لندن - خلال الأيام الماضية عاد موضوع “ثقافة المعجبين” إلى واجهة التغطية الثقافية الإنجليزية عبر حديث متكرر عن روايات جديدة تجعل من جماعات المعجبين مادة سردية مركزية، لا هامشاً. اللافت أن هذا المسار لم يأتِ من باب الاحتفاء بظاهرة شبابية عابرة، إنما من زاوية أدق: كيف يصنع الإعجاب، حين يتحول إلى منظومة رقمية، هويةً كاملة لشخص يبحث عن مكانه في العالم؟ وكيف يتبدّل معنى القرب العاطفي عندما تُبنى العلاقات على شاشات، ثم تُدار كاقتصاد وسمعة وولاء جماعي؟

ضمن هذا السياق برزت رواية «سوبرفان» للكاتبة الأميركية جيني تنغهوي تشانغ، التي رُشحت ضمن اختيارات “كتب فبراير” في الصحافة الأميركية، مع تقديمها عملاً يضع الهوس بنجوم موسيقى “كي-بوب” في قلب حكاية عن الانتماء، والوحدة، وعنف القرب المتخيَّل.  

المراجعة المنشورة في صحيفة «أوستن كرونيكل» خلال الأيام الماضية تكشف عن زاوية مهمّة في قراءة الرواية: ثقافة المعجبين عند تشانغ تحمل طاقة “تمكينية” وتواصلية، ثم تنقلب إلى قلق وارتياب، ثم تتحول إلى مصدر ربح ضخم، أي أنها عالم أخلاقي واقتصادي ونفسي معاً. هذا التعقيد يعيد تعريف “المعجب” كفاعل داخل شبكة كاملة من التأثيرات، لا متلقٍ ساذج يتبع نجمًا من بعيد.  

وتقدّم الكاتبة في تعريفها للرواية (كما يظهر في الصفحة التعريفية للكتاب) رؤية تنطلق من فكرة “العلاقة شبه-الحميمية” التي تولدها التقنية بين الجمهور والشخصية العامة، وما تخلقه من شعور بالقرابة، ثم ما تفتحه من أبواب للغيرة والتملّك والاختبار القاسي للحدود. التركيز على “العلاقة شبه-الحميمية” هنا مهم لقارئ عربي لأن المفهوم يتجاوز السياق الموسيقي: إنه يعيد طرح سؤال قديم بصيغة رقمية: أين ينتهي الإعجاب ويبدأ التعلق الذي يبتلع صاحبه؟  

أهمية حضور “كي-بوب” في الرواية لا تعود إلى الموسيقى وحدها، إنما إلى طريقة اشتغال هذه الصناعة على تكوين “جماعات” متماسكة، لها طقوسها ولغتها وأخلاقها الداخلية. الجماعة هنا تمنح الفرد شعوراً بالاعتراف، ثم تطلب مقابلاً: الولاء، الدفاع، المشاركة، وربما العداء لمن يهدد صورة النجم أو سمعة الجماعة. في هذه المنطقة يتشكل توتر سردي شديد: الفرد يأتي إلى الجماعة بحثاً عن أمان، ثم يجد نفسه داخل منظومة ضغط وتنافس ورقابة متبادلة.

هذه الروايات تكتب أيضاً عن “الهوية بوصفها أداءً”، حيث يقدّم الفرد نسخةً عن نفسه داخل المنصات، يصقلها، ويعدّلها، ويتعلم كيف يتكلم كي ينال القبول. ومن هنا يتحول النص الروائي إلى مرآة لمجتمع رقمي كامل: الإعجاب يتحول إلى عمل يومي، والانتماء يتحول إلى إنتاج مستمر للصورة.

وتلتقط مجلة «بيبول» هذا الاتجاه ضمن عرضها لقوائم الشهر عبر الإشارة إلى أن «سوبرفان» تستكشف علاقة الهوس بالهوية عبر افتتان مرتبط بثقافة “كي-بوب”. حضور هذه الملاحظة في مجلة جماهيرية واسعة الانتشار يكشف أن موضوع “الفاندوم” خرج من دوائر النقد الثقافي المتخصص إلى دائرة اهتمام عامة، أي أنه صار جزءاً من الأسئلة اليومية حول الذات في العصر الرقمي.  

للقارئ العربي، يمكن تحويل هذا الخبر إلى ملف أوسع يتناول: صعود الرواية التي تكتب عن الإنترنت من الداخل، وعن المجتمعات الرقمية التي تعيد تعريف الصداقة، وتحوّل القرب إلى توتر، ثم تضع الفرد أمام سؤال: هل يبحث عن نجم… أم يبحث عن نفسه عبر النجم؟

المصدر:

مجلة «بيبول» الأميركية (فبراير ٢٠٢٦)، صحيفة «أوستن كرونيكل» (فبراير ٢٠٢٦)، الصفحة التعريفية لرواية «سوبرفان» على موقع الكاتبة.  


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم