شهاب عبدالله: مشروع النوم قوة لا يستهان بها، والأقوياء يعرفون ذلك
حاولنا في هذه المساحة محاورة الروائي شهاب عبدالله، وهو صاحب تجربة أدبية متميزة في الرواية والقصة القصيرة استهلها برواية "باراديسيوس" 2019، تلتها"مذكرات الرجل الآخر" 2021، لكننا نركز هنا على روايته الأخيرة "مشروع النوم" الصادرة عن دار هاشيت أنطوان ببيروت 2023، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد 2024م.
- ما هو المصدر الرئيسي الذي ألهمك في كتابة "مشروع النوم"، وكيف تجلى هذا الإلهام في الشخصيات الرئيسية والقصص الثانوية؟
اعتقد أنني كنت دائما مفتونا بفكرة البقاء وما تختزنه من قوى وإمكانات مذهلة، فلا شيء يضاهي هذه الفكرة، وأجدها مصدر كلّ إبداع وعبقريّة. ولسبب ما، تستهويني مشاهدة الوثائقيّات، خاصة برامج النجاة وكيف بمقدور الإنسان أو المخلوقات الأخرى التأقلم والتغيير من أجل استمرار النوع. يمكن بسهولة رؤية كيف تبدع هذه المخلوقات أساليبا وخططا للبقاء حينما توضع على محكّ الاختبار، وفي مواجهة الخطر الوجودي. تولّد تلك الخبرة فنّا، ومراقبة ذلك الفنّ ملهم.
منذ قرأت في سنّ السادسة النسخة المختصرة من كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور لمحمد ابن إياس الحنفي، الذي يحتوي على قصص من التراث، وهو بالمناسبة مختصر جدا وانتقائي، والقصص فيه تدور حسب وجهة نظري حول اللغة والخيال والمبالغة، كما لو أنّ ابن إياس الحنفي كان مهووسا بفكرة التأثير والتوجيه والإقناع، مع أنّ أغلب القصص تنطوي على أخبار غرائبية تبدو ملفّقة ومتخيّلة، ومع هذا فإنّ هناك سحرا ما وأثراُ في النفس يبقى بعد القراءة. هذا السحر هو ما يستهويني ويبهرني. ذلك الشيء الذي يبقى بعد انتهاء الحكاية هو الأبديّ والمفارق، الذي لا يمكن القبض عليه بأيدينا، لكنّه متسرّب وذائب فينا، في أذهاننا ومقاربتنا للعالم وفي تصوّرنا لشكل الحياة وإلى أين يمكن أن تذهب. ولهذا فمن الطبيعي أن يتجلّى هذا العنصر الأبديّ الساحر في كتاباتي ومشروعي الأدبيّ.
اعتقد أنني أحاول أخذ هذا الافتتان إلى الرواية.
لقد أتيت من طفولة شُحذت طيلة سنواتها المبكرة بالقراءة، وبالاستماع إلى الحكايات والخرافات والأساطير الشعبية، واعتقد أنّ فهماً ما زُرع فيّ، ولم تتجلّ ثماره إلّا بعد سنوات طويلة. كما اعتقد أنّ جوهر هذه الفكرة هو أنّ اللغة والخيال أعظم أدوات الإنسان. يمكن تحقيق أيّ شيء بالاستخدام الصحيح لهذه الأدوات.
بالعودة إلى رواية "مشروع النوم"، فإنّ الشخصيّات الأساسية وحتّى العابرة منها، ترزح تحت أثقال لا محتملة. شخصيات معطوبة. تعاني، تحمل الألم لكنها تمضي في الحياة. جميعهم ناجون. وبطريقة أو بأخرى استطاعوا الاستمرار في العيش والوجود، إمّا مصادفة أو افتكاكا أو آليّا عبر شروط ذاتية يتقدّمها عمل الدماغ البشري المهيّأ للتعامل مع أكثر الظروف تعقيدا. ذلك التعقيد الإنسانيّ، أردت مقاربته وفق رؤية تستمدّ شرعيّتها ووقودها من اللغة والخيال، والسحر الذي انبهرت به منذ قرأت وأنا مجرد طفل في السادسة، ذلك الكتاب لابن إياس الحنفي.
- كيف تمكنت من الحفاظ على التوازن بين عناصر الخيال والواقع في "مشروع النوم"، وما هي الحدود التي تضعها بينهما؟
لم يكن الأمر بتلك الصعوبة، فعلى المستوى الشخصيّ، اعتقد أنّ تلك الحدود واضحة جدّا. هي مرئية ويمكنني التعامل معها، لأنّ الحياة، أي حياتنا اليومية لا تكاد تخلو من هذا التفاعل الحيّ والحقيقيّ بين العنصرين.
ما هو جوهريّ في عمليّة كتابة هذا النوع الروائي هو الرؤية الواضحة للقصّة ولأدوار الشخصيّات، ولأصواتها. فلا يهمّ إن كانت الرواية تتحدّث عن أبطال خارقين أو أناس عاديين، أو عوالم موازية. ما يحتسب فعلا هو المنطق الداخلي، وعندما يصدّق القارئ أنّ هذه الرواية بوصفها سيناريو متخيّلا بديلا وأحد إمكانات الوجود، فإنّ العمل بذلك حقّق مبدأ التناسق، وهو إحدى الشروط الأساسية لكتابة عمل روائي ناجح.
- في النصف الأول من الرواية الذي عنوته ب"العائلة" كثيرا ما تدور كلمة الطوفان على لسان مروان العابد، فما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لك؟ ما الذي ترميه إليه تحديدا؟ هل الأمر مجرد مجاز أم أنه يرتبط بشكل ما بالحقيقة؟
تستهويني فكرة اختزال العالم الإنساني كلّه إلى عائلة، فالعائلة هي أساس هذا النوع البشري. أعتقد أنّ آدم وحوّاء لم يختبرا مفهوم العائلة كمؤسسة بدائية تقود مهمّة التكاثر والنجاة إلّا بعدما أنجبا طفلا. ولعلّهما بمجرّد مجيء هذا الطفل رأيا العالم الحقيقيّ لأوّل مرّة ولآخر مرّة. فالمستقبل في أعينهما لا يشبه المستقبل في أعين أيّ بشريّ أتى بعدهما. إنها لحظة حصريّة وخاصّة جدّا. رجل وامراة وطفل والعالم كلّه ملكهم. أجزم أنّ لا أحد عرف ذلك الشعور من بعدهم.
يستبطن مروان العابد فكرة العائلة ويبجّلها. هو يعيش في ألمانيا مغتربا، والعائلة تثبّته وترسّخه في تربة هذا المجتمع الأجنبيّ. إنها الثقل الذي يحتاجه. إنها مرساته. وهو يدرك ذلك جيّدا، ولذلك حينما تفكّكت العائلة وأيقن أنّ ثباته بُني على خديعة وكذبة، لم يقاوم انجرافه، بل عدّه حتميّة منطقيّة. لم يكن لديه ما يتمسّك به، لأنّ العائلة بالنسبة له هي العالم، وبالنسبة لمروان العابد فإنّ النجاة وحيدا أمر غير ممكن. وبهذا اليقين كان التحوّل لحظة حاسمة ولا مفرّ منها.
في ظاهر القصّة القرآنية، يبدو الطوفان كارثة طبيعية أهلكت ابن النبيّ نوح وقومه وأعدادا هائلة من الكائنات والأنواع الحيّة. نال الطوفان من كلّ أشكال الحياة، لكنّه من منظور آخر، أسّس لحقبة جديدة. ومجازا يمكن القول بأنّ لكلّ تغيير طوفان. إذن فالطوفان ليس شرّا خالصا ولا ينطوي ذاتيّا على نيّة الأذى، بل يمكن أن يكون خيرا، لكن ليست كلّ عين ترى.
أنا معجب كثيرا بأشعار روديارد كيبلنغ. لديه بعض الأبيات تقول
المطر يهطل بلا انقطاع
وما هي إلا لحظات حتى تنفجر الفيضانات من عقالها
الفيضانات لا تعرف خوفا
فاصمدوا في الأراضي المنخفضة.
- بحسب مروان العابد فأن كل فنان يخاف من الطوفان، فهل أنت أيضا تخاف من الطوفان، أم من الشيخوخة، أو الموت، أم شيء آخر؟
في هذه اللحظة، أخاف ألّا يكون الطوفان كافيا من أجل التغيير. أخشى أن تُحوّل وجهته، وتُضعف قوّته ليتمّ احتواؤه وإعادة الأمر إلى نقطة البداية.
- يعود مروان العابد من غربته، إثر تلك الفاجعة التي أودت بحياة عائلته، وهو يحمل قطا رماديا، يعتني به، ويحاوره ويحادثه، الى ماذا تدل هذه الرمزية؟ وهل يمكننا الاستئناس بالحيوان الأليف وجعله بديلا للعائلة، ولو على سبيل المجاز؟ هل هذا كلما يبتقى من العائلة: قط رمادي؟
هناك دول أسستها الاستعارات والاستدعاءات ماضويّة، وبسبب نبوءات وهلاوس دينية. هنا تصبح الاستعارة خطيرة جدّا، لأنها تتنزّل في الواقع ولها أثر مادّي ملموس. لكن في الرواية، فإنّ شخصية القطّ الرمادي، ليست أكثر من استعارة وهلوسة ذهنيّة، لجأ لها الدماغ كآلية دفاع، من أجل الحفاظ على سلامة مروان العابد. فالمسألة لها علاقة بالنجاة والبقاء، فلم يمنح كلّ الناس نعمة تحمّل التحوّلات.
- علي أي أساس بنيت "مشروع النوم"؟
كانت لديّ فكرة بسيطة جدّا تتمثّل في جلب افتتاني بالقصص وبالأحداث الغرائبية إلى رواية مشروع النوم، منطلقا من ثيمة أساسيّة وهي الذاكرة، عبر حكايتين أساسيّتين، وهما حكاية مروان العابد وحكاية معاذ درويش. أردتها لعبة. واحدة تتحدث عن النوم وأخرى عن اليقظة المشوّهة، وما يتسرّب منهما من أحلام وتشوّهات وتصدّعات تتجلّى بوضوح في أطوار عيش كلّ الشخصيات تقريبا.
- يقول مروان العابد عند ما طرأت فكرة "مشروع النوم"، "أن إنسان لا يتذكر بؤسه هو إنسان ناج". ألا ترى أن هذا النسيان هو نسيان مؤقت، وأن الإنسان سرعان ما سيعود الى بؤسه؟
من الصعب أن يحمل الإنسان آلامه ويمضي بها في الحياة، لكنّه يفعل. يقدّم مشروع النوم حلّا وقتيّا، فرصة لاستعادة الأنفاس. نحن عندما نقرأ قصّة ممتعة مثلا أو نستمع إلى مقطع موسيقيّ "في وقته" كما يقال، أو عند مشاهدة مباراة جيّدة لفريقنا المفضّل (برشلونة طبعا هههه) تمنحنا تلك الحالة والمشاعر الجيّدة القوّة للاستمرار وتخفّف عنّا ضغط الحياة.
نحن لا ننسى البؤس والأوقات الصعبة. نحن نتعايش معها، وفي مرحلة ما إن مُنحنا القوة والوعي قد نتصالح معها. قد نحملها كعلامة لا نخجل منها، بل نمتنّ لوجودها لأنها من صنعتنا.
- يجد كل هؤلاء الوزراء، والمشاهير، ورؤساء الدول، وكذلك الناس العاديين خلاصهم في نوم هانئ هادئ، ولكن ما الذي يعقب تلك الليلة؟ هل يستمرون بالشعور بالسلام والسكينة، أم انهم سيضطرون الى العودة إذا ارادوا استعادة هذه المشاعر؟ أم أن الطاقة السلبية التي تمتصها غرفة النوم، أو يمنحها لعائلة البياتي كما تقول الرواية، هي من يحميهم في الوقوع في براثن الحزن والخوف والألم؟
كان مشروع النوم في بداياته حصريّا. فئة من النخبة تحصل عليه. ليس امتيازا للجميع، لكنّ مروان العابد بعد صراع مع السلطة افتكّ نصيبا لأناس سيختارهم بنفسه.
في الحقيقة، حتّى وإن فازوا بليلة نوم هانئة، فإنهم حتما سيعودون، لأنّ "البؤس لا ينتهي."
- يقول القط رمادي، أنه قط مثقف، ما الذي يعنيه ذلك؟
هناك إجابتان لهذا السؤال. الأولى لأنه ملمّ بحقوقه جيّدا، ولذا نراه يثور ولا يسكت عن المطالبة بتلك "الأساسيّات" هههه.
والثانية، لأنّه يمثّل الجانب الساخر والجريء لمروان العابد، ومروان كما نعرف رجل مثقّف وأستاذ ومؤلف كتب تعنى بالتاريخ والفن. فكلّ ما يعرفه مروان يعرفه القط.
- ما علاقة النوم بالموت؟ باللذة؟
يمكن فهم هذه العلاقة جيّدا إذا درسنا شخصية معاذ درويش. كانت حياة الرجل معقّدة جدّا في مرحلة نشأته، وهو أّول من شهد وفاة أخته ووالدته. في المرّة الأولى، كان لا يزال طفلا، وفي طريقه لاكتشاف جسده وهويّته الجنسية. صادف ذلك اختباره للذة، وظلّت هذه اللحظة وما ارتبط بها من مشاعر ماثلا في وجدانه بعد سنوات طويلة. في المرّتين، وهما ميتتين، حسب معاذ الطفل/ الرجل كلّا من أخته وأمّه مستغرقتان في النوم. الصدمة الأولى زرعت بذرة الاعتلال داخله، وأمّا الثانية فهي ما جعلت الاعتلال ينبجس على هيئة تلك الهلاوس والنزعة الإجراميّة، والرغبة الشديدة في أن يصبح محبوبا.
يقال في علم النفس بأنّ للتشوّهات والاعتلالات النفسية لدى الإنسان، جذورا تعود لمرحلة الطفولة. يؤكّد هذه المقولة عالم النفس التطوري إريك إريكسون صاحب نظرية النمو النفسي-الاجتماعي، حينما أكّد بأنّ كل مرحلة عمرية تبني أو تضعف الأساس للمرحلة التالية.
- لماذا أخفت عائلة البياتي سر "مشروع النوم" عن والد مروان العابد؟
ببساطة لأنّ والده كان رجلا انتهازيّا، وهو على كلّ حال متزوج من امرأة أميركية ويعيش معها في بلدها. فإخباره بسرّ عائلة البياتي وكيف عثروا على تلك القوى الغرائبية، شأن داخلي، ويورّث جيلا بعد جيل للأبناء والأحفاد فقط.
- من هو بورا، هل يمثّل الخوف، أم الانتقام، أم الماضي السيء، أم الوهم؟
يمثّل بورا الجانب المظلم من شخصية معاذ درويش. هو المحرّض الحقيقي له، وهو من يقوده ويتحكّم به، وهو أيضا من يغذّي نزعة الشرّ لديه. وهذا الجانب المظلم في الحقيقة، نتيجة ذلك الاعتلال النفسي الذي تحدّثت عنه سابقا، وقد يكون بسبب عوامل أخرى عديدة، كالشعور بالدونية والوحدة، وفشل جميع تجاربه الجنسية وإخفاقاته الزوجية المتكررة.
بورا أشبه بشخصية تسكن الكواليس. ظلّ ملازم لمعاذ. يوسوس له، ويخطط نيابة عنه، ويحرص على ألّا ييتعرّض معاذ درويش مرة أخرى للأذى.
- ستتحكم فيهم بقدر حاجتهم الى النوم.. وردت هذه الجملة في سياق الحديث المفترض لمروان العابد عن والدته، إذا، بحسب ذلك، فإن السلطة أيضا قابلة للخضوع، ولي الذراع؟
السلطة لا تخضع إلا لسلطة أقوى منها، والقوى تتمظهر في أشكال كثيرة. مشروع النوم قوة لا يستهان بها، وأولئك الأقوياء يعرفون ذلك.
0 تعليقات