جيف كيني وصعود سرد اليافعين إلى مركز السوق الثقافي العالم
بلغ الكاتب الأميركي جيف كيني عتبة تاريخية في صناعة النشر مع تجاوز مبيعات سلسلة مذكرات طالب حاجز ثلاثمئة مليون نسخة حول العالم. هذا الرقم يضع التجربة في قلب التحولات التي عرفها أدب اليافعين خلال العقدين الأخيرين، حيث انتقل هذا الحقل من الهامش التجاري إلى موقع مركزي في اقتصاد الكتاب العالمي.
بدأ مشروع كيني نهاية تسعينيات القرن الماضي عبر الإنترنت، في مرحلة كانت فيها المنصات الرقمية تبحث عن جمهورها الأول. القصة التي ظهرت في ذلك الفضاء تحولت لاحقاً إلى كتاب ورقي، ثم إلى سلسلة أفلام وأعمال رسوم متحركة وفعاليات حيّة، ما صنع نموذجاً جديداً لتوسيع النص السردي عبر أكثر من وسيط. هذا المسار غيّر طريقة تعامل الناشرين مع كتب الأطفال واليافعين، وفتح الباب أمام استراتيجيات تسويق تعتمد على التفاعل المباشر مع القراء.
في تصريحاته الأخيرة للصحافة البريطانية، تحدث كيني عن انتقاله إلى مرحلة مختلفة من التفكير في مشروعه. اهتمامه الحالي يتجه نحو استدامة السلسلة على المدى الطويل، والحفاظ على علاقتها مع أجيال جديدة من القراء. لهذا الغرض يعمل على تطوير أنشطة حيّة تتضمن عروض قراءة تفاعلية ولقاءات مباشرة مع الأطفال والعائلات، إضافة إلى مشاريع ثقافية محلية في بلدته بولاية ماساتشوستس، حيث أسس مساحة تجمع بين المكتبة والمقهى والأنشطة القرائية.
هذا التوجه يعكس تحوّلاً في دور الكاتب المعاصر، حيث يتجاوز إنتاج النص إلى بناء منظومة ثقافية محيطة بالكتاب. تجربة كيني تقدّم مثالاً على العلاقة الجديدة بين الأدب والمجتمع المحلي، حيث تتحول القراءة إلى نشاط اجتماعي جماعي مرتبط بالحياة اليومية.
على مستوى الذائقة القرائية، أسهمت سلسلة “مذكرات طالب” في ترسيخ أسلوب سردي يعتمد اليوميات الساخرة والرسوم البسيطة واللغة القريبة من تجربة المراهقين. هذا الأسلوب أعاد تشكيل صورة الكتاب الموجّه لليافعين، وأثر في عشرات السلاسل اللاحقة في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. نتيجة ذلك، شهد هذا النوع من الكتب توسعاً كبيراً في الترجمة والتوزيع العالمي.
نجاح كيني يطرح أسئلة ثقافية حول معنى الشعبية في الأدب، وحول العلاقة بين السوق والذاكرة القرائية. استمرار حضور شخصياته في وعي القراء الصغار يرتبط بقدرتها على ملامسة تفاصيل الحياة اليومية، وعلى بناء علاقة طويلة الأمد مع القارئ، تتجاوز دورة النشر الموسمية.
المصدر:
صحيفة الغارديان البريطانية – قسم الكتب، فبراير
0 تعليقات