يمكن لكل حكاية أن تكون عادية أو مكررة، عندما تقرأ أن رواية تتحدث عن شاب ناجح يعمل مديرًا لإحدى الشركات الناجحة يجد مصادفة مذكرات والده التي تكشف له الكثير من أسرار ماضيه وعلاقته بأمه التي عاش معها ثلاثين عامًا، ربما تبدو الفكرة مطروقة، ولكن على نحو ما قال الأولون (الأفكار مطروحة في الطريق) وإنما يكون التميز في الصياغة وحسن السبك واختيار الألفاظ. 

ولكن الأمر في كتابة رواية لا يقتصر قطعًا على حسن السبك واختيار الألفاظ، بل يتجاوز ذلك إلى إحكام الحبكة وطريقة تقديم الأحداث وبناء الشخصيات، والانتقالات الزمنية والمكانية أحيانًا ودور كل ذلك في جذب انتباه القارئ لتفاصيل الحكاية، ولعل ذلك كله كان حاضرًا في ذهن محمد كمال حسن وهو يصوغ روايته الثانية باقتدار، بعد توقف دام نحو عشرين عامًا بعد روايته الأولى "تماثيل الملح" التي حققت نجاحًا ملحوظًا جعلها تنشر في سلسلة "الكتاب الأول" الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2006. 

في روايته الجديدة 14شارع الزهور يخوض محمد كمال تجربة ثرية متميزة تجمع في بنائها بين الماضي والحاضر، وبين علاقة الابن بوالديه من جهة وبمشكلات الحياة وصعوباتها من جهة أخرى، وكيف يمكن مواجهة كل ذلك بشكل واقعي متدرج لا يستسلم للخيال ولا يلجأ للحلول الرومانسية. 

 طارق شاكر رجل أعمال استطاع أن يصل إلى مركز مرموق في كمدير تنفيذي لواحدة من كبار شركات ريادة الأعمال، ولكنه يقف فجأة في منتصف الطريق أمام حقيقة تغيّر حياته وهو اكتشافه أن والده الذي طلق أمه منذ سنوات قد توفي تاركًا له مذكرات سجَّل فيها تاريخه كله، ذلك التاريخ الذي يجهل الكثير من تفاصيله، والذي يتعارض في الوقت نفسه مع ما حكته له أمه طوال ثلاثين عامًا، ليس هذا فحسب بل إن المذكرات في الوقت نفسه تحمل تفسيرًا واضحًا لذلك الهجران الذي لم يكن مبررًا طوال تلك السنوات. 

تأتي حيلة "المذكرات" في البداية كمسوغ روائي متداول يلجأ إليه الكثير من الكتاب كطريقة لشد انتباه القارئ إلى أسرار وأمور غامضة، ولكن المفاجأة هنا حينما نكتشف أثناء القراءة أن تلك المذكرات لم تكن إلا وسيلة للتعافي من الماضي وآثاره على ذلك الأب المحمّل هو الآخر بآلام ماضيه وذكرياته، بل والطريقة التي سيكتشف من خلالها مشكلته مع زوجته "نادية" والدة طارق، وأنها شخصية "نرجسية" تقوم باستغلاله وتفرض عليه سيطرتها، وأن ذلك الأمر سيتواصل حتى مع ابنها الضحية المثالية التالية! 

للمذكرات دومًا جاذبيتها وبريقها، فهي طريقة اعتراف مثالية يسمح فيها بسماع صوت البطل بوضوح، ولعلها الطريقة الأخرى لتيار الوعي الذي ساد في عدد من الروايات بعد ذلك، في هذه المذكرات نتعرّف على الأب محمود زغلول التي يبدأها من لحظة التحاقه بمعهد الإعلام عام 1973 حتى يقوده حديثه مع الطبيب النفسي إلى العودة للماضي المبكر وفترة تكوينه وأيام طفولته وبداية تعلقه بالتلفزيون وكيف كان اكتشافه له لحظة فارقة في حياته، ذلك الاكتشاف الذي سيصاحبه طوال حياته، كما بحكي عن بداية تشكل مجموعة الأصدقاء التي سيحتفظ بها حتى نهاية حياته، وهي "شلة السعادة" والتي ستكون زوجته واحدة منهم، حتى تفرق بينه وبينهم.  

تبدو فكرة الأصدقاء والاجتماع الأسبوعي لهم أحد الأفكار المركزية في الرواية، بل وأحد الوسائل المهمة في التعافي بعد ذلك، إذ كانت تلك المجموعة أحد الأسباب التي ساعدت البطل على تجاوز أزمة علاقته بابنه الغائب، بالإضافة إلى دورهم في دفعه إلى الذهاب للطبيب النفسي، حتى وإن كان في قرارة نفسه يشعر بالألم أو العجز، فالمواجهة في تلك الحالة أفضل الطرق للعلاج والتجاوز، لذلك يقول: 

((كنت مثالاً منضبطاً للشيوخ العجزة، المرضى بلا أمل، مشيري الشفقة. ولأن من حوله يحبونه، فلا أحد يصارحه بحقيقته، وربما تكمن خطورة الأصدقاء في أنهم يكذبون إرضاءً لبعضهم بعضًا، ويضحكون على دعابات سمجة، أو يخفون آراءهم حين تكون ملابس أحدهم غير متناسقة الألوان، بل ويبدون الإعجاب بأشياء هي - في الحقيقة - قطع أصلية من قبح مصفى.

أحيانًا يحتاج الناس إلى أصدقاء يكمن صلب محبتهم في أنهم أقل خوفًا على مشاعرهم، ومع الأسف، ليس لديَّ هذا النوع. لهذا، تنحنح أمجد وبعده الباقون، كأنهم عادوا إلى الوعي يثنون على ما فعلت؛ أنه أبوّة مستقرة في قلبي ومحبة بدعوى مخلصة. كانوا يقولون هذا لأن ليس لديهم ما يقولونه لرجل بائس ومجنون.)) 

لعل أفضل ما تقدمه الرواية في النهاية هو تلك الإشارة لدور "الكتابة" في مواجهة الماضي والقدرة على التعافي من الآلام النفسية، وهو ما نراه بوضوح في مذكرات محمود زغلول بعد استشارة طبيبه النفسي ومع متابعته المستمرة له، رغم أنه كان في البداية – كأغلب رجال ذلك الزمن – رافضًا لفكرة العلاج النفسي من الأساس. 

في الرواية تحية واضحة من الكاتب خريج آداب القاهرة لعميد الأدب العربي طه حسين، حيث جعل أول حضور بطل روايته للجامعة أثناء جنازة طه حسين، حيث يذكر كيف كانت جنازة مهيبة تخرج من جامعة القاهرة ويحضرها العديد من نجوم الثقافة والفن في مصر في ذلك الوقت، وذلك رغم أجواء الحرب.

ورغم أن الرواية تدور بين تلك الفترة الطويلة زمنيًا، من السبعينيات وما قبلها حتى العصر الحالي، إلا أن الكاتب اختار أن يذكر ويرصد بشيءٍ من التفصيل أحداث انتفاضة يناير 1977 وكيف كان أثرها على محمود زغلول ووالده، فيما تجاهل أي أحداث سياسية فارقة بعد ذلك، ربما يعود ذلك لطبيعة الابن طارق رجل الأعمال الذي لم يكن مهتمًا بالسياسة من قريب أو بعيد وكان تركيزه على الأرقام والمشاريع والشركات. فلم يأت ذكر يناير 2011 من قريب أو بعيد، فيما أشار في البداية إلى أيام انتشار وباء كورونا 2020 وكيف كان أثره السلبي على حياته.

ثم إشارات سياسية واضحة في مذكرات الأب، خاصة حينما يقارن زمانه بالزمن الحالي:  

(لم تكن وقتها فضائيات وتطبيقات ومواقع تواصل، تُعكّر على الناس أمزجتهم بفجاجة الحقيقة، أو ما نتخيل أنه الحقيقة. كانت برامجنا في ذلك الزمن هادفة، ومطمئنة، فلا جدوى من إثارة قلق إنسان لا يملك تغيير مصيره. ولذلك، عندما كان ينتهي عرض برامجنا، كانت السكينة تنزل على الحكام والمحكومين.  ولو فرضنا أن برامجنا كانت كذبًا، فهذا كذب بسيط، نفعله بصدق واطمئنان أحيانًا، كنت مع زملائي نسميه بالواجب الوطني؛ لأنه لصالح الوطن والمواطن) 

 ورغم أن الرواية تتعدد فيها الشخصيات، إلا أن الكاتب يركز بشكل أكبر على بطل الرواية طارق ووالده، ثم الدائرة القريبة التي نتعرف من خلالها على الأم "نادية" والصديق "إسماعيل" وابنته "وفاء"، ويتوزع السرد بين الراوي الذاتي في مذكرات محمود وبين الرواية العليم في حكاية طارق وما يدور من أحداث، بل ويدخل شخصية كأنها ضميره في عدد من حوارات المواجهة المهمة للكشف عن أفكاره بشكل مختلف. 

 هكذا استطاع محمد كمال حسن في هذه الرواية أن يقودنا من داخل شقة 14 شارع الزهور إلى عوالم شخصياته وحكايته التي لا شك تتماس مع كثير من حكاياتنا وعالمنا، وأن يطرح رؤية جديدة لكيفية التعامل مع الاضطراب النفسي وتجاوزه، لاسيما في إشارته أن الأمر ليس بالسهولة التي تتعامل معها بعض المعالجات الدرامية، ولكنه رحلة طويلة وشاقة، تبدأ بمواجهة الماضي ولا تنتهي عند الاعتراف بالمشكلات، ولكنها تؤثر في الحاضر بشكل كبير.  ففي النهاية استطاع الأب "محمود" أن يتصالح مع ماضيه، وحتى إن لم يواجه ابنه بشكل مباشر، لكنه تمكن من ترك الآثار الإيجابية التي ساعدته على تجاوز محنته والتعرف على نفسه على حقيقتها، والابتعاد عن أثر وسيطرة الأم رغم مرور كل هذه السنوات! 

لا تنتهي الحياة بالموت، كما يظن الكثيرون، ولا تنتهي الحكاية في آخر صفحات الرواية، ولكنها دوائر متصلة، وأجيال تتعاقب، ورايات تتوالى، ولهذا يكون التحدي الحقيقي في القدرة على إكمال المسيرة رغم التحديات والصعوبات، وهو ما تقدمه الرواية بشكل ذكي وغير مباشر، وما يجعل في الرواية رغم ما تمتلئ به من مشكلات وأزمات تلك الطاقة الباقية من السلام النفسي الذي يتسرب إلى نفس القارئ في النهاية.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم