هوشنك أوسي يستعيد تجربته الأدبية في معرض براغ
براغ – استضاف معرض الكتاب العربي والكردي في براغ، في يومه الثاني والختامي، الأحد 16 أغسطس 2026، الكاتب والروائي والشاعر الكردي السوري هوشنك أوسي، المقيم في بلجيكا، ضمن ندوة أدبية تناولت مسيرته الإبداعية وتنوّع تجربته بين الشعر والقصة والرواية والكتابة الصحافية، مع إضاءة موسعة على روايته الأحدث «منازل البلجيكي».
وحاوره في الندوة الناقدُ والروائي هيثم حسين، الذي استعاد أبرز المحطات في تجربة هوشنك أوسي الأدبية، وانتقالاته بين الأجناس المختلفة، وخصوصية الكتابة بلغتين، العربية والكردية، وما أتاحه ذلك من تفاعل مع مرجعيات ثقافية وذاكرات متعددة. كما تناول الحوار أثر التحولات السياسية والاجتماعية والهجرة والإقامة في أوروبا في بناء عالمه الأدبي، وفي تشكيل رؤيته إلى الوطن والمنفى والهوية والانتماء.
وتوقفت الندوة عند البدايات الشعرية لأوسي، وعلاقته المبكرة باللغة والصورة والإيقاع، ثم انتقاله إلى القصة والرواية، وما حمله هذا الانتقال من توسع في أدواته التعبيرية وفي قدرته على ملاحقة مصائر الشخصيات وتحولات المجتمعات. وناقش حسين مع ضيفه الصلات القائمة بين الشاعر والروائي في تجربته، وحضور الحس الشعري داخل نصوصه السردية، إلى جانب استفادة رواياته من خبرته في الصحافة والبحث والكتابة السياسية والثقافية.
وتطرّق الحوار إلى الكتابة بالعربية والكردية بوصفها تجربةً تجمع بين عالمين لغويين وثقافيين متداخلين. وتحدث أوسي عن أثر اللغة في تكوين الحساسية الأدبية للكاتب، وعن انتقال الحكايات والصور والذاكرة الشعبية من الكردية إلى العربية، ومن البيئة السورية والكردية إلى فضاءات أوروبية وعربية أوسع. كما حضرت أسئلة الترجمة، وتلقي الأدب الكردي في المحيطين العربي والأوروبي، ودور الكاتب المقيم في المنفى في تقديم ثقافته من دون أن يحصر تجربته ضمن تعريف واحد أو جغرافيا مغلقة.
وشكّلت رواية «منازل البلجيكي» المحور الأبرز في الندوة، بوصفها أحدث أعمال أوسي الروائية وأكثرها اتصالاً بقضايا الذاكرة التاريخية والنزوح والحرب وتشكّل الهويات. وناقش الحوار خلفيات كتابة الرواية، والبحث التاريخي الذي رافق إنجازها، والطريقة التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع التحولات الكبرى التي شهدها القرن العشرون.
وترصد الرواية، الصادرة عن منشورات «إبييدي» في القاهرة، حيوات أربعة أجيال من أسرتين؛ أسرة فلسطينية مقدسية من أصول أيوبية كردية، وأسرة بلجيكية يهودية اضطرت إلى مغادرة بلجيكا نحو فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي. وفي المقابل، تتعرض الأسرة الفلسطينية للتهجير من القدس إلى الخليل تحت ضغط «الهاغاناه»، قبل أن تتشعب طرق أفرادها بين الأردن وبلجيكا ومدن أخرى.
وتمتد أحداث الرواية في ست وثلاثين فصلاً موزعة على 363 صفحة، وتتحرك جغرافياً من بلجيكا إلى فلسطين، مروراً بأنتويربن وباريس وجنوة وإسطنبول وحيفا والخليل وإربد وعمّان وبيروت ودمشق وبروكسل، وصولاً إلى القدس. ويمنح هذا الامتداد المكاني العمل بنية قائمة على الرحلة وتبادل المواقع وتبدّل معنى البيت، بينما تتحول المنازل إلى مستودعات للذاكرة وشواهد على ما تتركه الحروب والهجرات في حياة الأفراد والأسر. وتؤكد المصادر المنشورة عن الرواية أنها عمل أوسي الروائي السابع.
وناقشت الندوة سؤال التسمية في «منازل البلجيكي»، وما تحمله كلمة «البلجيكي» من دلالات مرتبطة بالهوية والاغتراب والتباس الانتماء. كما تناول الحوار قدرة الرواية على مساءلة السرديات التاريخية المتعارضة، والكشف عن التحولات التي قد تدفع الضحية إلى ممارسة الظلم في مكان آخر، وعن إمكان أن يفتح الأدب مساحةً للقاء أحفاد الضحايا والجلادين بعيداً عن ميراث العنف والكراهية.
وأضاء هيثم حسين على البناء الروائي للعمل وتعدد أمكنته وأزمنته وشخصياته، وعلى حضور البيت بوصفه عنصراً سردياً ورمزياً يتجاوز وظيفته المكانية. فالمنزل في الرواية يتصل بالأمان والذاكرة والملكية والاقتلاع، ويحتفظ بآثار ساكنيه حتى بعد رحيلهم، بينما تعيد الحروب توزيع البيوت والهويات والحدود، وتدفع الشخصيات إلى البحث عن تعريف جديد للانتماء.
وامتد النقاش إلى أعمال أوسي السابقة، وفي مقدمتها روايته «وطأة اليقين: محنة السؤال وشهوة الخيال»، الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية عن فئة الروايات المنشورة عام 2017، إلى جانب رواياته ومجموعاته القصصية ودواوينه الشعرية. وأبرز الحوار وحدة الأسئلة التي تعبر هذه الأعمال، وفي مقدمتها الحرية والهوية والعنف والذاكرة والمنفى والعلاقة المعقدة بين الفرد والتاريخ.
ويكتب أوسي باللغتين العربية والكردية، وصدرت له عدة دواوين شعرية وعدة روايات ومجموعتان قصصيتان، كما تُرجمت مختارات من شعره إلى الهولندية والإنكليزية والفرنسية والتركية. ويقيم في بلجيكا منذ أواخر عام 2010، وهو عضو في نادي القلم الدولي ونادي القلم البلجيكي، وشارك في عدد من المعارض والملتقيات الأدبية العربية والدولية.
وفتحت الندوة المجال أمام الحضور لطرح الأسئلة ومناقشة تجربة أوسي، ولا سيما علاقته باللغتين العربية والكردية، وتأثير الإقامة في بلجيكا في رؤيته الأدبية، وحدود التداخل بين البحث التاريخي والخيال الروائي. وأعقبت الندوة فقرة لتوقيع عدد من أعماله، وفي مقدمتها «منازل البلجيكي»، ولقاء مباشر مع القراء والمشاركين في المعرض.
وأقيمت الندوة ضمن فعاليات الدورة الأولى من معرض الكتاب العربي والكردي في براغ، التي حملت اسم الكاتب الكردي الراحل محمد سيّد حسين، ونظمتها الجالية الكردية في جمهورية التشيك بالتعاون مع نادي القلم التشيكي، يومي 15 و16 أغسطس 2026. وضم المعرض إصدارات عربية وكردية ومترجمة، إلى جانب ندوات أدبية وحفلات توقيع ولقاءات جمعت الكتاب والقراء، في خطوة تسعى إلى تعزيز حضور الكتاب العربي والكردي في التشيك، وتوسيع مساحات الحوار والتبادل الثقافي بين الأدب الكردي والعربي والأوروبي.
0 تعليقات