رحيل عملاق الأدب الأفريقي ومناضل اللغة والحرية: نغوجي واثيونغو
الرواية نت
توفي الروائي والمفكر الكيني البارز نغوجي واثيونغو عن عمر يناهز 87 عاماً، في ولاية جورجيا الأميركية، بحسب ما أكدته متحدثة باسم دار النشر التي تمثله في العاصمة الكينية نيروبي. ويُعد واثيونغو أحد أبرز أعمدة الأدب الأفريقي المعاصر، ووجهًا ثقافيًا عالميًا ظلّ لأكثر من نصف قرن يربط بين الكتابة والمقاومة، واللغة والهوية، والمسرح والسياسة.
وُلد واثيونغو عام 1938 في ظل الاستعمار البريطاني لكينيا، وبدأ مسيرته الأدبية باللغة الإنجليزية التي كانت آنذاك لغة التعليم والنشر الرسمي، قبل أن يتخذ قرارًا جذريًا بالتخلي عنها لصالح لغته الأم "كيكويو"، معتبرًا أن التغيير السياسي الحقيقي لا يكتمل دون تحرير لغوي وثقافي. هذا التحول الجذري لم يكن قرارًا أدبيًا فحسب، بل خطوة فكرية مقاومة، أعاد فيها تعريف العلاقة بين اللغة والحرية.
قال في حوار مع موقع To the Best of Our Knowledge:
"اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل. إنها حامل للرؤية، ومكوّن للوعي. حين تُجبر الشعوب على التفكير والتعبير بلغة الآخر، فإنها تعيش نوعًا من الاستلاب الوجودي."
في عام 1977، كتب نغوجي مسرحيته "أنا أتهم الرئيس"، التي قُدمت باللهجة الكيكويوية لجمهور ريفي، فاعتُقل فورًا من دون محاكمة. وفي سجنه كتب روايته الشهيرة "شيطان على الصليب" على ورق التواليت، لعدم توفر أي وسيلة أخرى للكتابة. لم يكن هذا مجرد تحدٍ للسلطة، بل تأكيد على أن الكتابة يمكن أن تكون فعل نجاة.
في مقابلة مع The Paris Review (رقم 253، 2019)، قال:
"الكتابة هي طريقتي في عدم الموت. حتى حين يسجنونني، لا يستطيعون تقييد خيالي. كنت أكتب لأنني كنت أرفض أن أصمت."
غادر نغوجي بلاده إلى المنفى، حيث أقام في بريطانيا ثم الولايات المتحدة، وواصل كتابته وترجماته وتدريسه في جامعات كبرى مثل جامعة كاليفورنيا - إيرفاين. لكنه ظل طوال حياته مرتبطًا بقضايا بلده والقارة الأفريقية، مناضلًا من أجل العدالة الاجتماعية، والاستقلال الثقافي، وكرامة اللغة الأم.
كان نغوجي يرى في الترجمة وسيلة لمقاومة المركزية الغربية في الثقافة العالمية. في مقابلة مع مجلة Tin House، صرّح:
"أريد أن أُترجم من الكيكويو إلى الزولو، ومن الأمهارية إلى اليوروبا، ومن العربية إلى السواحيلية... لا نحتاج دائمًا إلى المرور عبر الإنجليزية لنفهم بعضنا."
رُشّح نغوجي واثيونغو مرارًا لجائزة نوبل للآداب، وكان اسمه يتردد بقوة بين أبرز المرشحين، لكن الجائزة أفلتت منه لأسباب لم تُفسَّر رسميًا، ما أثار انتقادات واسعة حول طبيعة الجوائز الأدبية الكبرى ومدى إنصافها للأدب غير الغربي.
من أبرز مؤلفاته الإبداعية:
- البلد في الشروق (1964)
- حب على أقدام الحزن (1977)
- شيطان على الصليب (1980)
- ولادة كاتب (2010)
- الغرْب ينهار مرة أخرى (2020)
كما يُعد كتابه النقدي الشهير "تصفية استعمار العقل" (Decolonising the Mind) من أبرز المراجع في دراسات ما بعد الاستعمار، ومرجعًا في الجامعات حول العالم.
رحل نغوجي واثيونغو تاركًا إرثًا ثقيلاً لا يُختزل في قائمة أعمال، إنّما في مشروع متكامل من النضال الثقافي الذي لم يهادن يومًا، لا سلطة سياسية، ولا هيمنة لغوية، ولا صمتًا مفروضًا على الشعوب.
قال في أحد آخر حواراته:
"إن نضالي لم يكن يومًا من أجل الشهرة أو الجوائز، بل من أجل أن يتمكن الطفل الكيني من أن يحلم ويكتب ويقرأ بلغته دون خجل."
برحيله، يخسر الأدب العالمي أحد آخر أصواته الكبرى التي جمعت بين الجَمال والفكر والموقف. لكنه، كما كتب ذات مرة:
"الكتابة لا تموت. هي الطريقة التي يواصل بها الراحلون الحديث إلينا."
0 تعليقات