باريس – يشهد الموسم الأدبي الفرنسي في بدايات العام الجديد حدثاً لافتاً يتمثل في صدور الترجمة الفرنسية لأول عملين روائيين يحملان توقيع نجمين من الصف الأول في السينما العالمية، هما توم هانكس وكيانو ريفز، في خطوة تعكس انتقالاً واعياً من الشاشة إلى الصفحة، وتفتح نقاشاً حول علاقة السينما المعاصرة بالسرد الأدبي المكتوب، وحدود التداخل بين الخبرة البصرية والكتابة الروائية.

العمل الأول هو رواية توم هانكس التي تصدر بالفرنسية تحت عنوان Naissance d’un chef-d’œuvre du cinéma عن Éditions du Seuil، لتصبح متاحة في المكتبات الفرنسية اعتباراً من 16 كانون الثاني/ يناير. الرواية، التي ظهرت نسختها الأصلية بالإنكليزية في الولايات المتحدة عام 2023، تُعد شهادة سردية على عالم صناعة الأفلام من الداخل، حيث يستعيد هانكس تفاصيل إنتاج فيلم ضخم لبطل خارق، كاشفاً عن شبكة العلاقات المعقدة بين المخرجين والممثلين والمنتجين والتقنيين، وعن الضغوط الفنية والاقتصادية التي تحيط بكل مرحلة من مراحل التصوير. دار النشر الفرنسية وصفت العمل بأنه نظرة دقيقة إلى “الجهد الجماعي الخفي” خلف الأفلام الكبرى، ورواية تُكرّم السينما كفن جماعي لا يقوم على النجومية وحدها، بل على تضافر عشرات المهن والمهارات.

ويأتي هذا الإصدار امتداداً لاهتمام هانكس السابق بالكتابة السردية، إذ سبق أن نشر مجموعة قصصية لاقت صدى واسعاً لدى القرّاء والنقاد، غير أن هذه الرواية تمثل أول تجربة روائية طويلة له، تتكئ على خبرته الممتدة لعقود في هوليوود، وتحوّل الكواليس السينمائية إلى مادة أدبية تتقاطع فيها الوقائع مع الخيال، والتوثيق مع السرد.

في المقابل، يتجه كيانو ريفز في عمله الروائي الأول إلى أفق مختلف تماماً، عبر رواية Le Livre d’ailleurs، التي شارك في كتابتها مع الروائي البريطاني China Miéville، وتُعد نسخة مترجمة من رواية صدرت بالإنكليزية عام 2024. العمل ينتمي إلى أدب الخيال العلمي والفانتازيا الداكنة، ويتناول رحلة محارب خالد يعيش عبر عصور متتابعة، مطارداً بأسئلة العنف والخلود والهوية، في عالم تتقاطع فيه الأسطورة مع المستقبل.

الرواية جاءت بالتوازي مع مشروع ريفز في عالم القصص المصورة، وتحديداً سلسلة BRZRKR التي شارك في ابتكارها، وهو ما يمنح النص الروائي عمقاً إضافياً، كونه جزءاً من عالم سردي أوسع يتوزع بين النص المكتوب والصورة. ويشير ناشرون فرنسيون إلى أن هذا العمل يستهدف جمهوراً واسعاً يجمع بين قرّاء الخيال العلمي ومتابعي أعمال ريفز السينمائية، مع رهان واضح على جاذبية الاسم وعلى فرادة الشراكة مع كاتب معروف في هذا الحقل الأدبي.

ويأتي صدور هذين العملين ضمن موجة واسعة من الترجمات الفرنسية لأعمال إنكليزية تُطرح تقليدياً في شهر كانون الثاني/يناير، وهو شهر يُعرف بزخمه الثقافي وبتقديمه لأعمال عالمية جديدة إلى القارئ الفرنسي. ويرى متابعون أن دخول أسماء سينمائية كبيرة إلى حقل الرواية يطرح أسئلة حول تحولات مفهوم “المؤلف” في الثقافة المعاصرة، وحول قدرة النجومية على فتح مسارات جديدة للتجريب الأدبي، بعيداً عن القوالب التقليدية.

بهذا المعنى، لا تبدو ترجمة روايتي هانكس وريفز حدثاً عابراً، لكنها مؤشر على حراك ثقافي أوسع تتلاقى فيه السينما والأدب، وتُختبر فيه حدود السرد بين الصورة والكلمة، في لحظة تشهد فيها السوق الفرنسية اهتماماً متزايداً بالأعمال المترجمة وبالأصوات القادمة من خارج الحقول الأدبية التقليدية

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم