مدريد - مع صدور رواية «أهبك صمتي» للكاتب البيروفي الحائز جائزة نوبل ماريو فارغاس يوسا، بدا المشهد الأدبي العالمي كأنه يراقب لحظة ختام لمسيرة روائية امتدت أكثر من نصف قرن، مسيرة شكّلت إحدى الركائز الكبرى للرواية المعاصرة في أميركا اللاتينية والعالم. الرواية الجديدة، الصادرة بالإسبانية بعنوان Le dedico mi silencio، جاءت في زمن باتت فيه أعمال يوسا تُقرأ ضمن سياق الإرث الأدبي لا ضمن سباق الإصدارات، الأمر الذي منح النص ثقلاً خاصاً، كأنه خطاب أخير موجّه إلى وطنه وإلى القرّاء معاً.

تدور الرواية حول باحث موسيقي يستغرق في تتبع تاريخ الموسيقى الكريولية البيروفية، ذلك التراث الذي نشأ من تفاعل ثقافات متعددة على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية. هذا الباحث يرى في الأغنية الشعبية مفتاحاً لفهم روح بيرو، ويعتقد أن الموسيقى قد تحمل إمكانية توحيد شعب منقسم طبقياً وعرقياً. أثناء رحلته يتعقّب سيرة موسيقي غامض تحوّلت حياته إلى أسطورة، فتتشابك الحكايات الفردية مع تاريخ أمة كاملة، وتتحول عملية البحث إلى غوص عميق في ذاكرة بلد يراوح بين الحنين والاضطراب.

يوسا الذي اعتاد أن يضع السلطة في مركز نصوصه، من الأنظمة العسكرية إلى الديكتاتوريات المدنية، يتجه هنا إلى سلطة أخرى أكثر خفاءً: سلطة الثقافة على الوعي الجمعي. الموسيقى في هذا العمل تبدو كأنها لغة موازية للتاريخ الرسمي، قادرة على كشف ما تخفيه السرديات السياسية، ومؤهلة لحفظ ما يتلاشى في الوثائق. الباحث في الرواية يتعامل مع الأغنية الشعبية كأنها سجل غير مكتوب لحياة الناس، حيث تنجو التفاصيل الصغيرة من النسيان بينما تتهاوى الخطابات الكبرى.

النص يفتح أيضاً سؤالاً عن علاقة الفن بالحقيقة. فكلما اقترب الباحث من الموسيقي المجهول، ازدادت الأسطورة غموضاً، وتبدلت الروايات حول حياته، حتى يصبح التحقق من الوقائع مهمة شبه مستحيلة. هذا التوتر بين الوثيقة والحكاية يمنح الرواية بعداً تأملياً يتجاوز السرد التقليدي، ويحوّل البحث العلمي إلى رحلة وجودية، حيث يتداخل الشغف الشخصي مع الرغبة في إنقاذ ذاكرة وطن.

ماريو فارغاس يوسا، المولود في أريكيبا عام 1936، يعد أحد أبرز وجوه «طفرة الرواية اللاتينية» التي غيّرت خريطة الأدب العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين. منذ روايته الأولى «المدينة والكلاب» أثبت قدرة استثنائية على تشريح المجتمعات عبر بنى سردية معقدة، ثم واصل مشروعه بأعمال كبرى مثل «البيت الأخضر» و«حديث في الكاتدرائية» و«حرب نهاية العالم» و«حفلة التيس». هذه الروايات لم تكتف بتصوير الواقع، بل أعادت صياغته فنياً، مستخدمة تعدد الأصوات، وتفكيك الزمن، والتناوب بين مستويات السرد، ما جعلها مرجعاً في تطور تقنيات الرواية الحديثة.

منحته الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الأدب عام 2010 تقديراً لقدرته على رسم خرائط السلطة وصراع الفرد معها، وهو توصيف يلخّص جوهر مشروعه الروائي. ومع مرور السنوات اتجهت أعماله إلى مساحات أكثر تأملاً، حيث تراجع الصخب السياسي لصالح أسئلة الذاكرة والهوية والثقافة. «أهبك صمتي» تأتي في هذا السياق، إذ تبدو كأنها مراجعة هادئة لعلاقة الكاتب ببلده، وعلاقة الأدب بالتاريخ.

العنوان نفسه يحمل دلالة كثيفة؛ فالإهداء هنا موجّه إلى الصمت، أي إلى المساحة التي تتوقف فيها اللغة عن التفسير، وتبدأ التجربة في الانفلات من الكلمات. هذا المعنى ينسجم مع بنية الرواية التي تحتفي بالموسيقى، الفن القادر على التعبير دون حاجة إلى خطاب مباشر. الصمت في النص لا يعني الفراغ، بل الامتلاء بما لا يُقال، كأنه اعتراف بأن بعض حقائق الحياة لا يمكن القبض عليها إلا عبر الفن.

الصحافة الثقافية الدولية قرأت الرواية على أنها خاتمة تأملية لمسيرة طويلة، حيث يتراجع حضور الحبكة الدرامية لصالح استحضار طبقات التاريخ الثقافي لبيرو. المكان في الرواية يتحول إلى بطل خفي، يتنفس عبر الأزقة والمرافئ والمقاهي والأغاني القديمة، فيما تتقدم الشخصيات كحملة لذاكرة هذا المكان. النص يترك انطباعاً بأن الكاتب يكتب عن وطن يتغير بسرعة، ويحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر الحكاية.

كما يطرح العمل سؤالاً عن جدوى البحث عن هوية نقية في مجتمع تشكّل أصلاً من تداخلات متعددة. الموسيقى الكريولية، التي تجمع بين عناصر إسبانية وأفريقية ومحلية، تظهر كرمز لهذا التداخل، وكأنها تقول إن الهوية ليست معطى ثابتاً بل عملية مستمرة من الامتزاج والتحول. الباحث في الرواية يكتشف أن ما كان يبحث عنه كجوهر ثابت يتحول أمامه إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة، الأمر الذي يعمّق إحساسه بثراء هذا التراث وتعقيده في آن واحد.

صدور «أهبك صمتي» يضع القارئ أمام نص يحمل ثقل التاريخ الشخصي لكاتبه، وثقل تاريخ بلده أيضاً. الرواية تبدو كأنها رسالة أخيرة من روائي خبر التحولات الكبرى في القرن العشرين وشهد انتقال الأدب اللاتيني من الهامش إلى المركز العالمي. إنها نص يلتفت إلى الوراء دون أن يغرق في النوستالجيا، ويواجه الحاضر عبر إعادة قراءة الماضي الثقافي.

بهذا العمل يترك ماريو فارغاس يوسا أثراً أخيراً يعيد التذكير بدور الرواية في حفظ ذاكرة الشعوب، وفي طرح الأسئلة التي تعجز السياسة عن الإجابة عنها. وإذا كان قد أعلن في أكثر من مناسبة رغبته في التوقف عن كتابة الرواية، فإن «أهبك صمتي» تأتي كتحية وداع طويلة، تتداخل فيها الخبرة الشخصية مع الحس التاريخي، وتُظهر أن الأدب يمكن أن يكون في النهاية شكلاً من أشكال المصالحة مع الزمن.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم