لطفية الدليمي.. رحيل قامة عراقية صنعت للرواية ذاكرةً وللترجمة أفقاً
عمان- رحيلُ الكاتبة والروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي يفتح بابًا واسعًا للتأمل في تجربة أدبية امتدت على عقود طويلة من الكتابة والعمل الثقافي. فقد غابت في 8 آذار/مارس 2026 في عمّان، بعد مسار غني ترك أثرًا عميقًا في الرواية العراقية والعربية، وفي حركة الترجمة والكتابة الفكرية المتصلة بالأدب وأسئلته. ومع غيابها تخسر الثقافة العربية واحدة من أبرز الأصوات التي اشتغلت على تحويل التجربة العراقية المعاصرة إلى مادة سردية ومعرفية، من خلال كتابة ظلت مشدودة إلى التاريخ والذاكرة والتحولات الكبرى التي عاشها العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
تنتمي لطفية الدليمي إلى جيل من الكتّاب العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وكان عليهم أن يبتكروا لغتهم الخاصة للتعبير عن هذه التحولات. وُلدت في محافظة ديالى عام 1939، ودرست اللغة العربية في بغداد، قبل أن تتجه إلى العمل الثقافي والصحافي، ثم إلى الكتابة السردية التي سرعان ما أصبحت المجال الأكثر حضورًا في تجربتها. وقد ظهرت منذ بداياتها كصوت نسوي بارز في الأدب العراقي، غير أن كتابتها تجاوزت حدود التصنيف الضيق للكتابة النسوية، إذ اشتغلت على أسئلة المجتمع والحرب والمنفى والذاكرة، وعلى أثر هذه العوامل في مصائر البشر وحياتهم اليومية.
في المشهد الروائي العراقي، اكتسبت لطفية الدليمي مكانة خاصة بوصفها كاتبة قادرة على الجمع بين الحساسية الإنسانية والوعي الفكري، وبين السرد الفني والانشغال بالأسئلة الكبرى التي يطرحها الواقع. لم تكن الرواية عندها مساحة للقصّ الحكائي وحده، بل حقلًا للتأمل في مصائر المجتمعات التي تعيش تحت ضغط التاريخ والعنف والتحولات المتلاحقة. ولهذا بدت شخصياتها غالبًا مأخوذة بأسئلة الوجود والهوية، ومشدودة إلى محاولة فهم ما يحدث حولها في عالم يتغير بسرعة قاسية.
هذا المنحى يظهر بوضوح في عدد من أعمالها التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الروائية العراقية المعاصرة. فقد كتبت روايات وقصصًا تناولت تحولات المجتمع العراقي عبر عقود من الحروب والحصار والعنف السياسي، ومن أبرز هذه الأعمال رواية «سيدات زحل» التي عالجت آثار الغزو الأميركي للعراق وما تلاه من انهيارات اجتماعية وإنسانية. في هذه الرواية تتبع الكاتبة مصائر نساء يعشن في مدينة ينهشها العنف والخراب، وتتحول بغداد إلى فضاء روائي يعكس تشظي الحياة اليومية وانكسار العلاقات الإنسانية تحت ضغط الواقع. وقد رأت قراءات نقدية عديدة في هذا العمل أحد النصوص التي نجحت في التقاط صورة العراق بعد عام 2003، من خلال سرد يتداخل فيه الخاص والعام، والذاتي والتاريخي.
كما كتبت أعمالًا أخرى مثل «ضحكة اليورانيوم» و«حديقة حياة» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة»، وهي نصوص تكشف عن اهتمامها باستكشاف العلاقة المعقدة بين الإنسان والتاريخ، وبين الفرد والمجتمع. وغالبًا ما تظهر في هذه الأعمال شخصيات تعيش حالة من التوتر بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والواقع، في محاولة لفهم التحولات التي فرضتها الحروب والهجرة وتغير البنى الاجتماعية.
غير أن تجربة لطفية الدليمي لم تتوقف عند الرواية. فقد كانت أيضًا مترجمة نشطة ومثقفة مهتمة بالحوار بين الثقافات. وقدمت للقارئ العربي عددًا من الكتب الفكرية والأدبية المهمة المترجمة عن الإنجليزية، ومنها كتاب «الروايات التي أحب» الذي يتضمن حوارات مع عدد من أبرز الروائيين العالميين حول أسئلة الرواية المعاصرة. وتكشف هذه الترجمات عن وعي عميق بدور الترجمة في توسيع أفق القراءة العربية وربطها بالنقاشات العالمية حول الأدب والسرد.
كما ترجمت كتاب «الرواية العالمية» للناقد الأميركي آدم كيرش، وهو عمل يناقش مفهوم الرواية في زمن العولمة وتحوّلها إلى شكل أدبي عابر للثقافات. اختيارها لهذه الكتب لم يكن اعتباطيًا، بل يعكس اهتمامًا واضحًا بأسئلة الأدب المعاصر، وبالعلاقة بين الأدب المحلي والسياق العالمي.
إلى جانب الكتابة والترجمة، شاركت لطفية الدليمي في الحياة الثقافية العربية من خلال المقالات والندوات والمحاضرات. وقد حضرت في عدد من الفعاليات الدولية، من بينها مشاركتها في فعاليات ثقافية في أوروبا، كما قدمت قراءات عن تجربتها الأدبية في مؤتمرات وملتقيات ثقافية مختلفة. وحصلت خلال مسيرتها على عدد من الجوائز، منها جائزة القصة العراقية عام 2004، وجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عام 2016 عن كتابها «مدني وأهوائي: جولات في مدن العالم»، إضافة إلى جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عام 2020 تقديرًا لإسهامها في مجال الترجمة.
وقد عاشت في سنواتها الأخيرة خارج العراق، متنقلة بين عدد من المدن العربية، قبل أن تستقر في عمّان حيث واصلت الكتابة والعمل الثقافي. تجربة المنفى هذه تركت أثرًا واضحًا في كتابتها، حيث تحضر المدن بوصفها فضاءات للذاكرة والتأمل، وتظهر فكرة الوطن كحضور دائم في الوعي واللغة، حتى عندما يغيب المكان الجغرافي.
في قراءة تجربة لطفية الدليمي يمكن ملاحظة أنها ظلت مشغولة طوال مسيرتها بالسؤال نفسه: كيف يمكن للأدب أن يكتب الواقع دون أن يتحول إلى تقرير مباشر عن الأحداث؟ الإجابة التي قدمتها جاءت عبر سرد يمزج بين الحكاية والتأمل، بين الواقع والخيال، وبين التجربة الفردية والذاكرة الجماعية.
لهذا تبدو كتابتها اليوم جزءًا من الأرشيف الثقافي الذي يسجل تاريخ العراق الحديث من زاوية إنسانية. فالرواية عندها لم تكن وسيلة للتعبير الفني فحسب، وإنما أداة لفهم العالم، ومحاولة لالتقاط ما يحدث في عمق المجتمع عندما تهتز البنى السياسية والاجتماعية.
مع رحيل لطفية الدليمي يخسر الأدب العربي اسمًا بارزًا من جيل الكتّاب الذين حملوا الرواية العراقية إلى فضاء عربي أوسع، وفتحوا أمامها آفاقًا جديدة في الشكل والرؤية. غير أن أعمالها تظل حاضرة في المكتبة العربية بوصفها شهادة أدبية على زمن كامل من التحولات، وعلى تجربة كاتبة استطاعت أن تمنح السرد العراقي صوتًا مختلفًا، يجمع بين الحساسية الإنسانية والوعي الفكري والبحث الدائم عن معنى الكتابة في عالم مضطرب.
وإذا كان الموت يطوي حياة الكاتب، فإن الكتابة تظل الطريق الأطول لبقاء الأسماء. في حالة لطفيةالدليمي، يبقى إرثها الروائي والترجمي جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية، ومن تاريخ الرواية العراقية التي ساهمت في صياغة ملامحها خلال العقود الأخيرة.
0 تعليقات