في هذا اللقاء، يدخل الروائي الجزائري محمد فتيلينه إلى مساحة مكاشفة فكرية وسردية، يتحدّث فيها عن مسار كتابة تشكّل عبر سنوات من الاحتكاك الثقافي، والعمل التراكمي، والتوتر الدائم بين الذات والعالم. الحوار يتحرّك في مناطق حسّاسة من التجربة الروائية، حيث تتجاور الذاكرة مع الهوية، ويتقاطع التاريخ مع الحاضر، ويتحوّل المكان إلى عنصر فاعل في إنتاج المعنى وفي صياغة الرؤية السردية.

تتقدّم الأسئلة من الداخل نحو الخارج، من ورشة الكتابة إلى فضاء المجتمع، ومن بنية النص إلى السياق الثقافي الأوسع. فتيلينه يتوقّف عند النقد الذاتي كآلية لمراجعة المنجز وتطويره، وعند أثر المرحلة الكولونيالية في تشكيل الوعي الجزائري المعاصر، وعند اشتغاله الطويل على الذاكرة الجماعية وما تختزنه من طبقات إنسانية وسردية قابلة لإعادة القراءة وإعادة البناء داخل النص الروائي.

الحوار يضيء أيضاً على خياراته التقنية في بناء السرد، وعلى تعدّد الأصوات الحكائية، وعلى تشكيل الشخصيات التي تحمل في داخلها توتراً نفسياً واجتماعياً متشابكاً، مرتبطاً بتاريخ من القهر والتحوّلات والانكسارات. كما يتناول علاقته باللغة، ومحاولاته المستمرة لموازنة العمق التعبيري مع القرب من القارئ، من أجل إنتاج خطاب سردي قادر على نقل التوتر بين الفرد وذاكرته، وبين الجماعة وماضيها المثقل بالأسئلة المفتوحة.

وعلى مستوى أوسع، يفتح الحوار نقاشاً حول موقع الرواية الجزائرية في المشهد العربي والعالمي، وحول تعدّدها اللساني، وحضورها في فضاءات الترجمة، ودورها في نقل التجربة المحلية إلى أفق إنساني أرحب. ويتوقّف فتيلينه عند التفاعل النقدي والأكاديمي مع أعماله، وعند حضورها في الجامعات والدراسات البحثية، باعتبار ذلك امتداداً معرفياً للنص السردي ومساحة إضافية لتوليد المعنى.

ينتهي اللقاء عند تخوم المشاريع المقبلة، حيث يواصل الكاتب الاشتغال على أسئلة الهوية والآخر، ضمن مسار كتابي مفتوح على البحث والتجريب والتنقيب. حوار يقدّم للقارئ مادّة تأملية حول فعل الكتابة، وحول الرواية كحقل للتفكير وإعادة ترتيب العلاقة مع الذاكرة، والمكان، والتاريخ، والإنسان. 

السؤال الأول: كيف تقرأ المسار العام لتجربتك الروائية منذ بداياتها حتى أعمالك الأخيرة، وما التحولات الجمالية والفكرية التي يمكن رصدها في هذا المسار؟

الجواب الأول: صراحةً، ليس من السهل على أي كاتب بشكل عام، وأي روائي بشكل خاص، تقييم مساره العام لأن الأمر متروكٌ في الأساس للقرّاء والنقّاد، لكن بوسعه الوقوف عند محطات تجربته عبر نقدٍ ذاتي، يحاول على الأقل من خلاله الاستفادة من التراكم المعرفي، الذي حصّله طوال سنوات من العمل الدؤوب وينقد منتوجه الشخصي، بهدف تصحيح الهنّات وتطوير المكاسب الفنية والإنسانية في كل عمل كتبه.وهذا لا يتأتى بالتأكيد إلا بعد سنوات من العمل والتطوير الذاتيين، ونصيب من الاحتكاك الثقافي والإنساني بينه وبين عديد الكتاب والباحثين والمهتمين بالثقافة من أجيال مختلفة.

السؤال الثاني: تشكّل ثيمات الهوية والذاكرة والمكان مرتكزاً بنيوياً في أعمالك؛ ما الخلفيات المعرفية والثقافية التي دفعتك إلى الاشتغال عليها ضمن السياق الجزائري؟

الجواب الثاني: فعلاً، تُعدّ تيمة الهوية الدافعَ الرئيس في أغلب أعمالي الروائية، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى خصوصية الحالة الجزائرية، من خلال التأثير الكولونيالي على جلّ مناحي الحياة في الجزائر عبر قرنٍ ونيّف. فبسبب الاستعمار الفرنسي، الذي مضى على خروجه من البلاد أكثر من نصف قرن، استعصى على الجزائري، ولا سيما المثقف، أن يشفى من ذلك الجرح الغائر الذي مسّ الجوانب المادية والمعنوية، من الجسد إلى الهوية. لذا فمسألة الهوية والانتماء وتأثيرات الكولونيالية عناصر جوهرية في تيمات نصّي الروائي، ابتداءً من بحيرة الملائكة وصولاً إلى كافي ريش ورعاة أركاديا. ومن نتائج هذا المنتج الروائي الإصرارُ على البحث والتنقيب في الذاكرة وما تمثّله من ثراء إنساني على مستوى الحدث والمكان والخطاب. ولا يمكنني تجاهل التأثير الثقافي الفرنسي انطلاقا من اللغة ووصولا إلى الفنون.

السؤال الثالث: في روايتك «مزامير التجاني»، تتقاطع مفاهيم الحرية والهوية والذاكرة؛ كيف تمثلّت هذه المفاهيم على مستوى البناء السردي وتشكيل الشخصيات؟

الجواب الثالث: كان من الصعب عليّ أن أختار تقنية سردية بعينها تخدم، بشكل ما، التيمة العامة للنص، لكن بعد جمع المادة المعرفية الضرورية وإعادة تقييم آلية الكتابة المبدئية، كان من الضروري أن أستعين بشاهدٍ على الأحداث، ينقل التجربة ويبوح بالدوافع الإنسانية التي تدفعه إلى البحث عن الملاذ، وتُجبره على تكرار سؤال الكينونة والمصير. لذا استقررتُ، مجبراً، على المزج بين ساردٍ عليم وآخر مشارك، تمثّل في البطل مرزوق بن حمو، فحاولت من خلال هذه المزاوجة أن أوثّق الحدث من الخارج، وأن ألامس المبرر الإنساني لحركة الشخوص من الداخل. ورغم صعوبة الامر إلا انه سهّل عليّ نسبيا عملية الكتابة.

السؤال الرابع: في «رعاة أركاديا» و«مزامير التجاني»، تبرز شخصيات ذات أبعاد نفسية واجتماعية متداخلة؛ ما الآليات السردية التي اعتمدتها في بناء هذه الشخصيات بوصفها حوامل دلالية للنص؟

الجواب الرابع: مع الفارق بين زمنَي النصّين، إلا أنني أشاطر الرأي القائل إن بطلي النصّين يشتركان في أكثر من سمة، أبرزها البحث عن الذات، والإحساس بالقهر، والإيمان، والتضحية، والإصرار على التمسك بالحب رغم كل الإكراهات. وهذه المشاعر المتداخلة كانت نتاجاً طبيعياً لتركيبة مجتمعٍ عانى الكثير طوال حقب قاسية طويلة، كالمجتمع الجزائري.

السؤال الخامس: تعتمد رواياتك على بنية سردية متعددة المستويات، تمزج بين الواقعي والرمزي والأسطوري؛ كيف تُدار هذه البنية دون الإخلال بوحدة النص وتماسكه الجمالي؟

الجواب الخامس: مع تراكم التجربة الروائية، لا يصعب على الروائي الحصيف أن يستقرّ على أسلوب خاص يميّزه، وعلى اختيارات فنية تصبغ عمله. ومن بين التحولات التي تركت أثرها في داخلي تذبذبُ الطبقات الاجتماعية في بلادنا، وتمسّكها، رغم ذلك، بالملاذ الروحي، المتمثّل في الزوايا والمدارس الدينية الشعبية. فكان من الطبيعي أن يبرز هذا العنصر في عمل روائي، مثل مزامير التجاني، من خلال الأمكنة وسماتٍ معيّنة في الشخصيات، تستعين بالواقعي للإقناع وبالأسطوري لبثّ التشويق داخل المتن الروائي.

السؤال السادس: إلى أي حدّ يتحول المكان في أعمالك من إطار مكاني إلى عنصر فاعل في إنتاج المعنى وبناء الرؤية الروائية؟

الجواب السادس: المكان، في رأيي، من أهم العناصر التي يُبنى عليها النص الروائي، ولا سيما الواقعي منه. وليس خافياً أن أغلب نصوصي الروائية تتكئ على المكان في جلّ فصولها؛ فنص كافي ريش، مثلاً، قام بشكل مباشر على مقهى تدور حوله الأحداث، وتتشابك داخله الشخصيات في لحظات استحضارها لتجاربها، رغم اختلافاتها الإيديولوجية والإثنية والعرقية. وهو بذلك يصير أكثر من مجرّد عنصر في العمل الروائي، إذ يتحول إلى كائن حيّ يوثّق للتجربة ويضفي على العناصر الأخرى بعداً من "التشخيص المعنوي".

السؤال السابع: كثيراً ما تنشغل نصوصك بتوتر العلاقة بين الفرد والتاريخ والذاكرة الجمعية؛ كيف يتجلى هذا التوتر على مستوى اللغة، والإيقاع السردي، وتقنيات التعبير؟

الجواب السابع: منذ كتابتي أول عمل روائي، كان أكبر تحدٍّ أواجهه هو اللغة، وكيفية التعامل معها داخل المتن. لكنني بقيت أسير نوعٍ معيّن من مستواها، وربما ساهم في ذلك تأثري، كقارئ، بجيل من الروائيين القدامى والمعاصرين، في كتاباتهم السردية التي تميل إلى توظيف لغة مهيبة تنحو إلى الأصالة أكثر من المعاصرة. غير أنه، ومن نصّ إلى آخر، تبلورت لدي قناعة بضرورة تطويع اللغة بحسب الثيمة والمتلقي، فحاولت، ابتداءً من نصّي الثالث ربما، أن أتماهى مع قارئ «نموذجي» يميل إلى لغة عادية وعميقة في الآن نفسه. لذا ترجمتُ هذا الاختيار إلى لغة تنقل التوتر القائم بين الفرد والتاريخ والذاكرة بأكبر قدر من الواقعية اللغوية والسردية والحكائية.

السؤال الثامن: كيف تنظر إلى موقع الرواية الجزائرية المعاصرة ضمن التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية الراهنة، وما الوظائف الجمالية والمعرفية التي يمكن أن تنهض بها؟

الجواب الثامن: أعتقد أن الرواية الجزائرية كان لها، وما يزال، موقعٌ مهم ضمن الرواية العربية والعالمية. كما أن تعدّدها اللساني، بين العربية والفرنسية والأمازيغية، جعلها تنقل هذا الثراء إلى فضاء عولمي يهتم بالخصوصيات ويرغب في اكتشاف الجديد. ودون ذكر الأسماء أو عناوين النصوص، يكفي أن نشير إلى ترجمات المتن الروائي الجزائري إلى لغات عالمية متعددة، من بينها اللغة الكردية.

السؤال التاسع: ما تقييمك لتلقي أعمالك نقدياً في المشهدين الجزائري والعربي، وهل ترى أن المقاربات النقدية أولت اهتماماً كافياً بالأبعاد الفلسفية والنفسية في نصوصك؟

الجواب التاسع: أعتبر أن هناك اهتماماً محترماً بأعمالي الروائية، خصوصاً الأخيرة منها، على الصعيدين المحلي والعربي، وحتى الأوروبي، سواء في الإعلام الثقافي أو في أروقة الجامعات. وقد انعكس ذلك في الدراسات الأكاديمية، لا سيما في الجزائر، التي اعتمدت كثيراً على نماذج من أعمالي الروائية في أكثر من خمس عشرة جامعة ومعهداً، وقُدّمت في هذا الإطار العديد من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه. وهذا، بالتأكيد، أمرٌ مشجّع يدعو إلى مزيد من العمل والاجتهاد، ويشعرني برضا كبير.

السؤال العاشر: أخيراً، هل تعمل على مشاريع روائية جديدة تستكشف آفاقاً مغايرة في مقاربة الهوية أو الذاكرة أو التجربة؟

الجواب العاشر: نعم، أعكف على كتابة نص روائي يقوم على عنصري الهوية والآخر. وأنا الآن في مرحلة البحث والتنقيب والترجمة، وقد يرى هذا العمل النور في العام المقبل، إن شاء الله.



0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم