رحيل حسين علي حسين… ذاكرة السرد التي كتبت الحزن بهدوء
الرياض - ودّع المشهد الثقافي السعودي، مع مطلع العام الجديد، أحد أبرز أصواته السردية والصحافية، برحيل الأديب والكاتب حسين علي حسين، الذي شكّل على امتداد عقود علامة فارقة في القصة القصيرة، وصوتاً مميزاً في التقاط التحولات الاجتماعية بلغة مشحونة بالتأمل والحس الفلسفي.
حسين علي حسين، المولود في المدينة المنورة عام 1950، دخل عالم الكتابة مبكراً أواخر ستينيات القرن الماضي، حين نُشرت أولى قصصه في صحيفة «المدينة»، قبل أن تتسع تجربته وتتعمّق عبر مسار جمع بين الصحافة والأدب. وقد ظلّ السرد لديه فعلاً حدسياً، يبدأ -كما كان يصفه- بصورة خاطفة أقرب إلى «وميض البرق»، تتشكّل ملامحه تدريجياً مع إعادة الكتابة، من دون تخطيط مسبق للرسائل أو الخلاصات.
عرف الراحل بتواضعه وصمته الطويل، وهما سمتان انعكستا بوضوح في نصوصه، التي انحازت إلى الشخصيات الهامشية والقلقة، وقدّمت عالماً يهيمن عليه الإحباط والأسئلة الوجودية. كان يرى في الصمت فضاءً للتأمل، وفي القراءة أساساً لكل كتابة، حتى إنه أقرّ في أكثر من مناسبة بأن القراءة كانت دائماً أكبر من مساحة ما يكتبه.
ثقافياً، انفتح حسين علي حسين على آفاق واسعة؛ قرأ المسرح العالمي والعربي، من تشيخوف وبرنارد شو وبريخت وسارتر وكامو، إلى توفيق الحكيم وألفريد فرج، كما نهل من النقد العربي الحديث وأعمال طه حسين وعباس العقاد ويحيى حقي ومحمود أمين العالم. هذه الخلفية المتنوعة أسهمت في تشكيل نبرة خاصة في قصصه، تجمع بين الحس الاجتماعي والنفَس الفلسفي، مع اعتماد واضح على التفاصيل اليومية والمعتقدات الشعبية.
على الصعيد المهني، بدأ مشواره الصحافي مراسلاً في مجلة «اليمامة» مطلع السبعينيات، قبل أن يتولى إدارة مكتب صحيفة «المدينة» في الرياض، ثم مسؤولية قسم التحقيقات في صحيفة «الرياض»، إلى جانب عمله سكرتيراً لتحرير «اليمامة». وقد شكّلت الصحافة لديه امتداداً لاهتمامه بالإنسان وأسئلته، لا مهنة منفصلة عن الكتابة الإبداعية.
إبداعياً، ترك حسين علي حسين رصيداً مهماً في القصة القصيرة، من مجموعاته: الرحيل، ترنيمة الرجل المطارد، طابور المياه الحديدية، كبير المقام، رائحة المدينة، المقهى، العقد، وصولاً إلى مجموعته الأخيرة مزيكا. وقد تُرجمت بعض قصصه إلى الإنجليزية والروسية، ما أتاح حضور نصّه خارج السياق المحلي. وفي الرواية، أنجز عملين بارزين هما حافة اليمامة ووجوه الحوش، الأخيرة نالت عام 2025 جائزة «جمعية الأدب المهنية» ضمن مشروع تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي.
نال الراحل تكريمات عدة، منها ميدالية الاستحقاق من الدرجة الثانية عام 1984، وكان عضواً في مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض، كما شارك في مهرجانات وملتقيات ثقافية داخل المملكة وخارجها. واحتفى به نقاد عرب بارزون، رأوا في نصوصه عالماً مشبعاً بالقلق والحزن الوجودي، حيث تتحول الشخصيات العادية إلى مرايا لهشاشة الإنسان وأسئلته المفتوحة.
برحيل حسين علي حسين، تطوي القصة السعودية صفحة كاتب آمن بالهدوء طريقاً إلى العمق، وبالسرد أداة لفهم التحولات الخفية في المجتمع، تاركاً أثراً سيظل حاضراً في ذاكرة الأدب السعودي والعربي.
0 تعليقات