لطيفة الحاج: الرواية اختبار دائم للهوية والتحولات الاجتماعية
يفتح هذا الحوار مع الكاتبة الإماراتية لطيفة الحاج نافذة على تجربة سردية تشكّلت عبر سنوات من الكتابة والتأمل والتراكم القرائي، تجربة تنشغل بأسئلة الذات والوعي والهوية، وتشتغل على تداخل الرمزية والواقعية ضمن بناء حكائي يسعى إلى مقاربة التحولات الاجتماعية والفكرية التي يعيشها الإنسان المعاصر. من خلال إجاباتها، تتضح ملامح مشروع كتابي يقوم على مراقبة التحولات الداخلية للشخصيات، ورصد التوترات التي تتولد بين الفرد ومحيطه، وبين الذاكرة والراهن، وبين الموروث وأسئلة التغيير.
تتوقف لطيفة الحاج عند علاقتها باللغة، والمكان، وبناء الشخصيات، وتكشف عن رؤية ترى في النص فضاءً مفتوحاً للاشتغال على المعنى، من دون افتعال أو تصنّع، مع ميل واضح إلى البساطة التعبيرية التي تتيح للنص الوصول إلى شرائح واسعة من القراء، مع الحفاظ على كثافة دلالية قادرة على توليد التأويل. كما يضيء الحوار على روايتها «الشامانة» وما تطرحه من أسئلة حول الروحانيات الزائفة، وآليات التضليل، واستغلال الحاجة الإنسانية للمعنى والطمأنينة، ضمن سرد يتقاطع فيه الواقعي مع التخييلي.
في هذا اللقاء، تتحدث الكاتبة أيضاً عن حضور المرأة في أعمالها، وعن الصراعات التي تعيشها الشخصيات النسائية بين الرغبة في التحرر والشعور بالمسؤولية تجاه القيم الاجتماعية، إضافة إلى رؤيتها للمشهد الروائي الإماراتي وتحولاته، وموقفها من النقد الأدبي، وطموحاتها المستقبلية المرتبطة بقضايا الأرض والانتماء والمجتمع. حوار يقدّم للقارئ قراءة معمّقة لتجربة سردية في طور التشكّل المستمر، ويضع أمامه أسئلة الكتابة، وحدودها، وأدوارها في زمن عربي يزدحم بالتحولات والقلق والأسئلة المفتوحة.
السؤال الأول: كيف تصفين تطور رؤيتك السردية منذ بداياتك حتى اليوم، ولا سيما في الجمع بين الواقعية والرمزية بوصفهما أداتين لبناء المعنى؟
ج - أظن أنني أجمع بين الرمزية والواقعية منذ بداياتي. المواضيع التي أتناولها في أعمالي ربما تغيرت مع تغير العالم من حولنا، إضافة إلى تغيري أنا شخصياً، فنحن كبشر في تغير وتطور مستمر. وأيضاً الخبرة التي يكتسبها الكاتب من ممارسة الكتابة وتراكم الأفكار من القراءات. هذه أمور، ولا شك، أثرت وطورت من رؤيتي السردية على مدى السنوات الـ ١٥ الماضية، منذ نشرت عملي الروائي الأول.
السؤال الثاني: إلى أي مدى أسهمت خلفيتك الأكاديمية والفكرية في تشكيل بنية نصوصك، خصوصاً في مقاربة قضايا الوعي والهوية على المستويين الفردي والجماعي؟
ج - الأدب هو نتاج فكر الكاتب متأثراً بخلفيته الأكاديمية والاجتماعية والثقافية، وهذه التركيبة مجتمعة تظهر على الأعمال التي ينتجها الكاتب شاء أم أبى. وهذه الأمور تظهر حتى وإن لم يتعمد الكاتب ذلك، فهي حاضرة في شخصيته وكلامه وكتاباته، ينقلها ويعرضها على القراء، الذين يشكلون جزءاً من مجتمعه الذي يعيش فيه ويتفاعل معه.
السؤال الثالث: في روايتك «الشامانة»، تشتبك الروحانية مع البحث عن الذات داخل سياق معاصر؛ كيف عالجتِ العلاقة بين الطقوس الشعبية والخيال الروائي ضمن البناء السردي؟
ج - يلجأ كثيرون إلى الروحانيات بحثاً عن إجابات على أسئلة لا يمكن للعقل والمنطق أن يجيب عليها في اعتقادهم. وهذا ما تدور حوله الرواية. ما طرحته في الرواية من أفكار ليس معالجة لتلك العلاقة، بل سرداً لما يحدث في واقع أولئك المغيبين والمغيبات المنادون بالوعي والساعون نحو النورانية والتجلي والترقي. يخلطون بين مفاهيم عدة ويربطونها بطرق ملتوية ليصطادوا بسطاء التفكير وقليلي الخبرة. تلك الطقوس الشعبية ما هي إلا اقتباس من مجموعة ممارسات مغرقة في الشعائرية الدينية للبوذية والشامانية والهندوسية والكبالا، في محاولة لشد أولئك الأشخاص وإبعادهم شيئاً فشيئاً عن دياناتهم الحقيقية وفطرتهم السليمة وتفكيرهم المنطقي.
السؤال الرابع: تتمتع الشخصيات النسائية في «الشامانة» بأبعاد نفسية وفلسفية عميقة؛ ما الآليات السردية التي اعتمدتها في بنائها لتكون أدوات لقراءة الصراع الاجتماعي والوجودي؟
ج - أنا أكتب بكل عفوية وموضوعية، وأحاول قدر المستطاع تجنب صنع شخصيات غير واقعية. غالبية الشخصيات التي جاءت في الرواية إما أعرفها شخصياً أو أنني سمعت بها، ومزجت بين أكثر من شخصية في الشخصية الواحدة تفادياً لأي خلط أو إشارة مباشرة لشخوص معينين. والواقع ممتلئ بشخصيات معقدة ومركبة لها أبعادها النفسية الخاصة وعمقها الإنساني الذي يميزها.
السؤال الخامس: إلى أي حدّ تمثل اللغة لديك أداة للتأويل الرمزي، وما الاستراتيجيات الأسلوبية التي تتبعينها لتحقيق التوازن بين الكثافة الدلالية وسلاسة السرد؟
ج - أعتقد أن العمل هو الذي يفرض اللغة، وما يتأتى معها من تأويلات رمزية وأسلوب كتابة. فكرة الشامانة كرواية تفرض توظيف الرمزية كونها فكرة حساسة تمس كثيرين في المجتمع. غالباً اللغة التي أستخدمها لغة بسيطة بعيدة من التشدق واستعراض المفردات اللغوية، فأنا أؤمن بأن العمل يجب أن يكون مقروءاً للجميع. أما ما يأتي في العمل من تأويلات رمزية فهذا أمر أتركه للقارئ يتأمل فيه مما يشاء ويفهم من العمل ما يفهم بالطريقة التي تتناسب مع تفكيره وفهمه.
السؤال السادس: يحضر المكان في أعمالك، ولا سيما في «الشامانة»، بوصفه عنصراً مولداً للهوية والمعنى؛ كيف تنظرين إلى دور المكان في تشكيل الرؤية الروائية؟
ج - المكان بالنسبة لي مهم لأنه الفضاء الذي يُبنى فيه العمل. والمكان يؤثر على الشخصيات، على اللهجة، والنبرة، وطبيعة الشخصيات وخلفياتهم الاجتماعية، وهذا في نظري يمنحني المساحة التي تمكنني من الكتابة بارتياح كوني أختار مكاناً يعكس بيئتي. في هذا أجدني مالكة للأدوات ومتمكنة من التحكم في النص بالطريقة التي تتناسب مع الفكرة التي أكتب عنها.
السؤال السابع: كيف تديرين الحدود بين الواقع والخيال في نصوصك، وهل تعتقدين أن الرواية الإماراتية المعاصرة بحاجة إلى إعادة صياغة هذا التوازن؟
ج - لا يمكن كتابة عمل أدبي بدون المزج بين الواقع والخيال، فلا يوجد عمل واعٍ بالكامل ولا عمل خيالي بالكامل. لا بد أن يتداخل الأمران ويظهران، وأظن أنه أمر جيد ويمنح الكاتب فرصة أكبر للإبداع. الرواية الإماراتية بقيت لوقت طويل تدور حول مواضيع متشابهة ومكررة، أدت إلى وضع الأدب الإماراتي ضمن إطار محدد لسنوات، لكن أعتقد أنها مؤخراً بدأت تخرج من هذا الإطار وتتناول أساليب مختلفة ومواضيع جديدة بعيداً عن الأفكار التي كانت تدور حولها.
السؤال الثامن: تتناول أعمالك قضايا المرأة والحرية الفردية في سياق اجتماعي محدد؛ كيف أثّر المجتمع الإماراتي في صياغة هذه الموضوعات على المستوى السردي والفكري؟
ج - لا شك أن مجتمع الإمارات يعتبر مجتمعاً محافظاً، خصوصاً في مجال الأدب. والقضايا التي تهم المرأة كثيرة ومتعددة، ورغم الانفتاح الذي تشهده الدولة في مجالات عدة إلا أن بعض الأفكار والعادات والتقاليد ما زالت موجودة وقائمة في المجتمع، وهو أمر جيد وصحي، فأنا لا أنادي بالتحرر من القيم التي تربينا عليها أو العادات التي عاش عليها أجدادنا. ولكن في أعمالي أحاول طرح هذه الصراعات بسن الرغبة بالتحرر وتناقضات الأفراد بين التوق للتغيير والشعور بالمسؤولية تجاه الموروث والمعتقدات، وأظن أن هذا الأمر ينطبق على كثير من المجتمعات المحافظة في الوطن العربي والعالم.
السؤال التاسع: أخيراً، ما تقييمك للمشهد النقدي الإماراتي والعربي في تعاطيه مع تجربتك، وما المحاور الفكرية أو الفلسفية التي تطمحين إلى تعميقها في مشاريعك الروائية المقبلة؟
ج - رغم أنني كتبت سبع روايات وخمس مجاميع قصصية في السنوات الخمس عشرة الماضية منذ بدأت النشر، إلا أن الدراسات النقدية التي كُتبَت عن أعمالي لا تتعدى أصابع اليد، وهذا أمر يعود إلى اهتمام النقاد بأسماء معينة كما هو الحال في جميع الأوساط الأدبية. ولا تهمني حقاً فكرة تعاطي النقد مع تجربتي، ولعل تجاهل الكثير منهم لتجربتي منحني فرصة للعمل على إبداعي وصقل مهاراتي بعيداً عن النقد الأدبي الذي، مع احترامي لجميع النقاد، أجده لن يضيف ولن ينقص شيئاً من تجربتي.
عن المحاور التي أطمح لتعميقها، يهمني موضوع الارتباط بالأرض والانتماء للمجتمع، وأرجو أن أتمكن من إنجاز رواية تتناول هذه المحاور التي أعتقد أنها مهمة لكل مبدع يحمل جنسية بلده.
0 تعليقات