كوتنا هورا (تشيكيا)- افتُتح مساء الجمعة 14 أغسطس/آب 2026 في مدينة كوتنا هورا التشيكية معرض المصوّر الفرنسي من أصل لاوسي لام دوك هين Lâm Duc Hiên، بعنوان «حوارات: في أرض أشجار الرمان – كردستان العراق»، مقدّماً حصيلة رحلة فوتوغرافية امتدت أكثر من ثلاثين عاماً، وتتبعت تحولات المكان وسكانه وتنوّعه الثقافي والديني.

أقيم الافتتاح الرسمي عند الساعة الخامسة مساءً على شرفة كنيسة جسد الرب، الواقعة بجوار كاتدرائية القديسة بربارة، بمشاركة جهات ثقافية ومحلية مهتمة بالمشروع. ويستمر المعرض حتى 30 سبتمبر/أيلول المقبل، موزعاً أعماله بين الحديقة والممر المشجّر المحيطين بكاتدرائية القديسة بربارة، وكنيسة جسد الرب، والفضاء الداخلي للكاتدرائية.

تنقل الصور المعروضة مشاهد من الحياة اليومية في كردستان العراق، وتقترب من وجوه الناس وطقوسهم وبيوتهم وقراهم وذاكرتهم. كما توثّق الطبيعة الجبلية للمنطقة وأشجار الرمان التي منحها المصوّر مكانة رمزية في عنوان مشروعه، بوصفها علامة على الحياة والضيافة والارتباط بالأرض.

ويقدّم المعرض كردستان العراق من خلال تنوّعها الإنساني والديني، مستحضراً حضور المسلمين والمسيحيين والإيزيديين والكاكائيين واليهود والمندائيين والزرادشتيين وغيرهم من الجماعات التي عاشت في المنطقة وتقاسمت طرقها وأسواقها وأطعمتها وظلال أشجارها. وتتحول الصورة ضمن هذا السياق إلى مساحة للحوار والتعرّف إلى الآخر، وإلى شهادة بصرية على إمكان التعايش بين مكوّنات متعددة داخل جغرافيا واحدة.

بدأت علاقة لام دوك هين بكردستان العراق سنة 1991، عندما وصل إليها عاملاً في المجال الإنساني خلال واحدة من أشد المراحل قسوة في تاريخ الكرد الحديث، بالتزامن مع موجات النزوح الواسعة التي أعقبت قمع النظام العراقي للانتفاضة الكردية. وكان المصوّر شاهداً على خروج أعداد كبيرة من السكان نحو الجبال والحدود هرباً من القصف والملاحقات.

عاد هين بعد ذلك إلى كردستان مراراً، وانتقل من العمل الإنساني إلى التصوير الصحافي وتوثيق الحروب والتحولات الاجتماعية. وتعقّب خلال زياراته بعض الأشخاص الذين التقط صورهم سنة 1991، باحثاً عنهم بعد مرور السنوات، ومقارناً بين ملامحهم القديمة وحياتهم الجديدة. ومن بين الشخصيات التي صوّرها في تلك المرحلة رجلان أصبحا لاحقاً رئيسين.

وتكشف أعماله مساراً فوتوغرافياً يقوم على بناء علاقة طويلة مع الأشخاص والأماكن. فالزمن في هذه الصور عنصر أساسي في الحكاية؛ تتغير الوجوه والملابس والقرى، وتبقى آثار التجربة حاضرة في النظرات والتفاصيل الصغيرة. ومن خلال هذا التراكم، يتحول المشروع إلى سجل بصري يمتد عبر ثلاثة عقود من التاريخ الكردي المعاصر.

ينتمي لام دوك هين إلى عائلة لاوسية غادرت بلادها خلال حرب فيتنام، قبل أن تحصل على اللجوء في فرنسا. ودرس الفنون في مدينة ليون، ثم عمل مصوراً إنسانياً وصحافياً في مناطق النزاعات. ونشرت أعماله صحف ومؤسسات إعلامية دولية، من بينها «لوموند» و«نيويورك تايمز» و«نويه تسورخر تسايتونغ» ومجلة «جيو»، وتمثله وكالة VU الفوتوغرافية في باريس. كما حصل على الجائزة الأولى في مسابقة «وورلد برس فوتو» ضمن فئة الصورة الشخصية عن سلسلة من صور العراقيين.

وفي تصريح خاص لـ«هلات»، عبّر المصوّر الفرنسي من أصل لاوسي لام دوك هين عن سعادته بافتتاح المعرض، مؤكداً أن علاقته بكردستان العراق امتدت على مدار عقود، وقادها شغفه بهذه الأرض ومحبته العميقة لشعبها، وقال: «أنا سعيد بافتتاح هذا المعرض وبأن أرى الصور التي رافقتني طوال هذه السنوات تحضر هنا في كوتنا هورا. منذ زيارتي الأولى إلى كردستان العراق، كنت مدفوعاً بالشغف والمحبة لهذه الأرض وشعبها، وعدت إليها مراراً لألتقي أهلها وأصغي إلى حكاياتهم وأوثّق حياتهم وتحولاتهم. نشأت بيني وبين كردستان علاقة إنسانية عميقة، وأصبحت وجوه ناسها وذاكرتهم وتنوعهم جزءاً من تجربتي الشخصية والفنية. أتمنى أن تنقل هذه الصور إلى الزائر شيئاً من جمال هذه الأرض وكرم أهلها، وأن تفتح مساحة للحوار والتقارب بين الشعوب والثقافات».

ويرتبط المعرض بكتاب فوتوغرافي يحمل عنوان «في أرض أشجار الرمان – كردستان العراق: ثلاثون عاماً في الصور»، من إعداد لام دوك هين، وبنصوص للصحافية ماغدالينا سودومكوفا والكاتب الفرنسي ليزلي ليبير. ويقع الكتاب في نحو ثلاثمئة صفحة من القطع الكبير، ويجمع صوراً ملوّنة وأخرى بالأبيض والأسود، إلى جانب نصوص صحافية تضيء سياقاتها وشخصياتها.

تكتسب إقامة المعرض في كوتنا هورا دلالة خاصة، فالمدينة التاريخية مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، كما أُدرجت قلعة أربيل في عاصمة إقليم كردستان ضمن القائمة نفسها. وأسهم مرمّمون تشيكيون في أعمال ترميم قلعة أربيل، ما يضيف رابطاً ثقافياً آخر بين المكانين.

وتظهر معظم الصور الكبيرة بين الأشجار المحيطة بكاتدرائية القديسة بربارة، إحدى أبرز معالم العمارة القوطية في التشيك. ويمنح هذا التوزيع المفتوح الزائر فرصة للتنقل بين آثار المدينة وصور كردستان، فتدخل العمارة الأوروبية القديمة والطبيعة الكردية ووجوه سكانها في حوار بصري متبادل.

تنظم مدينة كوتنا هورا المعرض بالتعاون مع الرعية الرومانية الكاثوليكية ورئاسة الشمامسة في المدينة، ويأتي المشروع ضمن برنامج «التركيز على فرنسا» الذي تتبناه كوتنا هورا خلال سنة 2026 لتطوير تعاونها الثقافي مع فرنسا. ويمثل المعرض أول تقديم واسع لأعمال لام دوك هين عن كردستان العراق في جمهورية التشيك، كما يُقدَّم بوصفه عرضاً عالمياً أول للمشروع في موقع مدرج ضمن التراث العالمي لليونسكو.

ويواصل معرض «حوارات: في أرض أشجار الرمان» استقبال زواره حتى نهاية سبتمبر/أيلول، حاملاً إلى قلب كوتنا هورا حكايات كردستان العراق ووجوه أهلها. وتعيد هذه الصور تقديم المنطقة باعتبارها فضاءً للحياة والذاكرة والتعدد، وتمنح زوار المدينة فرصة لاكتشاف تاريخها المعاصر من خلال تجربة إنسانية وفنية تراكمت على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

صور من المعرض:



0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم