عودة الرقابة على الكتب في المدارس الأميركية
لندن - يتصاعد الجدل في الولايات المتحدة حول حظر الكتب في المدارس العامة والمكتبات التعليمية، في موجة تعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتخذ اليوم طابعاً أكثر حدّة وتعقيداً: من يملك حق تحديد ما يُقرأ؟ التقارير الحديثة تشير إلى ارتفاع غير مسبوق في عدد العناوين التي أُزيلت من الرفوف أو قُيّد تداولها، خاصة تلك التي تتناول قضايا الهوية، والعرق، والجندر، والتاريخ الاجتماعي.
هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن التحولات السياسية والثقافية داخل المجتمع الأميركي. قرارات الحظر تأتي غالباً نتيجة ضغوط من مجموعات محلية، ترى في بعض الكتب تهديداً للقيم التي تسعى إلى ترسيخها داخل المدارس. في المقابل، تقف اتحادات المعلمين، والمكتبيين، والكتّاب، في مواجهة هذا التوجه، معتبرة أن المنع يشكّل تضييقاً على حرية التعبير، ويحدّ من قدرة الطلاب على الاطلاع على تجارب إنسانية متنوعة.
التقارير المنشورة في الصحافة الأميركية والبريطانية خلال الأسبوع الأخير تؤكد أن عدد الكتب المحظورة أو المقيدة في المدارس شهد ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة. هذا التصاعد لا يرتبط بكتاب أو نوع أدبي محدد، وإنما يمتد ليشمل طيفاً واسعاً من الروايات، من الكلاسيكيات إلى الأعمال المعاصرة. اللافت أن بعض هذه الكتب كان يُدرّس لسنوات طويلة دون اعتراض، ما يكشف عن تحوّل في المزاج الثقافي العام.
الجدل لا يتوقف عند حدود الحظر، وإنما يمتد إلى آلياته. في كثير من الحالات، تأتي قرارات المنع نتيجة شكاوى فردية، تتحول سريعاً إلى قرارات مؤسسية. هذا المسار يثير تساؤلات حول المعايير المعتمدة، وحول قدرة المؤسسات التعليمية على مقاومة الضغوط المحلية. هل يمكن لكتاب أن يُمنع بسبب اعتراض عدد محدود من الأفراد؟ وما الذي يضمن عدم تحول هذا المسار إلى أداة لإقصاء أصوات معينة؟
في المقابل، ثمة قراءة ترى في هذه الظاهرة وجهاً آخر للعلاقة بين النص والسلطة. كل منع يحمل في طياته اعترافاً بقوة الكتاب، وبقدرته على التأثير. الروايات التي تُحظر غالباً ما تتناول موضوعات حساسة، تلامس أسئلة الهوية والانتماء، وتكشف عن توترات داخل المجتمع. من هذا المنظور، يتحول الحظر إلى مؤشر على مناطق القلق داخل الثقافة.
اللافت أيضاً أن المنع قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة. كثير من الكتب التي أُزيلت من المدارس شهدت ارتفاعاً في المبيعات، وانتشرت عبر المنصات الرقمية. هذا التحول يكشف عن مفارقة: ما يُمنع داخل المؤسسة التعليمية يجد طريقه إلى القارئ عبر قنوات أخرى، أوسع انتشاراً وأقل خضوعاً للرقابة. القراءة، في هذا السياق، تتحرر من المكان، وتبحث عن فضاء بديل.
هذا المشهد يضع الرواية أمام اختبار جديد. لم تعد المواجهة بين النص والرقابة تدور في فضاء واحد، وإنما تتوزع بين مؤسسات تقليدية ومنصات رقمية. الكاتب يكتب في عالم مفتوح، بينما يُستقبل نصه في فضاءات متعددة، لكل منها معاييره وضغوطه. هذا التعدد يعقّد العلاقة بين الإبداع والتلقي، ويجعل من الصعب ضبط مسار النص.
بالنسبة للقارئ العربي، يحمل هذا الجدل دلالات تتجاوز السياق الأميركي. مسألة الرقابة على الكتب حاضرة في تجارب متعددة، بأشكال مختلفة. ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة يكشف أن هذه الإشكالية ليست مرتبطة بمنطقة جغرافية، وإنما بطبيعة العلاقة بين الثقافة والسلطة. السؤال نفسه يتكرر: كيف يمكن حماية حرية القراءة، مع مراعاة حساسية المجتمعات؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بكتب تُمنع أو تُعاد إلى الرفوف. القضية أعمق، وتتصل بمستقبل الرواية نفسها. هل ستظل مساحة مفتوحة لتجارب متعددة، أم ستخضع لحدود ترسمها صراعات سياسية وثقافية؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تتحدد في قرار واحد، وإنما في مسار طويل تتشكل ملامحه مع كل كتاب يُكتب، ومع كل قارئ يختار أن يقرأ رغم القيود.
* تقارير حديثة في الصحافة الأميركية والبريطانية حول حظر الكتب في المدارس (The Guardian، تقارير أسبوع مارس 2026)
0 تعليقات