«مزامير التجاني» لمحمد فتيلينه في القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية
اختارت جائزة كتارا للرواية العربية رواية «مزامير التجاني» للروائي الجزائري محمد فتيلينه ضمن القائمة القصيرة في فئة الروايات المنشورة بدورتها الثانية عشرة لعام 2026، لتواصل الرواية حضورها في المشهد الأدبي العربي، بعد وصولها في يونيو الماضي إلى القائمة الطويلة للجائزة.
صدرت الرواية عام 2025 عن منشورات رامينا في لندن، وجاء اختيارها ضمن تسعة أعمال روائية تأهلت إلى المرحلة الأخيرة من المنافسة في فئة الروايات المنشورة، ممثلةً الجزائر في قائمة ضمت روائيين من ست دول عربية. ووفق الإعلان الرسمي، تصدرت مصر القائمة بثلاث روايات، تلتها السودان بروايتين، فيما حضرت السعودية والجزائر وسوريا والأردن برواية واحدة عن كل بلد.
وأعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، الأحد 16 أغسطس، قوائم التسعة في فئات الروايات المنشورة، والروايات غير المنشورة، وروايات الفتيان، والروايات التاريخية، والدراسات النقدية، إلى جانب فئة الرواية القطرية المنشورة. وبلغ مجموع الأعمال المتأهلة في الفئات المعلنة 45 رواية وتسع دراسات نقدية، بعد دورة سجلت رقماً قياسياً وصل إلى 2610 مشاركة، وهو أعلى عدد تستقبله الجائزة منذ إطلاقها عام 2014.
وجاء عبور «مزامير التجاني» إلى القائمة القصيرة بعد منافسة واسعة؛ إذ كانت القائمة الطويلة لفئة الروايات المنشورة قد ضمت 18 رواية لكتّاب من تسع دول عربية، بينها ثمانية أعمال مصرية وعملان لكل من الجزائر ولبنان، إلى جانب أعمال من السعودية وسوريا والسودان وتونس والمغرب والأردن. وبذلك انتقلت الرواية من قائمة الثمانية عشر إلى قائمة التسعة، لتصبح واحدة من الأعمال المرشحة لنيل الجائزة في مرحلتها الختامية.
تقدّم «مزامير التجاني»، الصادرة في 228 صفحة، عالماً سردياً يمتد بين السنغال والجزائر والبحر الأبيض المتوسط، ويجمع التصوف والهجرة والمنفى والأسئلة المرتبطة بالعدالة والسلطة والهوية. تنطلق الأحداث من قرية «لوزانغي» السنغالية، في ظل ظروف قاسية عاشها سكان المنطقة أواخر القرن العشرين، مع انتشار الفقر والجفاف وتزايد موجات الهجرة، قبل أن تتسع جغرافيا الرواية وتتشابك مصائر شخصياتها في مسارات تتجاوز الحدود المحلية.
تبدأ العقدة الروائية مع العثور على جثة «دليلة» المسنّة، وما يثيره موتها من غموض وتوتر داخل القرية. ويبرز شيخ الزاوية، سيدي لمبارك، بوصفه سلطة روحية وقضائية تتولى البحث في الواقعة، في مجتمع تتداخل داخله سلطة الموروث الديني مع العلاقات الاجتماعية وموازين النفوذ. ومن خلال هذه البداية، يضع فتيلينه شخصياته أمام أسئلة الحقيقة والعدالة، ويرصد تأثير السلطة الروحية في حياة الأفراد، وقدرتها على توفير الحماية أو إنتاج الخضوع والإقصاء.
تحتل الزاوية التجانية موقعاً مركزياً في البناء الروائي؛ فهي فضاء ديني واجتماعي وثقافي، ومرآة للتوتر القائم بين القيم الروحية والممارسات التي قد تنحرف بها نحو السيطرة. ويجسّد «دحمان» أحد وجوه هذا الصراع، مستفيداً من موقعه داخل الزاوية للتحكم في مصائر الآخرين، بينما ينشأ «مرزوق» في محيط تتنازعه البركة والخدمة والتمييز والرغبة في التحرر.
يتوزع العمل على خمسة أجزاء تحمل عناوين: «مرزوق بن حمو»، و«العتمة والنور»، و«الزبد والبحر»، و«الليل والنهار»، و«عود على بدء». وتؤدي هذه العناوين وظيفة تتجاوز التقسيم الفني، إذ ترسم إيقاع الرحلة التي يخوضها أبطال الرواية بين أضداد متجاورة: الظلمة والضياء، الاستقرار والرحيل، الإيمان واستغلاله، النجاة والغرق.
ويمثل البحر الأبيض المتوسط فضاءً حاسماً في الرواية؛ تظهر عبره قوارب الهجرة والغرقى والباحثون عن حياة جديدة، ويتحول البحر إلى حد فاصل بين الأمل والموت. كما ينتقل السرد إلى متن حاملة الطائرات الأميركية «هاري ترومان»، فاتحاً الرواية على عالم أوسع تتجاور فيه الحروب والهجرة والتمييز العنصري ومصائر الضحايا. وتتوازى في هذا الامتداد تجربة «مرزوق» السنغالي مع تجربة «مايك» الطفل الأسود في الولايات المتحدة، بما يمنح المعاناة الفردية بعداً إنسانياً عابراً للجغرافيا.
وتتنقل الرواية بين صوت مرزوق والراوي الخارجي، وتقوم بنيتها على حركة زمنية متداخلة تربط الذاكرة بالحاضر، والطفولة بالمنفى، والتجربة الروحية بالواقع السياسي. ويمنح تعدد الأصوات النص مساحة للنظر إلى الوقائع من زوايا مختلفة، ويجعل الحقيقة موزعة بين الروايات الشخصية والذاكرة والتأويل، فيما تتقاطع مصائر الشخصيات عبر الصحراء والبحر والزاوية وطرق الهجرة.
وتطرح «مزامير التجاني» جملة من الأسئلة المرتبطة بحدود السلطة الروحية، ومعنى العدالة في المجتمعات التي تتراجع فيها سلطة الدولة، ومصير الإنسان عندما تتحول الخدمة إلى خضوع، أو يصبح البحث عن النجاة طريقاً إلى اقتلاع جديد. كما تستعيد الرواية أثر الماضي في تشكيل الحاضر، وتبحث في قدرة الإنسان على التوفيق بين أصالة الموروث ومتطلبات الحياة المتغيرة، من دون التفريط بحريته وكرامته.
وكانت قراءات صحافية قد وصفت الرواية بأنها ملحمة روحية واجتماعية ترصد مصائر بشر يتقاطعون بين التصوف والسياسة والذاكرة المنفية، وأشارت إلى اتساع بنائها وتعدد مساراتها، وإلى حضور البحر والصحراء بوصفهما عنصرين فاعلين في حركة الشخصيات ومطاردتها لمصائرها. كما توقفت القراءات عند لعبة المرايا الزمنية التي يعتمدها فتيلينه، وربطه بين التمييز والهجرة والمنفى في بيئات وثقافات متباعدة.
ويعد محمد فتيلينه واحداً من الأصوات الروائية الجزائرية التي جمعت الكتابة الإبداعية بالبحث الأكاديمي والنقد الأدبي. وُلد في مدينة الجلفة عام 1975، ودرس الأدب العربي، ثم أنجز أبحاثاً أكاديمية حول التفاعل النصي والموضوعاتية في الرواية الجزائرية، ونشر عدداً من المقالات والدراسات النقدية المتصلة بالسرد العربي.
صدر له عدد من الأعمال الروائية، من بينها «على حافة البحيرة»، و«بحيرة الملائكة»، و«أحلام شهريار»، و«غبار المدينة»، و«تيمو»، و«خيام المنفى»، و«قلب أسمر»، و«رعاة أركاديا»، و«ترائب: رحلة التيه والحب». ونال خلال مسيرته عدداً من الجوائز، بينها جائزة دار أطلس للرواية العربية عن «غبار المدينة»، وجائزة الطاهر وطار للرواية العربية عام 2019 عن «ترائب: رحلة التيه والحب»، إلى جانب جائزة راشد بن حمد للإبداع عن رواية «قلب أسمر».
ويمثل وصول «مزامير التجاني» إلى القائمة القصيرة محطة بارزة في مسيرة الرواية وكاتبها، ويعزز حضور منشورات رامينا في الجوائز العربية، ضمن مشروعها الذي ينطلق من لندن لنشر الأدب العربي والكردي والإنكليزي، ودعم الأعمال التي تنفتح على تجارب إنسانية وجغرافيات وثقافات متعددة. كما يمنح هذا الاختيار الرواية فرصة أوسع للوصول إلى القراء والنقاد، ويضع تجربتها السردية في قلب المنافسة على واحدة من الجوائز العربية البارزة المخصصة لفن الرواية.
0 تعليقات