هيوا قادر: المنفى يجعل الذاكرة بركاناً لا ينام
يتحرّك الكاتب الكردي هيوا قادر بين أجناس أدبية وتجارب حياتية متعددة، من الشعر إلى الرواية والترجمة، ومن كردستان إلى السويد، حاملاً معه أسئلة الذاكرة والمنفى والهوية واللغة. بدأت علاقته بالأدب من الشعر، الذي وجده بيتاً أول خارج «بيت الجميع»، قبل أن تقوده نزعة السرد إلى الرواية، وتفتح الترجمة أمامه نافذة أخرى على آداب العالم وعلى إمكانات اللغة الكردية.
في تجربته، تتداخل الكتابة مع سيرة شخصية عبرت تحوّلات قاسية ومفارقات كثيرة؛ فالمنفى يعيد الذاكرة إلى الواجهة، واللغة تتحول إلى مستودع لما حمله معه من تاريخ وأغانٍ وصور، فيما تصبح الرواية فضاءً أوسع لمساءلة الإنسان والعالم والتاريخ. ومن «طفل فوق القمر» إلى «سفرنامة»، تتغير الأشكال والتقنيات، وتبقى الأسئلة حاضرة في قلب مشروعه، ولا سيما ما يتصل بالتاريخ الكردي وما خلّفته الحروب والأنفال والإبادة والمنفى في الفرد والذاكرة الجماعية.
وتحتلّ الترجمة موقعاً موازياً في تجربته؛ فهي بالنسبة إليه تمرين على الكتابة وجسر إلى آداب أخرى، وفي الوقت نفسه محاولة لإغناء المكتبة الكردية بأعمال أحبها ورأى ضرورة أن تصل إلى قارئها. ومن هذه التجربة ينطلق أيضاً في مقاربته لحضور الأدب الكردي خارج لغته، متوقفاً عند ضعف انتقاله إلى العربية، وغياب الجسور المؤسسية والاستراتيجيات الثقافية القادرة على تقديم صورته الأوسع إلى القارئ العربي والعالم.
في هذا الحوار يتحدث هيوا قادر عن البدايات والتحولات التي شكّلت تجربته، وعن الشعر والرواية والترجمة، والذاكرة والمنفى والهوية، وعن رؤيته لوظيفة الأدب وقدرته على استعادة التاريخ وإيصاله إلى الآخر. كما يتوقف عند عدد من أعماله وتجارب ترجمته، وصولاً إلى مشاريعه الجديدة وحلمه بمواصلة الكتابة بحرية ما دامت لديه القدرة على التفكير والكتابة.
س - تنقلت بين الشعر والرواية والترجمة، وعشت سنوات طويلة بين كردستان والسويد. كيف تشكل هذا المسار، وما الذي أضافته كل محطة إلى مشروعك الأدبي؟
ج - في البداية، كان الشعر بالنسبة إليّ دهشة؛ دهشة باللغة الكردية نفسها، بكل ما تنطوي عليه من إيقاع وموسيقى، وكان أيضاً لغة أعبّر بها عن ذلك الصمت الذي وجدت نفسي غارقاً فيه. ثم إن الجذر العميق للشعر، كما يُقال، يكمن في الانكسار، وكان انكساري الكبير أمام العالم هو كوني كردياً. استطاع الشعر أن يهبّ لنجدتي، كي أفهم شيئاً من كل ذلك الالتباس والذهول اللذين كانا يحيطان بي، ولكي أتمكن من بناء ذلك العالم المتخيَّل في داخلي، العالم الذي أردت أن أضعه، بوصفه ردّ فعلي الأول، في مواجهة ذلك الواقع المرير.
وباختصار شديد، كان الشعر بيتي الأول خارج بيت الجميع؛ وهناك تذوّقت للمرة الأولى طعم الوحدة والحرية معاً.
في الحقيقة، لم يكن أن أصبح شاعراً جزءاً من أي خطة في البداية، بل كان الشعر الجسر الوحيد الذي يعبر بي إلى عالم يقع على الضفة الأخرى من ذاتي، عالم لا يشبه ذلك العالم الذي تركته خلفي. وهناك أدركت أن الشعر محكوم بالكشف؛ باكتشاف الأشياء غير المرئية والوصول إلى ما لا يستطيع الوصول إليه إلا القليلون، أو بإعادة خلق العالم من جديد، باستخدام المواد نفسها التي تتكوّن منها الحياة، ولكن بطريقة أخرى. وكانت هذه التجربة، في الوقت نفسه، ممتلئة بالمتعة والشعور بالذات، وممتلئة دائماً بالألم والوحدة.
ولعل حضور السرد بوصفه عنصراً مهماً في شعري هو ما دفعني أكثر باتجاه فن الرواية. كانت روايتي الأولى بعنوان «مرايا السراب»، وقد كتبت نصفها في كردستان، والنصف الآخر في مخيم للاجئين في ستوكهولم، بين عامي 1990 و1992. لم تكن تلك الرواية ناجحة؛ لأنني لم أكن قد استطعت أن أكون راوياً محايداً، ولم أكن أعرف الإنسان بما يكفي لكي أمتلك القدرة على إعادة خلقه داخل روايتي.
لكن تلك التجربة الفاشلة علّمتني لاحقاً كيف أقرأ الرواية، وفتحت أمامي أبواباً استطعت من خلالها أن أعرف نفسي أكثر، وأن أحاول معرفة الإنسان بصورة أعمق. حتى ذلك الوقت كنت أكتب أفقياً، أما بعد تلك الرواية فبدأت أكتب عمودياً؛ صرت أنظر من ذلك العلو إلى الإنسان والثقافة والمجتمع، وأراهم بمزيد من الدقة والتفصيل.
وأدركت كذلك أن الرواية ليست سرداً فحسب، وإنما هي جمع لمختلف الحقول الأدبية والفكرية داخل حقل واحد هو الرواية نفسها، مع القدرة على الاستفادة من كل ما تتيحه من حريات. وأدركت أيضاً أن الرواية، بوصفها فضاءً أدبياً غنياً ومهيباً، تستطيع أن تصل إلى الآخر بسرعة أكبر مقارنة بالشعر؛ أي إن قدرتها على الوصول إلى القراء البعيدين عنا، الذين يعيشون داخل ثقافات مختلفة، أكبر وأسرع.
أما الترجمة، فلم أبدأ ممارستها بوصفي مترجماً بالمعنى المهني. كنت أترجم فقط الكتب التي أحببت أن يشاركني القارئ الكردي المتعة التي وجدتها في قراءتها، أو تلك الكتب التي كنت أشعر بأنه كان ينبغي لي، أو لكاتب كردي آخر، أن نكتبها.
ومن أبرزها كتاب «ليس للحرب وجه أنثويّ» لسفيتلانا أليكسييفيتش. استطاعت هذه الكاتبة، بهذا الكتاب وأربعة كتب أخرى مشابهة له، أن تنال جائزة نوبل. ففي عالم كُتبت فيه آلاف الكتب عن الحرب، جاء كتابها مختلفاً؛ لم يتحدّث عن الأبطال والانتصارات، بل عن تلك الجراح العميقة التي قلّما يستطيع أحد رؤيتها، باستثناء الإنسان الجريح نفسه. لقد تناول مآسي الحرب من زاوية مختلفة تماماً.
وأثناء ترجمتي لهذا الكتاب بكيت مرات عدة، وتوقفت عن ترجمته أكثر من مرة. كنت أقول لنفسي: لماذا لا تذهب وتترجم رواية أخرى من روايات العالم إلى الكردية بدلاً من هذا الكتاب؟ لكنني كنت أعود إلى الترجمة بإصرار أكبر، لأنني شعرت بأن هذا الكتاب يروي القصص التي كان ينبغي لي أنا أن أرويها؛ أن أتحدث عن كل تلك الحروب التي احترق فيها الإنسان الكردي، وما يزال يحترق فيها حتى الآن من دون أن يراه أحد.
علّمني هذا الكتاب أن كل فرد وكل مجتمع، كي يتمكنا من البقاء، يجب أن يمتلكا قصصهما الخاصة.
وإلى جانب ذلك، ترجمت إلى الكردية رباعية كارلوس رويث ثافون الروائية الجميلة «ظل الريح»، التي استقطبت عدداً هائلاً من القراء الكرد، إضافة إلى كتب أخرى عديدة، من بينها «ألوان أخرى» لأورهان باموق، و«حديث مع أدونيس أبي» لنينار إسبر، وعشرات الكتب الموجهة للأطفال من الأدب الإسكندنافي.
أما الحياة في كردستان والمنفى، وما تخللهما من أسفار وتنقلات أخرى، فهي جميعاً تقف خلف تجربتي في الكتابة. في كردستان خرجت من رحم أمي ووُلدت من دون إرادتي، أما في المنفى والأماكن الأخرى فقد وُلدت، بإرادتي، مرات أخرى عديدة؛ ولادات واعية وممتلئة بالألم.
أنا الآن كرديُّ كردستان، وأنا، في الوقت نفسه، كل أولئك الأشخاص الآخرين الذين وُلدوا واحداً تلو الآخر في داخلي.
س - تبدو الذاكرة والمنفى والهوية حاضرة في كثير من أعمالك. كيف تلتقي هذه العناصر في رؤيتك للكتابة، وإلى أي حد أصبحت جزءاً من عالمك السردي؟
ج- لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون ذاكرة؛ فالإنسان الذي لا ذاكرة له إنسان بلا جذور. وكما كانت الأشعار والحكايات والأساطير، في الأزمنة التي لم يكن فيها النص المكتوب مهيمناً بعد، تُحفظ في الصدور، أصبحت اللغة الكردية بالنسبة إليّ مستودعاً لذاكرتي التاريخية. تحضر فيها الذكريات بكل ألوانها، وتسكنها الأغاني بكل إيقاعاتها وأنغامها.
حين اخترت منفاي بإرادتي، غدت لغتي بالنسبة إليّ أعذب وأجمل بعشرة أضعاف. ولعلّ المنفى هو ما يجعل الذاكرة أشبه ببركان لا ينام؛ فالابتعاد يحفظ الذاكرة دائماً، وجزء كبير من الذاكرة يحمل الهوية في داخله.
وإذا بقيت الذاكرة، إلى حد ما، بمنأى عن التحول، وإذا لم يكن المنفى أسود اللون وحده، بل حمل في داخله أطيافاً وألواناً أخرى، يصبح في مقدورك أن تعيد تشكيل هويتك باستمرار، وأن تحافظ، في الوقت نفسه، على ذاتك.
لو لم أعش في المنفى، ربما لما استطعت أن أكتب «سفرنامة» بذلك الأسلوب في رؤية العالم، وبتلك التقنية السردية.
صحيح أن الذاكرة حاضرة في معظم رواياتي. فرواية «أطفال الحيّ»، التي تسرد جزءاً كبيراً من تاريخ تشكّل الثورة الكردية، منذ سبعينيات القرن الماضي حتى منتصف الثمانينيات، كُتبت بالاستناد إلى هذه الذاكرة.
أما روايتي الأخيرة «بومليل»، فتحمل ذاكرة دموية، وتروي مأساة قتل مئة وثمانين ألف كردي وتدمير خمسة آلاف قرية، في العمليات التي نُفذت في عهد صدام حسين تحت اسم سورة «الأنفال».
س - في رواية «طفل فوق القمر»، تحضر الطفولة بوصفها فضاءً للخيال والاكتشاف أكثر من كونها مرحلة عمرية. ما الفكرة التي أردت أن تبقى مع القارئ بعد انتهاء الرواية؟
ج - الطفولة هي الذاكرة الأولى، والدهشة الأولى، والسؤال الأول. وهذه المرحلة مهمة لجميع الكتّاب من دون استثناء، شريطة ألا يظلوا أسرى لها؛ أي أن تتحول إلى فضاء لبناء الخيال، ولكسر المنطق، ولطرح الأسئلة، ولرؤية كل ما يحيط بنا كما لو أننا نراه للمرة الأولى.
في الحقيقة، حين كنت أكتب هذه الرواية، كنت أقف أمام سؤال مهم في حياتي يتعلق بالدين، وبكل تلك الحروب وأعمال القتل التي ارتُكبت عبر تاريخ البشرية باسم الأديان المختلفة وباسم الله.
كنت آنذاك قد فرغت للتو من رحلة قراءة امتدت سنوات، قرأت خلالها جانباً كبيراً من أدبيات العرفان والتصوف، وكنت قد بدأت أيضاً قراءة جانب واسع من تاريخ نشوء الأديان. كنت أتساءل عن كل أوجه اللامساواة التي يعيش الإنسان في ظلها، سواء فُرضت عليه من دون إرادته أو عاشها بإرادته، وعن تلك الأوهام التي تستولي على الإنسان من دون أن يدرك ذلك، ومن دون أن يتمكن، بأسئلته، من تبديد تلك السحابة السوداء المثقلة بالجهل التي تخيم فوق رأسه؛ إلى جانب إحساسه بكل ذلك المجهول المحيط بنا، والذي نعجز عن إدراكه بسهولة.
تقف كلّ هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى كثيرة، خلف ولادة هذه الرواية.
لا أريد أن أترك، بعد قراءة رواياتي، فكرةً بعينها أو حقيقةً ثابتة لا تتغير. ما أريده هو أن أُشرك القارئ في الأسئلة التي تشغلني، ولعل ذلك يدفعه بدوره إلى توليد أسئلة أخرى، كي نتشارك معاً، من خلال أسئلتنا، هذه العملية التي نسميها الحياة.

س - يحمل عنوان «طفل فوق القمر» أفقاً رمزياً واسعاً. كيف وُلد هذا العنوان، وما الدلالات التي أردت أن يفتحها أمام القارئ؟
ج - ذكّرني سؤالك هذا بمقطع من قصيدة لي:
أيها القمر،
أنا ابنك،
أنا ابنك الذي تُرك وحيداً
على الأرض.
أنا بطبيعتي إنسان أعيش دائماً في حالة من الدهشة؛ الدهشة أمام كل شيء. ولعل جذور هذا العنوان تعود إلى قراءاتي الكثيرة للشعر الكردي الكلاسيكي، الذي يشكل القمر أحد أبرز عناصره، بوصفه رمزاً للدهشة والعلو والبعد والجمال والوحدة.
وإذا أوكلت إلى طفل مهمة النظر إلى العالم من فوق القمر، فلا شك أنه سيجد نفسه أمام عالم من الرؤى الغريبة وغير المنطقية. وهذا بالضبط ما أردت أن أفعله في روايتي: أن أفعل ما يمكن لطفل فوق القمر أن يفعله.
أردت أن أتحدّث عن تلك الأوهام التي يصنعها الإنسان من حوله، ثم يؤمن بها لاحقاً إلى الحد الذي يجعله يسلّم نفسه للقتل من أجلها، أو يقتل الآخر في سبيلها.
س - في «سفرنامة» تبدو الرحلة أقرب إلى رحلة في الإنسان والذاكرة منها إلى انتقال بين الأمكنة. كيف تنظرون إلى مفهوم الرحلة في هذا العمل، وما الذي يميزه عن السرد التقليدي؟
ج - كتاب «سفرنامة» هو أول عمل غير تخييلي لي كتبته وفق خطة مسبقة ودقيقة. لم يكن يفصل بين إحساسي بالأشياء والتفكير فيها وبين تدوينها في الكتاب سوى ساعات قليلة؛ أي إنني كنت أقتنص مشاعري في اللحظة نفسها، وفي مكان حدوثها، ثم أدوّنها بعد ساعات. كان الأمر أشبه بتقرير يكتبه شاعر ليرسله إلى الله.
لم أشعر بذاتي في أي وقت كما شعرت بها خلال الأشهر القليلة التي كتبت فيها هذا الكتاب. كنت أشعر، وأقول لنفسي: ما دمت كردياً وشاعراً، فعليك ألا تخاف من شيء؛ قل كل ما لديك واكتبه.
وأنت محقّ؛ فهذا الكتاب، قبل أن يكون سفراً في الأمكنة، كان سفراً في داخل ذاتي، وفي الذاكرة، وفي تاريخ ظل حبيساً في داخلي، وكنت أحاول جاهداً تحريره وكتابته.
كان تحرراً من ظلال الأشباح القابعة في داخلي، ونفضاً لثيابي من غبار وتراب الحروب التي عبرت خلالها. وكان منحاً للغة لأولئك الموتى الذين مضى زمن طويل على تحلل أجسادهم في قبورهم؛ كنت أتخيل في داخلي صور عظامهم وبقايا أجسادهم في تلك القبور.
وكان أيضاً استعادةً لانكساراتي وأفراحي، وانكسارات وأفراح أجيال سبقتني وأخرى جاءت بعدي.
وعلى الرغم من غزارة ما كتبت، ما زال معظم قرائي يعرفونني من خلال كتاب «سفرنامة». ويبدو أن في هذا الكتاب أشياء يشعرون بأنها تخصهم هم أيضاً، ولعل هذا هو السبب في محبتهم له على هذا النحو.

س - إذا وضعنا «طفل فوق القمر» و«سفرنامة» جنباً إلى جنب، فما الخيط الذي يجمعهما داخل مشروعكم الأدبي، وما الذي يميز كلاً منهما عن الآخر؟
ج - «سفرنامة» عمل غير تخييلي، عقلاني تماماً، وهو قراءة متعددة الجوانب لحياتي الشخصية، وللذاكرة والمنفى والجمال والسياسة، كما يقدم جانباً من رؤيتي للعالم في تلك المرحلة، ولكل الأشياء التي كانت تحيط بي وتأثيرها فيّ.
أما رواية «طفل فوق القمر»، فهي عمل تخييلي، تنتمي إلى فضاء سردي مختلف تماماً، وممتلئة بشعرية السرد.
ولعل ما يجمع هذين العملين هو أسلوبي في لغة الكتابة، على الرغم من أن رواياتي لا تتشابه فيما بينها من حيث اللغة والسرد والموضوع. وأعتقد أن كل موضوع سردي يحمل في داخله جانباً من اختيار اللغة وتقنية السرد.
فلكل حكاية آلاف الطرق التي يمكن أن تُروى بها، وما يضعك على الطريق الأقرب والأكثر صدقاً إليها هو العثور على تلك التقنية التي يكمن نصفها في الموضوع نفسه، بينما يكمن نصفها الآخر في اللغة، وفي ما يمتلكه الكاتب من وعي وتجربة في الكتابة.
س - إلى جانب الكتابة، تمارسون الترجمة. كيف أثرت هذه التجربة في لغتكم السردية، وما المعايير التي تعتمدونها عند اختيار الأعمال التي تستحق أن تُنقل إلى الكردية؟
ج - في الحقيقة، الترجمة بالنسبة إليّ هي محطة الاستراحة التي أختارها بين كتابة كتاب وآخر. وهي أيضاً تمرين على الكتابة بالنسبة إليّ، وإشباع لذلك الفضول الذي يدفعني إلى اكتشاف طريقة الكتابة لدى الكاتب الذي أترجم له.
ولعلّ ما تعلمته من الترجمة بوصفي كاتباً يفوق ما تعلمته من القراءة نفسها. لقد علمتني الترجمة كيف أروي أكبر قدر من حكايتي في أقل مساحة ممكنة، ومنحتني القدرة على أن أنأى بنفسي عن ذلك المستنقع النثري الذي تقع فيه اللغة الكردية الشائعة، لكي أتمكن من الكتابة بصورة أكثر تكثيفاً وتحديداً.
حين تستطيع القراءة بإحدى اللغات الأوروبية، تجد نفسك أمام بحر من الكتب وآداب العالم التي لم تتمكن اللغات الأخرى المحيطة بك، لسبب أو لآخر، من ترجمتها.
أنا أترجم الكتب التي أحبها كثيراً. وليست لدي خطة مسبقة في هذا الشأن، لكنني كلما وقعت على تحفة أدبية، أحببت أن يكون لها مكان أيضاً في المكتبة الكردية.
س - كيف تقيمون حضور الأدب الكردي اليوم خارج حدوده اللغوية؟ وما الذي يحتاج إليه ليصل إلى شريحة أوسع من القراء في العالم العربي؟
ج - للأسف، بقدر ما أصبح الأدب الكردي معروفاً في مناطق جغرافية بعيدة، فإنه لم يُعرف بالقدر نفسه في المناطق الجغرافية القريبة منه، ولا سيما في البلدان العربية. والأسباب كثيرة، ولعل العامل السياسي هو السبب الأبرز والأكثر وضوحاً في هذه المشكلة.
جيلي، والأجيال التي سبقتني، وكذلك الجيل الذي جاء بعدي، كان مصدر وصولنا جميعاً إلى آداب العالم هو اللغة العربية، وإلى حد أقل اللغة الفارسية. وأنا مدين كثيراً للغة العربية؛ لأنني لو لم أكن أعرف العربية لما تمكنت من الوصول إلى آداب العالم.
ولكن حين تحطمت أبواب ذلك السجن الكبير، كردستان، بعد عام 1991، وانفتحت كذلك أبواب بلدان العالم الأخرى أمام الجميع، استطاع بعضنا الذهاب إلى البلدان الأوروبية وتعلّم لغاتها.
وحتى الوقت الذي كنا فيه في الوطن، كنا قراء متابعين بدقة لآداب البلدان العربية؛ كنا نقرأ لمعظم كتّابها ونعرفهم. لكن هذه المعرفة بالأدب الكردي غير موجودة في البلدان العربية.
أما ما تُرجم من الأدب الكردي إلى العربية حتى الآن، فهو قليل جداً، ولا يستطيع أن يمثل الصورة الكبيرة للأدب الكردي.
وبقدر ما تتحمل المؤسسات العربية مسؤولية عدم بناء جسر التواصل هذا، عبر الترجمة، بين كردستان والبلدان العربية، فإن غياب استراتيجية ثقافية في كردستان يتحمل القدر نفسه من المسؤولية. وكلّ ما أُنجز حتى الآن تحقق عن طريق العلاقات الشخصية.
المكتبة الكردية مليئة بترجمات الأدب العربي وآداب العالم إلى اللغة الكردية، لكن حركة الترجمة في الاتجاه المعاكس، إلى اللغة العربية وإلى لغات العالم الأخرى، ما تزال ضعيفة إلى درجة أنها لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى مكتبات العالم الأخرى.
س - بعد سنوات من الكتابة، هل تشعرون أن الرواية أصبحت بالنسبة إليكم مساحة لطرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات؟ وما القضايا التي ما تزال تستفز خيالكم حتى اليوم؟
ج - نعم، بالتأكيد. فما تستطيع قوله من خلال الرواية قد لا تستطيع قوله، بالطريقة نفسها، من خلال حقل أدبي واحد كالشعر. في الوقت الراهن، أصبحت الرواية بالنسبة إليّ ذلك الفضاء الحر والممتلئ بالأسئلة، الذي أستطيع فيه أن أُظهر وجودي، وأن أصل، في الوقت نفسه، إلى عالم ظلوا سنوات طويلة يحولون بيني وبين الوصول إليه.
وفي بعض الأحيان، بالنسبة إليّ بوصفي كردياً، تستطيع الرواية أن تُحدث تأثيراً بالغاً، وأن تصل إلى الآخر بسرعة، على نحو قد تعجز عنه حتى ثورة مسلحة. ومثال على ذلك رواية «غزو الظلام» لبختيار علي، التي تتناول مئة عام من تاريخ شمال كردستان وتركيا، وتتحدث عن حظر اللغة الكردية وطمس ثقافتها. ومن خلالها تدرك أن الأدب ما تزال لديه القدرة على رواية تاريخ أغلقت أمة بأكملها آذانها في وجهه.
أعتقد أن الرواية تستطيع أن تترك تأثيراً قد لا تستطيع قراءة الوثائق التاريخية أن تترك مثله. فالرواية ملك للجميع، أما الوثائق التاريخية فهي تخص نخبة من الباحثين والقراء المتخصصين.
ولو لم يروِ لنا تولستوي، في «الحرب والسلام»، ذلك التاريخ الطويل والممتد عبر روايته، لما كان بمقدور إلا عدد قليل منا، ولما أتيحت لنا الفرصة، لقراءة آلاف الصفحات من الوثائق السرية التي تتناول تاريخاً طويلاً وممتداً لروسيا.
وقد ينطبق هذا المنطق أيضاً على روايتي الأخيرة «بومليل»، التي تتناول عمليات الأنفال والإبادة الجماعية للكرد؛ ولكن بلغة الرواية، لا باللغة الجافة للوثائق، وبالتخييل، لا بالاكتفاء بقراءة تلك الوثائق السرية التي تروي هذه الأحداث.
وأنا واثق من أن قلة من الناس في العالم العربي يعرفون هذه المآسي الكبرى التي تعرضت لها الأمة الكردية، على الرغم من أنها أقرب الأمم إليهم. لذلك أتمنى أن تصدر هذه الرواية باللغة العربية أيضاً، قبل صدور ترجماتها إلى الفارسية والسويدية والإنكليزية.
س - ما المشاريع التي تعملون عليها حالياً، وما الحلم الأدبي الذي ما زلتم تسعون إلى تحقيقه في السنوات المقبلة؟
ج - أعمل في الوقت الراهن على إعداد كتاب وثائقي ومصوَّر ضخم، باللغتين الكردية والإنكليزية، عن الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكه س.
يروي هذا الكتاب السنوات الثلاث والسبعين من حياة هذا الشاعر، منذ يوم ولادته وحتى اللحظة الأخيرة من حياته، مستنداً إلى الوثائق التاريخية والصور والقراءات، ويتناول جميع الشخصيات والأحداث السياسية والثقافية التي شهدتها تلك المرحلة، من خلال تقديم الوثائق التاريخية والصور القديمة وقراءة تلك الأحداث جميعاً.
وسيبلغ حجم الكتاب نحو ثمانمِئة صفحة من القطع الكبير، باللغتين الكردية والإنكليزية. وقد توليتُ بنفسي الإشراف عليه، بالتعاون مع فريق يعمل على جمع الأرشيف والكتابة عن السنوات الثلاث والسبعين من حياة هذا الشاعر الكبير.
وآمل، بعد صدور النسختين الكردية والإنكليزية، أن يُترجم الكتاب بالطريقة نفسها إلى اللغتين العربية والفارسية وأن يصدر بهما أيضاً.
وإلى جانب ذلك، ما تزال في مخيلتي روايات عديدة أخرى أريد كتابتها. وما دمت أمتلك القدرة على التفكير والكتابة، فسأواصل محاولة قول ما لدي بحرّية.
0 تعليقات