تأثير كبير، يمكن أن يشكّل خطراً على معتقدات الناس.
الناس في الغرب لا يقرؤون القرآن، ولا رياض الصالحين، ولا أيا من النصوص الدينية، ومع ذلك فإنهم في الأغلب الأعم، لا يسرقون ولا يغشون ولا يقتلون ولا يحتالون على الغير. بينما المتدينين عندنا، يفعلون كل ذلك وأكثر. فترى المتديّن وهو يرتدي جلبابه القصير، ولحيته تتدلى على صدره، يغضب ويستلّ سكينه، في أول مناكفة. يدخل المسجد، وهو يتأبط سلاحه الحي. مع أنه لم يقرأ الفلسفة، ولم يقرأ الرواية، طوال حياته. فالروايات لا تُنتِج سكاكين، ولا بنادق، ولا بغضاء. بل إنّ هذه الأشياء الخطرة، لا يمكن أن توجد في أيّ كتاب، خرج من ذهنٍ حُر. لأنّ القارئ الحقيقي، كائن فطري، غريزي، لا سند له ولا دعامة. ظاهره لا يختلف عن باطنه، وفعله يطابق قوله، يتّسم بالشفافية والصفاء. لا ينتمي إلى حزب، أو طائفة، تشحنه بما تختلقه من أباطيل، وترهات. يمكنكَ أن تقوده بصلف وعناد، أمام باب القانون" بتعبير كافكا"، دون أن ينزع ذراعه منك، أو يطعنكَ في الظهر. أكثر أفكاره خطراً، هي أفكار نظرية. وخطرها لا يتعدّاه هو. من الممكن أن يفكر وهو مستلقيا في فراشه، بأنه تحوّل إلى بِنتِ وَرْدان، أو إلى حشرة حقيرة، كما في قصة "المسخ" لكافكا. أو تفتح عينيك في الصباح، فترى رجلين يأكلان فطورك، بدون حرج ولا مبالاة، كما في رواية "المحاكمة".
إذن، فكل شخص يقوم بسلوك ما، فهو يفعل ذلك انطلاقا من التربية، التي تلقّاها من البيئة التي نشأ فيها. وسواء تعلّق الأمر بالبيت، أو المدرسة، أو الخلوة، فإن الأرضية التي تربى فيها، لابد وأن تتجلى آثارها في تكوينه.
ذم الرواية:
جل الذين يتحدثون عن الرواية، لم يسبق لهم أن قرؤوا رواية، أو أيا من الكتابات السردية التي تناقش الرواية بجديّة. لهذا فهو يعتقدون أنّ الطفل وهو في العاشرة، والفتى وهو في الثامنة عشر، يقرأ نفس الرواية، التي يطالعها الكبار. بينما الواقع يقول، أن لكل فئة عمرية، ما يناسبها من القراءات. فهناك ما يسمى بأدب الطفل، وروايات الفتيان. لها شروطها، وأسلوبها، ومحدداتها، وحتى الثيمات التي تُبنى عليها. في كل العالم العربي، كما سائر دول العالم، يكون لهذا الأدب جوائزه، في الرواية والقصة والنقد والدراسات. فكيف إذن ينحرف المراهق، إذا كان الوالدين يوجّهانه، ويخصّصان له الكتب، التي تناسب عمره؟ وإذا كان البيت، الذي يتأثّر بتكوينه، عاجزا عن القيام بمهامه، فهل على القراءة، أن تحمل وزْرَ نقصانه، في التربية العاطفية؟
ثم أن الرواية ذاتها، تنقسم إلى ألوان كثيرة، تتعدد بتعدد العلوم والآداب العالمية، فكما يمكن للفتى أن يقرأ رواية عاطفية، يمكنه أن يقرأ رواية تاريخية " تتناول أحداث أو شخصيات معروفة تاريخية" أو سيرية "سيرذاتية"، أو دينية"شخصيات وأحداث" أو بوليسية، أو فانتازية، أو فلسفية، أو حتى رواية تأخذ من الرياضيات أو الفيزياء أو الطبخ ثيمة أساسية. ومن لا يقرأ "ألف ليلة وليلة"، و"أدب الكاتب" و"البيان والتبيين" و"الكامل" "والمتسطرد" و"البخلاء" و"الأغاني" ومقامات الحريري، وبديع الزمان الهمذاني، إلى أفلاطون، إلى أوديسا هوميروس، إلى شكسبير، وعشرات الكتب الكلاسيكية وغير الكلاسيكية. هي ليست في الحقيقة، سوى نوع كلاسيكي من الرواية الحديثة. لماذا أسّس هارون الرشيد بيت الحكمة أو خزائن الحكمة، إذا كان الأدب لا جدوى له؟ ولماذا اهتم قبله أبو جعفر المنصور، بترجمة الطب والنجوم والهندسة والآداب؟ واهتم بمترجمين مثل يوحنا بن ماسويه، وجبريل بن بختيشوع، وحنين بن إسحاق، وكثير من العلماء واليهود والنساطرة والفرس؟ ولماذا جازف نصر الدين الطوسي بإنقاذ حوالي " 400,000 " مخطوطة ونقلها إلى مرصد "مراغة"؟
يقول ابن العميد، عن أدب الجاحظ" إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب ثانيا". لأننا عند ما نقرأ، نصبح شغوفين وفضوليين، وفوق ذلك نُحب اللغة. كيف تتعامل مع لغتك دون مهارة، دون فن؟ أنت لن تمتلك المهارة، ما لم تُحب لغتك. ولولا الأدب، لما عرفنا فرسان اليراعة، وأرباب البراعة. ولا الشعراء الذين ينشدون في الحال، من غير انتحال. ها هو ابن المقفع، يقول عن الهنود، في ترجمته لكتاب "كليلة ودمنة": وضعوا هذا الكتاب ولخصوا فيه، من بليغ الكلام ومتقنه، على أفواه الطير والبهائم والسباع. فاجتمع لهم من ذلك أمران: أما هم فوجدوا متصرفا في القول، وشعابا يأخذون فيها. أما هو فجمع لهْواً وحكمة، فاجتباه الحكماء لحكمته، والسخفاء للهوه". أي أنّ العقول المتبصرة، تأخذ الحكمة، وتدع السخيف للأذهان العامية. نتساءل الآن عم يحدث، عند ما لا نقرأ إلا الكتب الدينية؟ أم علينا أن نكتفي بقراءة " نواضر الأيك.."، أو "الوشاح في أخبار النكاح" أو "إسبال الكساء على النساء" أو "شقائق الأترج في رقائق الغنّج" أو "رشف الزلال من السحر الحلال" المنسوبة للإمام السيوطي، أو "صيد الخاطر" لابن الجوزي"؟ فما يوجد في هذه الكتب من التعرية والشفافية، لا يوجد حتى في الروايات.
ثم إن الشعب الذي لا يقرأ، بالضرورة شعب لا يكتب. ولهذا غابت عنا سِيَر الأحداث التاريخية، في كانِم وودّاي وباقِرْمي، وسلطنات البولالة والداجو والزغاوة. بل إنّ العلماء، الذين يتحدثون عنهم في بعض المصادر، لم يكن لهم وجود، إلا في الورق. إذ لم يتركوا أي وثائق، تدل عليهم، أو تؤرخ لزمانِهم. حتى وإن كان المجتمع، مجتمع شعري"نسبة إلى الشّعر" فإنّ التاريخ، لا يحفظ لنا شيئا من شعراء الزمن القديم، الذين عاشوا في زمن الكانمي أو قبله. الكانمي نفسه، لو لم يسافر إلى مراكش، لما وصلتنا سيرته، وامّحا أثره، كما هو الحال مع شعره، الذي لم تصلنا منه سوى شذرات.
فالخطر إذن، ليس من القراءة، إنما الخطر ناتج عن عدم القراءة.
صناعة القطيع أو تكريس البلاهة:
في كل مجتمع إسلامي أو عربي، دائما ما نجد مجموعة دينية، متزمّتة، ترمي بالطُّعُم، فيتلاقفه القطيع ببلادة. وغالبا ما يتكوّن هذا القطيع، من الأميّين وأشباه الأميّين، الذين لم يترعرعوا على الكتاب، ولا على الثقافة عموما. من السهل خِداع الناس البسطاء. المزيّفون في كل مكان، وفي كل دين، ولا حصر لهم. وهم مثل أولئك الأيديولوجيون، محرومين من نعمة القراءة، من طرح الأسئلة، من الشك الذي يأت باليقين. والعِلم، في الأساس، يقوم على الشك، وطرح الأسئلة. وليس النظر إلى الأدب والفلسفة، بمنظور وعظي، تكون فيه الدنيا في خانة، والآخرة في خانة أخرى. إنهما لا يرتبطان ولا يتجاوران. ويجب أن يظلا على هذا التنافر.
الرواية لا تناقش، علاقة الإنسان بالإله، وإنما علاقة الإنسان بالإنسان، بالمجتمع، وبعالمنا الذي غدا مُعتماً مُلْغزا.
لا يمكنهم تقبل أفكارنا، لأنهم لم يتربوا عليها. يعيشون منغلقين على ذواتهم، مثل الخنافس. كما لا يسمحون للآخرين، في أن يعيشوا حياتهم، ويخالفوا القطيع الذين ينبذ كل ما يخالفونه. وجودهم فارغ، وعطشهم لكره الناس لا يُروى. وشخصياتهم مكسوة بغطاء شفاف، شانها شأن كل شخصية شفّافة، تنفتح على سلسلة من المتضادات، التي لا رابط يحكمها. يريدون من الناس، أن يصيروا امتدادا لهم، أو كائنات طفولية. وما أن يخالفهم أحد الرأي، حتى يهتاجون اهتياج الإبل المغتلمة. هم انتعاليين، انتقائيين. يقسّمون العالم إلى أخروي، ودنيوي. وهم أيضا مساهمين في القهر، وحركة التنمّر، والخوف. يخافون العلم، ويناهضونه. مستفيدين من القهر الديني، وتشظي الهُويّات والثقافة والتنوير. قاتلين أي علامة للانفتاح والتسامح. وبهذا، ينهال القطيع خلفهم، انهيال الرمل، على حد قول الجاحظ . ولا يتبقى للمثقف - أو كما قال عبد السلام بن عبد العالي -" إلا الانخراط في شبكات مقاومة ، تسعى جهدها إلى بلورة أسئلة وإحداث شروخ، في عالم ينحو نحو التنميط والتخشب وتكريس البلاهة".
في الواقع، حتى المتزمّتين، يعيشون إكراهات قسرية، من أجل الالتزام، بالخط الذي يعتبرونه مستقيما. وفي معظم الأحوال، يستخدمون الدين من أجل التظاهر. أما قلوبهم، فأكثر قذارة من الواقع. وكثيرا ما رأينا فضائح، عن جرائم أبطالها رجال دين، أو شاهدنا فيديوهات، تورطهم في أعمال لا تليق بممثلي أي دين، مهما كان نوعه. إنهم لا يستنكفون انفتاح العقول، بداعي الزهد والتقوى. وإنما يستكثرون على الأقل، أن يأخذ المجتمع مسافة من قيودهم، ويتحرر. وربما، في وقت من الأوقات، تسقط أقنعة شخصياتهم، وأقنعة خطابهم المتزمّت.
لسنا وحدنا من يشعر بالعجز، من جدوى عواءنا، وكتاباتنا. لأنّ الأيديولوجيا أقوى. والأفكار تأخذ وقتاً كي تتغيّر. أو كما يقول الشاعر الألماني فريدريش شيلر" ضد البلاهة حتى آلهة الإغريق تكافح دون جدوى". غوستاف فلوبير، كان يتقاسم الرأي ذاته، حين ألّف كتابه "قاموس الأفكار الجاهزة"، ويقول" البلاهة الإنسانية الآن، تثقل كاهلي بقوة، حتى لكأنني ذبابة تحمل الهيمالايا على ظهرها". لأنّ ما نمر به، وما نعيشه، مرض مزمن، بكل ما تعنيه الكلمة. وسبق لمصطفى حجازي، أن شرح ذلك و"شرّحهه" في كتابيه"سيكولوجية الإنسان المقهور" و"سيكولوجية الإنسان المهدور". فهل من الممكن، أن نشهد مجتمع تنويري متفتّح، ومنفتح على الآخر، والثقافات الأخرى، يقرأ، ويكتب، ويناقش، ويسافر، دون النظر إلى الوراء؟ ربما، ليس هذا هو الوقت المناسب، لنُغازل هذا الطموح. ولكن علينا أن نأمل، ليس إلا.
0 تعليقات