تتوزّع تجربة الكاتب والمترجم شمال آكريي على مسارات متجاورة ظل كل واحد منها يرفد الآخر؛ بدأ من الشعر، وتنقل بين القصيدة العمودية والغنائية والشعر الحداثوي والرباعيات والهايكو، قبل أن تتّسع تجربته لتشمل الترجمة والصحافة والعمل الثقافي. وفي خلفية هذه المسارات، ظلت مدينة عقرة/آكري حاضرة بوصفها مكاناً أول للذاكرة واللغة، ومصدراً لكثير من المفردات والإيقاعات والظلال التي رافقت كتابته حتى بعد سنوات طويلة من الابتعاد عنها.

تشغل الترجمة مساحة أساسية في مشروع آكريي، ولا سيما عمله بين الكردية والعربية والإنكليزية. وقد أتاحت له الإقامة بين أكثر من لغة أن يقترب من تجارب أدبية مختلفة، وأن ينظر إلى الترجمة باعتبارها فعلاً يتجاوز إيجاد المقابل اللغوي إلى البحث عن روح النص وإيقاعه وما يختبئ بين سطوره. ومن هذا المنطلق، يسعى عبر ترجماته إلى تعريف القارئ العربي بجانب من الأدب والفكر الكرديين المعاصرين، وإلى جعل الترجمة جسراً للتواصل بين ثقافتين تجمعهما جغرافيا وتاريخ طويلان.

وفي الشعر، ينطلق آكريي من رؤية تمنحه استقلاله عن الوعظ والخطابة والمواقف المباشرة، ويراه تعبيراً عن خلاصة الذات الإنسانية وما تختزنه من إحساس وتأمل وقدرة على التقاط ما قد لا يراه الآخرون. وهي رؤية تقوده أيضاً إلى قراءة المشهد الشعري الكردي الراهن بقدر من النقد، والتمييز بين التجارب التي تواصل البحث والتجدد وتلك التي تبقى أسيرة التكرار.

في هذا الحوار، يتحدّث شمال آكريي عن محطات تجربته الشعرية والثقافية، وعن حضور آكري وكردستان في لغته وذاكرته، وتأثير الأدب العالمي في رؤيته للكتابة، والتحديات التي تواجه ترجمة الأدب الكردي إلى العربية. كما يتوقف عند مستقبل الترجمة في زمن الذكاء الاصطناعي، والموقع الذي سيظل للمترجم الإنسان، قبل أن يفتح نافذة على مشاريعه المقبلة في ترجمة الفلسفة والرواية والشعر.

س - انطلقت رحلتكم من الشعر، ثم امتدت إلى الترجمة والعمل الثقافي. كيف تشكل هذا المسار، وما الذي أضافته كل تجربة إلى الأخرى؟ 

ج – حقّاً، وكمعظم الذين دخلوا الميدان الأدبي في سنّ مبكرة، كان الشعر أول ما كتبت. وقد مرّت تجربتي الشعرية بعدة مراحل وتحولات؛ ففي البدايات، أي قبل دخولي الجامعة، كتبت القصيدة العمودية والغنائية، وقد تحوّل بعضها إلى أغانٍ قام عدد من المغنّين المعروفين بتلحينها وأدائها.

أما في مرحلة الجامعة، ومع اتّساع اطلاعي على الأدب العربي، ودراستي للأدب الإنكليزي دراسة أكاديمية، بدأتُ في منتصف تسعينيات القرن الماضي كتابة الشعر الحداثوي. وكان ديواني الأول (تنطق الشمس  (Çaxê Roj di Peyîvît، الصادر في تلك المرحلة، يضم نصوصا شعرية حداثوية بالكامل.

ثم انتقلت تجربتي الشعرية إلى مرحلة أخرى تمثلت في كتابة قصيدة الهايكو؛ إذ كنتُ من أوائل من كتبوا الهايكو في منطقة بهدينان، وأول من أصدر ديوانا خاصا بهذا الفن، حمل عنوان (من أطياف الأمس واليوم (Ji Sîtavkên Duhî û Evro.

ولم تتوقف تجربتي عند الشعر الحديث والهايكو، فقد خضت تجربة مختلفة بالاشتراك مع الشاعر الدكتور عارف حيتو، تمثلت في كتابة ديوان شعري كلاسيكي على شكل رباعيات، حمل عنوان (الحبيبة البعيدة عن الوصال  (Dilbera Dûr ji Wîsalê

 أما أحدث ما صدر لي مؤخرا في مجال الشعر، فهو ديوان آخر مكرّس لقصائد الهايكو، بعنوان (ندى الكلمات (Xwîsara Peyvan وهكذا تنقلت تجربتي الشعرية بين القصيدة العمودية والغنائية، والشعر الحداثوي، والرباعيات، وصولا إلى الهايكو، في محاولة مستمرة لاكتشاف أشكال جديدة للتعبير، وتوسيع مساحة التجربة الشعرية.

س - تبدو الهوية والمكان والذاكرة حاضرة في كثير من نصوصكم. كيف انعكست مدينة عقرة وكردستان عموما في رؤيتكم الشعرية ولغتكم الإبداعية؟

ج- أما الترجمة وتجربتي معها، فقد بدأت إرهاصاتها مع تخرجي من الجامعة، حين كانت لي بعض المحاولات الأولى، قبل أن أتوسع فيها لاحقاً وأدخل عالم الترجمة بصورة أعمق وأشمل. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الترجمة جزءا أساسيا من تجربتي الثقافية والأدبية، وقد ترجمت حتى الآن 16 كتابا من وإلى اللغات الكُردية والعربية والإنكليزية.

إلى جانب ذلك، خضت تجربة أخرى في حقل الصحافة والإعلام، وهو حقل ليس بعيداً عن الأدب، بل يتقاطع معه في كثير من جوانبه، ولا سيما في اللغة والأسلوب والقدرة على بناء الفكرة والتعبير عنها. فقد أصدرت عددا من المجلات الثقافية، وعملت في صحف ومجلات كُردية وعربية متعددة.

وأعتقد أن كل تجربة يخوضها الكاتب تضيف شيئاً جديداً إلى مسيرته، وتترك أثراً في تكوينه الأدبي والفكري. ومع مرور الوقت، تبدأ هذه التجارب في التداخل والتفاعل فيما بينها؛ فتتداخل الكتابة الإبداعية مع الترجمة، والصحافة مع الأدب، والثقافة مع البحث، لتشكّل في النهاية ملامح خاصة للكاتب، وتضفي على تجربته سمة مميزة تفرّقه عن غيره من الكتّاب.

س - تبدو الهوية والمكان والذاكرة حاضرة في كثير من نصوصكم. كيف انعكست مدينة عقرة وكردستان عموما في رؤيتكم الشعرية ولغتكم الإبداعية؟

ج - عقرة، أو آكري، هي ملهمتي الأولى، ومنها تشكّلت علاقتي المبكرة بالمكان واللغة والذاكرة. أحاول دائما أن أعكس في كتاباتي شيئا مما اختزنته ذاكرتي من ذكريات الطفولة والشباب، ومن تفاصيل الحياة التي عشتها في هذه المدينة.

وعلى الرغم من أنني قضيت سنوات طويلة خارج عقرة، لأسباب تتعلق بالهجرة والعمل، فإن تأثيرها ظل حاضرا في وجداني وكتابتي، ولم تستطع المسافات أن تمحو أثرها من لغتي. فما زالت عقرة، بلهجتها ومفرداتها وخصوصية تعبيراتها، حاضرة في أسلوبي، حتى إن من يقرأ نصوصي، سواء أكانت من كتاباتي الأدبية أم من ترجماتي، يستطيع أن يلمس فيها نكهة آكري وعبق كلماتها وتعبيراتها الخاصة؛ كلمات قد لا تكون شائعة أو متداولة في بقية مدن كُردستان.

ولذلك أشعر أن المكان لا يغادر الكاتب حتى وإن غادره الكاتب؛ فالمدينة التي ننتمي إليها في طفولتنا تظل تسكن لغتنا، وتظهر في كتابتنا من حيث لا نشعر، وتصبح مع مرور الزمن جزءا من هويتنا الأدبية.

س - كيف تنظرون إلى وظيفة الشعر اليوم؟ وهل ما يزال قادراً على ملامسة القضايا الإنسانية وصناعة أثر في وعي القارئ؟  

ج - الشعر، في نظري، هو زُبدة الذات وخلاصتها، وهو أقدم الأجناس الأدبية، وسيظل حاضرا ما دام الإنسان قادرا على الإحساس والتأمل والتعبير. لكنني لست مع فكرة أن تكون للشعر وظيفة محددة أو غاية مفروضة؛ فالشعر، بالنسبة إليّ، ليس وعظا ولا خطابة، وليس وسيلة لإلقاء الأفكار والمواقف، وإنما هو قبل كل شيء جمال وإحساس وصور إبداعية.

والشعر الحقيقي ليس مجرد اصطفاف لكلمات منمّقة أو تراكم لعبارات جميلة، بل هو إحساس يتحول إلى لغة، وصورة تتشكل من داخل التجربة الإنسانية. لذلك أرى أن جوهر الشعر يكمن في ملامسته للإنسان وقضاياه بوصفه إنسانا، لا في انحيازه المباشر إلى القضايا السياسية أو الاجتماعية.

فالشاعر، حين يكتب الشعر، لا ينبغي أن يتحول إلى سياسي أو مصلح اجتماعي أو خطيب؛ إنه قبل كل شيء إنسان شديد الحساسية تجاه الحياة، يلتقط ما قد يعجز الآخرون عن رؤيته أو الشعور به، ثم يحوّله إلى جمال. ومن هنا تأتي قيمة الشعر الحقيقية: أن يجعلنا نرى الإنسان والحياة والعالم بعيون أكثر حساسية وعمقا، لا أن يقدم لنا أجوبة جاهزة أو دروسا مباشرة.

س - إلى أي حدّ أثرت ممارسة الترجمة في تجربتكم الشعرية؟ وهل غيّرت احتكاكاتكم المستمرة بالنصوص العالمية نظرتكم إلى الكتابة؟  

ج - بالتأكيد، لقد كان للتأثر أثرٌ واضح في تجربتي، وهذا أمر طبيعي؛ فالترجمة من وإلى ثلاث لغات لا بد أن تفتح أمام المترجم آفاقا واسعة، وأن تمنحه مصادر متعددة لتغذية تجربته الأدبية والفكرية وتوسيع رؤيته.

وكما أشرت في سؤال سابق، فقد كان لدراستي للأدب الإنكليزي أثرٌ كبير في تكويني، كما أتاحت لي القراءة والترجمة الاطلاعَ على نماذج واسعة من الأدب العالمي، والتعرف إلى تجارب وأساليب ورؤى مختلفة. وقد استفدت من هذه التجارب، لكنني لم أسعَ إلى اقتباسها أو استنساخها؛ بل حاولت دائما أن أجعل منها نافذة أطلّ من خلالها على الجديد، لا قالبا أكرر ما فيه.

 وأعتقد أن الكاتب الحقيقي لا يعيش بمعزل عن تجارب الآخرين، لكنه في الوقت نفسه لا يفقد صوته الخاص تحت تأثيرها. لذلك حاولت، من خلال ما قرأت وترجمت، أن أبحث دائما عن طرائق جديدة في الكتابة، وأن أستفيد مما هو إنساني وعالمي في تلك التجارب، ثم أعيد صياغته من خلال رؤيتي وبيئتي وخصوصية تجربتي، بحيث أضيف شيئا، ولو متواضعا، إلى الأدب الكُردي، وأعزز حضوره وتنوعه.

أما الشعر، فلم أختره أنا، بل هو الذي اختارني وحثّني على أن أكتبه؛ فقد جاء إليّ بوصفه حاجة داخلية وإحساسا لا أستطيع تجاهله. أما الترجمة، إلى جانب الصحافة، فقد اخترتهما عن وعي وقناعة، وأصبحتا جزءا مهما من مسيرتي الثقافية.

ومن خلال عملي في الترجمة إلى العربية، أحاول أن أؤدي دوراً يتجاوز مجرد نقل النص من لغة إلى أخرى؛ إذ أسعى إلى إيصال جانب من الفكر والأدب الكُردي المعاصر إلى القارئ العربي الكريم، وإتاحة الفرصة له للتعرف إلى ما يزخر به الأدب الكُردي من تجارب ورؤى وأصوات إبداعية.

 وأطمح، من خلال هذه الترجمات، إلى أن يتعرف القارئ العربي عن قرب إلى مستوى الأدب والفكر لدى الكتّاب والشعراء الكُرد، ولا سيما الأجيال المعاصرة منهم، وأن تكون الترجمة جسرا حقيقيا للتواصل والتفاعل بين الثقافتين، لا مجرد عملية نقل لغوي.

س - تختلف الرواية عن المسرح في اللغة والإيقاع وبناء الشخصيات. كيف تعاملتم مع خصوصية كل جنس أدبي أثناء الترجمة، مع الحفاظ على روح النص الأصلي؟

ج - قبل أن أبدأ بترجمة أي عمل أدبي، أحرص أولا على دراسة النص من مختلف جوانبه، لأن لكل جنس أدبي خصائصه وسماته التي تميّزه عن غيره. ولذلك لا أتعامل مع النصوص بالطريقة نفسها؛ فلكل نص خصوصيته التي تفرض على المترجم أسلوبا مختلفا في القراءة والفهم والترجمة.

فإلى جانب دراسة المحتوى والفكرة والأسلوب، أهتم بطبيعة الشخصيات، والبيئة التي يتحرك فيها النص، والسياق الثقافي والاجتماعي الذي نشأ فيه، كما أحاول أن أتعرف إلى عالم المؤلف ورؤيته، لأن فهم الكاتب أحيانا يكون مفتاحا لفهم نصه.

والأهم من ذلك كله أنني أحاول أن أقرأ ما بين السطور؛ أي تلك المعاني والإيحاءات والطبقات الخفية التي قد لا تظهر للقارئ بصورة مباشرة، لكنها حاضرة في النص ويحتاج المترجم إلى التقاطها وإعادة إظهارها في اللغة المنقول إليها. فالمترجم، في رأيي، لا ينقل الكلمات وحدها، وإنما يحاول أن ينقل روح النص وما وراء كلماته، بحيث يصل إلى القارئ الجديد بالعمق والإحساس اللذين أرادهما المؤلف.

س - ما أصعب ما يواجه مترجم الأدب الكردي إلى العربية: نقل اللغة، أم الخلفية الثقافية، أم الإيقاع الجمالي الذي يمنح النص فرادته؟

ج - يجب على المترجم أن يكون متمكنا من اللغتين، لغة المصدر (Source Language) ولغة الهدف (Target Language)، لأن أي خلل في إحداهما سينعكس بصورة مباشرة على النص المترجَم، فتأتي الترجمة ركيكة أو مضطربة، تبعا لحجم ذلك الخلل وطبيعته.

وباعتقادي، فإن من أصعب ما يمكن أن يواجهه المترجم عند الترجمة من الكُردية إلى العربية هو التعامل مع المفردات والتراكيب؛ فاللغتان تختلفان اختلافاً واضحاً في معجمهما اللغوي، وفي بنيتهما النحوية، وكذلك في إيقاع الكلمات وطريقة تشكل الجملة والتعبير عن المعنى. لذلك لا تكفي المعرفة الحرفية بالكلمات، بل يحتاج المترجم إلى فهم عميق لروح كلتا اللغتين وثقافتهما.

وتزداد الصعوبة في بعض الحالات، ولا سيما عند ترجمة النصوص الكلاسيكية والاقتباسات، حيث قد تحمل المفردة أو العبارة دلالات تاريخية وثقافية وإيحاءات لا يمكن نقلها حرفيا. وهنا يجد المترجم نفسه أمام معضلة حقيقية: كيف يحافظ على معنى النص وروحه وإيقاعه، من دون أن يفقده خصوصيته، وفي الوقت نفسه يجعله طبيعيا ومفهوما في اللغة الهدف؟

وهذا، في رأيي، هو أحد أهم الاختبارات التي تكشف براعة المترجم؛ فالمترجم الجيد لا يبحث عن المقابل اللغوي للكلمة فحسب، وإنما يبحث عن المعادِل الذي يؤدي المعنى والإحساس والدلالة نفسها في اللغة الأخرى.

س - كيف تقيّمون واقع الشعر والأدب الكرديين اليوم؟ وما أبرز التحولات التي ترون أنها تستحق اهتمام القارئ العربي والباحثين؟

ج - باعتقادي، فإن واقع الشعر الكُردي اليوم يحمل في داخله الجيد والرديء معا. فهناك أسماء شعرية متميزة، تمتلك تجارب حقيقية ومتجددة، وتواصل تطوير أدواتها باستمرار، حتى إن بعض تجاربها يمكن أن تضاهي، من حيث المستوى الفني والرؤية، نماذج مهمة في الشعر العالمي.

وفي المقابل، هناك أسماء تقدّم نفسها بوصفها شعراء، لكنني أراها أقرب إلى زوبعات أو فقاعات موسمية سرعان ما تخبو، لأنها لا تمتلك القدرة على الاستمرار أو الارتقاء بتجربتها إلى مستويات أكثر نضجا. فالشاعر الحقيقي، في رأيي، لا يكتفي بما يكتبه، وإنما يظل في حالة بحث وتجدد دائمين؛ يقرأ، ويتأمل، ويتفاعل، ويجرب، ويعيد النظر في أدواته.

أما من لا يقرأ، ولا يجدّد، ولا يتواصل مع التجارب الشعرية الأخرى، ويبقى أسير ما اعتاد عليه، فإنه سرعان ما يقع في دائرة التكرار، ويصبح مجرد مقلّد لا يضيف جديدا إلى الشعر. فالشعر، في جوهره، حركة دائمة نحو المجهول والجديد، وليس تكرارا لما قيل من قبل.

س - مع التطور المتسارع لأدوات الترجمة والذكاء الاصطناعي، كيف ترون مستقبل الترجمة الأدبية؟ وأين تبقى قيمة المترجم الإنسان؟

ج - أنا أتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة ومسهّلة لعملية الترجمة، ويمكن أن يكون مفيدا جدا للمترجم في البحث، والمقارنة، واقتراح البدائل، وتسريع بعض مراحل العمل. لكنني أتصور أنه، مهما بلغ من التقدم والتطور، لن يستطيع أن يحلّ محل المترجم الإنسان بصورة كاملة.

فالترجمة الأدبية، في رأيي، ليست مجرد نقل للمفردات والمعاني من لغة إلى أخرى، وإنما هي نقل للروح والإحساس والإيحاء وما وراء الكلمات. وهذه الجوانب الخفية، وخصوصا ما بين السطور، تحتاج إلى حسّ إنساني وخبرة وثقافة ووعي بالسياق، وهي أمور لا يمكن اختزالها في عملية آلية.

قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج ترجمة سليمة من الناحية اللغوية، وربما متقدمة جدا من حيث الدقة والسرعة، لكنها قد تظل في بعض الحالات ترجمة مصطنعة تفتقد إلى روح النص ونبضه الإنساني. أما المترجم الحقيقي، فهو لا يترجم ما هو مكتوب فقط، بل يحاول أن يكتشف ما لم يُكتب صراحة، وأن يعيد خلقه في اللغة الأخرى.

وأعتقد أن القارئ الحاذق، ولا سيما القارئ الذي يمتلك حسا أدبيا، يستطيع في كثير من الأحيان أن يلمس منذ الوهلة الأولى الفرق بين ترجمة تحمل بصمة إنسانية وترجمة آلية تفتقد تلك الروح. لذلك أرى أن مستقبل الترجمة لن يكون بالضرورة في الصراع بين الإنسان والآلة، وإنما في أن يستخدم المترجم الذكاء الاصطناعي أداة في يده، مع احتفاظه بالدور الأهم: الفهم، والتأويل، والاختيار، وإعادة خلق النص بروحه في اللغة الأخرى.

س - ما المشاريع الأدبية أو الترجمية التي تعملون عليها حاليا، وما الأعمال الكردية التي تتمنون أن تجد طريقها إلى العربية خلال السنوات المقبلة؟

ج - مشاريعي المقبلة والمتواصلة كثيرة، وأعمل حاليا على عدد من الأعمال التي أراها مهمة في مسيرتي في مجال الترجمة. من بينها كتاب فلسفي قيّم من تأليف الأستاذ غياث الدين نقشبندي، وهو من ترجمتي، وينتظر الطبع في دار المأمون للترجمة والنشر في بغداد. وأعتقد أن هذا العمل سيكون، من حيث القيمة الفكرية وطبيعة موضوعه، نقلة نوعية في تجربتي في الترجمة إلى العربية.

كما أنجزت ترجمة عدد من الأعمال الروائية، من بينها رواية )نهر راڤينا(Rûbarê Ravîna للكاتب الدكتور أحمد قرني، ورواية (انبثاق الشمس Zayîna Rojê) للكاتب زردشت شاهين، إلى جانب أعمال شعرية أخرى عديدة ما زلت أعمل عليها.

وأرى أن تنوع هذه المشاريع بين الفلسفة والرواية والشعر يتيح لي أن أواصل اختبار أدواتي كمترجم، وأن أقترب من عوالم أدبية وفكرية مختلفة، وهو ما يجعل تجربة الترجمة بالنسبة إليّ مشروعا مفتوحا لا يتوقف عند حدود كتاب أو جنس أدبي معين.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم