قال د. سعد البازعي إن انتشار جنس أدبي على آخر ينبغي أن يتلوّن بلون الثقافة والمكان، معترضاً على فكرة التعميم بأن الرواية هي الأشد حضوراً أو الشعر هو الأكثر صدارة في ثقافة ما و"أي إجابة يجب أن تأخذ في الاعتبار الاختلافات الثقافية"، وأشار في الندوة التي خصصت للإجابة على سؤال: "هل الرواية سيدة الأجناس الأدبية؟" إلى أن جولة واحدة في دور النشر الرئيسية بمعرض كتاب الشارقة تقول إنه لا مجال للجدال حول تصدر الرواية على الشعر والمسرح.

الندوة التي شارك فيها كل من الأكاديمي الجزائري الرشيد أبو شعير والروائية الباكستانية ثريا خان وأدارها الإعلامي عبدالفتاح صبري، نبه فيها د. البازعي إلى أن القول بانتشار الرواية يختلف عن القول بأنها سيدة الأجناس، وأن تصدر نوع أدبي لا يعني بالضرورة حكماً قيمياً لهذا النوع بأن نقول إنه أفضل. ويرى مؤلف كتاب "قلق المعرفة" أن الشعر نوع من الأدب أقرب لأن يكون شخصياً "فلا أحد ينافس الشعر في الإنتاج، معظم الناس يبدأون في كتابة الشعر لأنفسهم أو لمن حولهم في حين الرواية تكتب للآخرين وليس للذات".

واستشهد د. البازعي بآراء كتاب روائيين حول فن الرواية وما تعنيه لهم ودرجة أهميتها للثقافة بشكل عام، مشيراً لرأي الروائي التشيكي ميلان كونديرا والروائي التركي أورهان باموق، كنموذجين ينتميان لمنطقتين مختلفتين. وذكر رأي كونديرا الهام حول النص السردي، بالقول: "يرى كونديرا أن الرواية تملأ فراغاً فلسفياً لأنها تجيب على أسئلة لا تجيب عنها الأنواع الأدبية الأخرى بل إن الفلسفة نفسها لم تعد تجيب على تلك الأسئلة. يقول كونديرا: إن الفيلسوف الوجودي هايدغر سيجد إجابة لسؤال الوجود لو أخذ الأخير بعين الاعتبار، رواية سرفانتس "دون كيخوته". لذا فإننا نجد في الرواية ما يملأ هذا الفراغ المعرفي الكبير".

من جهته تحدث د. رشيد أبو شعير عن مسألة ظاهرة تسيد الرواية على الأجناس الأدبية الأخرى في هذا الزمن، مشيراً إلى عدد من المعايير منها، الانتشار الذي حظيت به الرواية على حساب الشعر والقصة والمسرح، منبهاً إلى أن معيار الانتشار ليس دقيقاً ويحتاج إلى مساءلة، مضيفاً معايير هي معيار التذوق الفني للمتلقي ومعيار عدد الشعراء والكتاب والنقاد الذين تحولوا لكتابة الرواية وأيضاً معيار عدد الروائيين الذين حصلوا على جائزة نوبل مقارنة بعدد الشعراء الذين حصلوا على نفس الجائزة. وأشار أبو شعير إلى أنه قديماً كان الشعر هو الذي يعبر عن الإنسان، منذ الملاحم القديمة التي كتبت شعراً، وحتى مع الشعر الجاهلي، حيث سبق الشعر النثر وفق رأي عميد الأدب العربي طه حسين. أما في القرن السابع عشر فقد تسيد المسرح الأجناس الأدبية وليس الشعر، إلا أن الانعطافة الأبرز نحو الرواية في تاريخ الأدب العالمي كانت مع دخول القرن التاسع عشر حيث برزت الرواية بشكل لا جدال فيه، وأخذت بالصعود والتطور الذي وصل إلى الوقت الحالي. وتساءل الدكتور الجزائري حول أسباب تغير المواقع بين الأجناس الأدبية من زمن لآخر، مشيراً من جهة أخرى إلى أن كل عصر يزدهر فيه نوع أدبي يموت آخر. مضيفاً: "الرواية ابنة الملحمة التاريخية" وكما يقول هيغل "الرواية هي المعبرة عن روح العصر وتعقيداته وجدليته -الديالكتيك-".. "لذا هي الأقرب لعصرنا الذي نعيش".

أما الروائية الباكستانية ثريا خان، فقد تحدثت حول علاقتها مع الرواية كنوع أدبي أتاح لها المجال أن تقف وتقترب من اللحظات التي تمر على الشعوب. مضيفة: "في كل مرة أرى أن الرواية تعالج حالة من حالات الصمت التي تمر على الشعوب، كما في باكستان إبان الحروب والنزاعات التي مرت عليها". مشيرة إلى أن دراستها العلاقات الدولية، ومن ثم كتاباتها للرواية، أظهرتا لها أمر مهم وهو أن الرواية تكشف شيئاً مفقوداً يتعلق بغياب العلاقة بين البنى والأفراد، مؤكدة أن الرواية هي الأكثر انفتاحاً على العالم وهي الملاذ الذي تلجأ إليه. عن صحيفة الرياض

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم