حوار مع الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن
يكفي ذكر روايتي "الجنقو مسامير الأرض" و"مسيح دارفور" ليعرف قراء الرواية أن الكاتب هو عبد العزيز بركة ساكن. ولد الكاتب بولاية كسلا شمال شرق السودان، وترعرع في بيئة تجمع أعراقاً واثنيات مختلفة من عرب وأثيوبيين وإريتريين وأقباط، مما أثر إيجابياً في ثراء إنتاجه الفكري. والكاتب البارز عبد العزيز بركة ساكن أفريقي العرق عربي اللغة. له مؤلفات كثيرة، مثلاً: على هامش الأرصفة و سمهاني و مخيلة الخندريس و ولائم النخس و الرجل الخراب. وقد كتب الرواية والقصة، وألف قصائد شعرية ومسرحيات. نال جوائز أدبية مهمة منذ بداية مسيرته الإبداعية.
تحصّل على جائزة بي بي سي على القصة القصيرة، وجائزة الطيب صالح للإبداع، وجائزة سين الأفريقية للأدب الإنساني، وجائزة معهد العالم العربي بباريس، وجائزة أدب المقاومة. نال أيضاً وسام الشرف من الأكاديمية الفرنسية. وقد اضطهد وصودرت كتبه إبان حكم الإخوان في السودان، مما أجبره على اختيار المنفى في النمسا.
غير أن ثلج أوروبا لم يطمر، في وجدانه، حرارة شمس السودان وملمس طوبها وترابها. ما زالت ذاكرته تحمل طعم المريسة وشكل البيوت وأسماء قراه وظل الراكوبة. لم ينسَ أساطير قبائلها ولا جمال بناتها ولا أغنيات نسائها. يعيش الآن متنقلاً بين مطارات أوروبا، يحمل داخل حقيبته قضايا وطنه. فهو الكاتب المنشغل دوماً بقضايا الأطفال المجبرين على حمل البندقية بدل تحصيل العلم، والنساء المُنتهكات، والفقراء والمهمشين وضحايا الحرب. بركة ساكن الكاتب الحالم، رغم مآسي الواقع، بسودان جديدة؛ دولة ديمقراطية تحترم حقوق الأقليات والإثنيات المختلفة. تُرجمت بعض رواياته إلى لغات أجنبية مثل الفرنسية والإنجليزية والأمهرية والكردية والسواحلية. حوار العدد سيكون حول محاور مهمة تشغل فكر الكاتب عبد العزيز بركة ساكن: الرواية والمسرح وقضايا السودان.
I- الرواية
الكتابة بالنسبة لبركة ساكن هي تضحية ومخاطرة قمت بها فضلتها عن وظائف ذات مردود مالي محترم. تنازلت عن وظائف في الأمم المتحدة والبنك الدولي واليونيسيف، وأنت خيرت التفرغ للكتابة، ما هو التعويض الذي حصلته من الكتابة إلى حد الآن مقابل تنازلك عن وظائف مهمة؟
بالنسبة إلي حتى الآن لم أجن شيئاً بعينه. من الناحية المادية لدي بعض الديون ومطالبات أسرية. وظن البعض بأنني أتوسد قدراً كبيراً من العملات الصعبة. هذا الظن الحسن يمثل ضغطاً نفسياً كبيراً، حيث عليَّ أن أوضح دائماً أنني لا أستحقه. أفضل سوء الظن فيما يخص مقدراتي المالية وإمكان تقديم يد العون والمساعدة. كل شهر عليَّ أن أقضي نصفه في محاولة أن أغطي بعض المصروفات. فلكتابة وحدها لا تطعم خبزاً. كل الذي تقدمه لك هو أنه بإمكانك إعلان جنونك موثقًا في الورق. التفرغ للكتابة ما زال قراراً شجاعاً، وله تكلفة عالية، وعدم التفرغ يعني بالنسبة إلى الذين يعملون في مجال الفن هو إعلان الموت. لا توجد منطقة وسطى؛ إما أن تصبح الكتابة مشروع حياة، أو يصبح مشروع الحياة هو البحث عن الطعام وراحة البال. نعم، هذا مثالي جداً؛ في حقيقة الأمر، بيني وبين نفسي أنكره واتناقض معه. كم هي المرات التي فكرت فيها بأنه من الأفضل لي ولأسرتي أن أتخذ وظيفة أجني منها المال؟ لكن للأسف لم أحصل على تلك الوظيفة ولم أحصد شيئاً من النقود. إذن، أعترف بأنني متناقض ومشتت التفكير، بل لست إنساناً سوياً. كيف لي أن أرغب فيما يسد الرمق بينما أرغب في التفرغ؟ أنا نفسي لا أفهم ذلك.
كنت كاتباً معروفاً في السودان ثم انتقلت إلى النمسا لاجئاً؛ ماذا أضاف المنفى إلى تجربتك الروائية والحياتية؟
لم أكن لاجئاً في السودان، وهذا هو الفرق. عندما تصبح لاجئاً، فكل شيء يتغير. لم تعد أنت ولا يمكنك أن تصبح غير ما كنته في الماضي. وهذا الصراع يؤثر في عمل الكاتب. فاللاجئ أو المنفي مثلي هو في وضعية السجين الذي يقبع في قفص الانتظار إلى ما لا نهاية، بينما يجتهد رجال المباحث في نبش سجل جرائمه غير المعلنة التي هي في أضابير الظن. أما هو فلا يموت في المكان ولا يحيا. المنفى فتح عيني وأذني على حالة وجودية لا يمكن استشعارها وأنا مواطن في بلدي، أي عندما كنت إنساناً كامل الأهلية. لذا، ومنذ العام 2016 شرعت في كتابة تلك الحالة، وسميتها: خماسية الغراب الذي أحبني، وهي خمس روايات قصيرة تغوص في عفن المنفى وتستنشق عبير زهوره.
قرأت أغلب رواياتك وجميعها جيدة. برأيي الخاص أفضلها روايتي مخيلة الخندريس و ولائم النخس، لكن غالبية القراء يفضلون مسيح دارفور و الجنقو مسامير الأرض. ما سبب إقبال القراء على هاتين الروايتين دون الروايات الأخرى؟
لا يلام القارئ، فهو مؤلف والكاتب، كما يرى رولان بارت، مجرد "scripter"، ويعلن موته بمجرد أن يرسل المخطوط إلى ناشر. فلا أستغرب تفضيلات القراء، ولا ألومهم، ولا يزعجني التعريض، ولا يطربني التقريح. فكل ما يحتاجه الكاتب هو أن يقرأ جيداً ليكتب، ليس إلا.
بداية مسيرتك في الكتابة بدأت بجائزة الطيب صالح للأدب لرواية الجنقو مسامير الأرض، وتحصلت لاحقاً على جوائز أخرى عن رواية مسيح دارفور. كما تمت ترجمة الروايتين إلى الإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات. أيمكن القول إن الجائزة على رواية ما تظلم بقية الروايات؟
في حقيقة الأمر، الجوائز كمصباح الطريق تضيء للجميع. ففوز واحدة يعني فوز الأخريات. وهذا أيضاً على مستويات أخرى. ففوز رواية لكاتب من بلد ما يضيء الطريق لكتاب آخرين في بلاده. والأمر نفسه بالنسبة للغة الكتابة. ففوز نجيب محفوظ بنوبل نبه الكثيرين للأدب الحديث المكتوب باللغة العربية.
مواضيع رواياتك أغلبها عن الحرب والقتل والفقر ومعاناة الإنسان داخل السودان. تخيل لو كانت السودان أرض سلام واستقرار، ما هي الموضوعات التي ستهتم بها في كتاباتك؟
سأكتب قصائد حب؛ فالنساء جميلات كعادتهن وموحيات أيضاً.
هل توجد نقطة مشتركة بين الروايات السودانية في الوقت الحاضر؟
أختلف معك في مصطلح "رواية سودانية"، فالأفضل "رواية لكاتب من السودان"، ومثل الشيء كاتب من مصر، كاتب من الأردن، كاتب من تونس، كاتب من بريطانيا أو من فرنسا الخ... فلا يمكن أن ينسب الأدب أو الفن إلى قطر معين أو قارة أو مدينة أو قرية؛ فلا يُنسب إلى غير مبدعه. فإذا قلنا الأدب المصري: ما هو الأدب المصري؟ ما هي سماته؟ ما هي اللغة التي يكتب بها؟ ما هي التقنيات الفنية التي تخصه؟ متى وأين يكتب؟ فاللغة لا يمكنها أن تصبح هوية للنص الأدبي ولا اللوحة الفنية. المغربي الذي يكتب بالفرنسية، هل يكتب رواية فرنسية أم مغربية؟ أنا عن نفسي لست عربياً وأكتب بالعربية. هل أكتب رواية عربية أم سودانية؟ فنسبة النصوص إلى بلاد معينة أو لغات يحتاج إلى مراجعة. لكن قد نستخدمه كثيراً تجنباً للمماحكة. الرواية التي يكتبها سودانيون أو سودانيات هي مثلها مثل الروايات التي تكتب في جميع أنحاء العالم، طالما هي ملتزمة بالشروط الفنية التي يبدعها الفنانون عادة.
ما هو الهدف من التجريب في كتابة رواية ولائم النخس بإعادة كتابة رواية مخيلة الخندريس؟
التجريب هو القاسم المشترك بين جميع أعمالي؛ أكتبها وأعيد كتابتها. فكتبي تعبر عن حالة التمرد الذي هو سمة من سمات حياتي. فلا أستقر على حال أو نمط، وكذلك هي كتاباتي؛ كلنا في نفس جب الجنون: الرواية كما يقولون عمل فني ناقص، وأنا أيضاً إنسان ناقص لا يكتمل إلا بعد موته. حياتي نوع من التجريب.
السودان تضم ثقافات وأعراقاً متعددة. كيف أثر هذا الثراء الثقافي في اختيار مواضيع رواياتك؟
حدثني مرة أستاذي الروائي الكبير عيسى الحلو عليه الرحمة قائلاً: "يكتب جيداً من يكتب عما يعرف جيداً". وأنا أدعي معرفتي بحضارات وثقافات الشعوب السودانية. وهي النهر الذي أسبح فيه، وأشرب منه، وأصنع من طميه طوب بيتي، وأستزرع على شاطئيه أشجار الكتابة، وفي المساء، عندما يذهب الجميع للنوم، ألعب مع جنياته.
عندما نقرأ رواياتك نشعر أنك تغرس روايتك في تربة جنوب إفريقية رغم كتابتها باللغة العربية. هل تطوع اللغة العربية لتيمات جنوب إفريقية أم أنك تحاول نقلها إلى أرضية عربية؟
كما قلت لك، أنا كاتب من السودان، أكتب باللغة العربية. فهذا ليس التفافاً حول الإجابة. فلا يمكن الهروب من تأثير اللغة في الكاتب، أقصد على أفكاره ورؤيته للعالم. فاللغة على قول كارل ماركس: حَمَّالة قيم. ولكن الرواية ليست تلك الحكايات المتخيلة فحسب؛ بل هي فن كتابتها، أعني التقنيات التي تعمل في الحكاية. أعني أن الفعل السردي هو فعل عالمي. الفنان مبدع طليق، لكن القارئ يمكنه أن يضعه أينما شاء، ويسميه كما يريد.
من عادات الأدب ما بعد الاستعماري الاهتمام بما فعله الاستعمار الإنجليزي والفرنسي في الدول التي استعمرها. لكن حصل العكس في روايتك سماهاني حيث توجهت إلى تناول الاحتلال العربي في دولة زنجبار. ألا تعتبر أن اختيارك هذا مجازفة بما أنك ذهبت إلى موضوع قد يعتبر من ضمن التاريخ المسكوت عنه؟
الاستعمار هو الاستعمار، ولا يجب أن نسكت عن نوعية منه لإدعاء المستعمر أنه كان الأفضل، أو أن نياته حسنة، أو أنه كان ينشر الدين الإسلامي أو المسيحي أو غيره. لا يوجد استعمار أفضل من غيره. ما حدث في شرق إفريقيا، في زنجبار، هو استعمار مثل ما فعله الأوروبيون بالبلاد التي قاموا باحتلالها وسرقة مواردها واستعباد سكانها. في حقيقة الأمر، نحن أفارقة كنا نعيش في مجتمعاتنا بسلام، ولدينا نظم حكم، ولدينا دياناتنا المحلية وآلهتنا ونظم اقتصادنا. وإلا لما عشنا كل هذه السنوات منذ ظهور الإنسان على الأرض إلى أن طرق أبوابنا المستعمرون مدعين أن ما نفعله هو التخلف، دياناتنا هي كفر صريح، نظم الحكم عندنا غير ديمقراطي، نظمنا الاجتماعية بالية وغير إنسانية، وأننا أيضاً نحتاج إلى التهذيب والتشذيب، لذلك نصبوا أنفسهم لفعل ذلك تكرماً ومن أجل الإنسانية، رغم أن أجدادنا لم يطلبوا منهم مساعدة في إنقاذنا من أنفسنا أو إرشادنا إلى سبل الجنان عندما نموت، أو إلحاقنا بركب الحضارة في الحياة الدنيا.
تخصص في رواياتك دور مؤثر وفاعل للشخصية السردية النسائية، رغم أن واقع المرأة في السودان يتناقض مع الرواية؟
الشخصية النسائية في رواياتي مبنية على نسق واحد، وقد يعتبر البعض أن ذلك تقصير. سيطرت شخصية والدتي مريم على كل ما أكتبه، مما جعلني أصنع أغلب النساء قويات، ذوات شخصيات حكيمة وجميلات.
عرف القرن الحالي ظهور العديد من الكتاب ومن بينهم نساء في السودان. ما تقويمك لتجاربهن من حيث حرية الإبداع وتحدي الرقابة الاجتماعية والأخلاقوية مقارنة بالكتاب الرجال؟
سارة الجاك، آن الصافي، كلتوم فضل الله، نجلاء عثمان التوم، أمال عمر، استيلا قايتانو، ليلى أبو العلا، منى محمد صالح، نيلاو حسن أيول وغيرهن من الكتابات المجيدات من السودان. تقريباً جميعهن متمردات، ولهن أساليبهن الخاصة، ويعشقن التجريب في السرد، وفي الشعر هن أكثر جنوناً.
ما مدى قبول القارئ السوداني للكتابات النسائية؟
كما قلت سابقاً، القراء أنواع من المدارس والمناهج، والأذواق وممارسو طقوس سردية. في ظني أن للنساء قراء كثر وعشاق أكثر. بالنسبة إلى القراء، حال الكتاب هو نفسه حال الكاتبات في السودان.
II_ المسرح
اشتهرت ونجحت بالكتابة الروائية، وفي السنوات الأخيرة جربت كتابة مسرحيات. لماذا هذا التغيير في جنس الكتابة؟
في الحقيقة أنا بدأت كاتب مسرح. أول مجموعة نشرت لي في الثمانينات كانت كتاباً يحوي مسرحيات قصيرة، عنوانه: الرجل الذي هرب إلى هناك وطقوس العودة.
عرضت لك مسرحيتان بفرنسا؛ كيف نجح المخرج بتطويع نص ذي خلفية عربية إفريقية إلى ركح غربي؟
الكتابة فعل لا قومي، والمسرح بأدواته الحديثة الآن في أوروبا يمكنه أن يطوع أي نص. ومن الغرائب أن بمسرحيتي أفراس أصر المخرج الإيطالي أن يحضر فرساً على خشبة المسرح. لقد قاموا بتدريبها زهاء نصف العام، وأدى الحصان الدور بكل نجاح ودون أخطاء مطلقاً. فنانو الدراما الآن لا تغلبهم معالجة ما.
مسرحية المحجر تتمحور حول اضطهاد اليهود في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية واحتلالهم لفلسطين. بعد مشاهدة الفظائع التي تحدث في غزة هل فكرت في إضافة فصول للمسرحية؟
في الحقيقة الفظائع موجودة دائماً هناك؛ قبل كتابة المسرحية وبعدها وستظل هناك فظائع إلى أن تحل هذه القضية الشائكة، وحلها مسؤولية الجميع. تناولت المسرحية الاحتلال بصورة أظنها واضحة بما يكفي.
مثلت في مسرحية عبور؛ أيمكن اعتبارها بداية بركة ساكن الممثل المسرحي؟
نعم مثلت دوراً لكن أظنها الأخيرة. في البدء أتوا بي لأحل محل ممثل غائب. ولكن عندما قرأت النص وجدت فيه إطناباً، وأنا لا أحب الإسهاب والإطناب. فاقترحت عليهم أن أعيد كتابة الدور. وافق المؤلف النمساوي وأعجبوا به، ومنذ ذلك اليوم أصبحت ممثلاً معتمداً عندهم لثلاث سنوات. مثلت دوراً لكنني أظنه الأخير واعتذرت لهم.
III_ السودان
ما هو الفرق بين حياة إنسان اختار الهجرة إلى أوروبا وآخر منفى خوفاً على حياته في بلده؟
في زمن الحرب: كلاهما في جحيم؛ فنحن المهجرين، قلوبنا وجيوبنا وأحلامنا مع الذين هم تحت الرصاص.
تقول دائماً "الشعوب السودانية". ماذا تقصد بها؟
نحن مزيج أكثر من مئة من الشعوب. لها لغات مختلفة وثقافات وحضارات مختلفة. وهذا التنوع جميل وملهم. لكن الإعلان الذي جهر به أول رئيس سوداني، إسماعيل الأزهري، بعد الاستقلال قائلاً: "اليوم نعلن عروبتنا"، كان ذلك أول إعلان حرب في السودان، لأنه تجاوز وجود الهويات المتنوعة والمختلفة في السودان وفرض هوية واحدة للشعوب كلها. فسارع بعض أبناء تلك الشعوب بحمل السلاح. ومن يومها نخرج من حرب هويات لندخل في حرب هويات أخرى.
حسب رأيك ما سبب هيمنة الإسلام السياسي لمدة طويلة رغم وجود أحزاب سياسية أخرى؟
الإسلام السياسي بارع جداً في الخداع، مستخدماً الدين، وهذه هي خطورته. وهو يعمل على دعاية تضع المواطنين العاديين المسلمين أمام خيارين: حكم يجلسون على رأسه بمفهوم أنهم خلفاء الله في الأرض، أو أن يختار الناس حاكماً بإرادتهم، وذلك لدى الإسلام السياسي نوع من الخروج على الملة.
ما تأثير حكم البشير في السودان إلى يومنا هذا؟
كل ما نحن فيه الآن نتيجة لحكم البشير والإخوان المسلمين، لأنهم صنعوا هذه المليشيات التي تقتل شعبنا الآن، وهم الذين أضعفوا الجيش الوطني، وهم من سرق شعوبنا طوال ثلاثين عاماً.
هل توافق الرأي الذي يقول السودان يعاني من مشكلة جذرية منذ عقود كثيرة وليست بسبب هيمنة عرق أو طائفة على الحياة السياسية؟
السودان أرض خصبة وتحتوي على الذهب وغيرها من المعادن ورغم هذا الشعب يعاني حتى قبل حكم الإسلاميين والوضع نفسه في جنوب السودان رغم الانفصال.
السودان بلد خير. أرضه غنية بالذهب والمعادن الأخرى. ولكن مشكلتنا تكمن في سوء الإدارة وفساد السياسيين. ولكن بالطبع هناك مشاكل أخرى تقبع في العمق: فعندما خرج الإنجليز تركوا لنا ميراثاً ثقيلاً علينا أن نقبل بحكمه، وعلينا أن نرعى مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بينما نتركها تنهش لحمنا لسنوات طويلة. وبعض هذه الأسر، لكي تقوي مما هي فيه من وضعية متميزة، كوريثة للاستعمار، تدعي أنها من نسل الرسول الكريم، وهنا تعطي قداسة لوضعيتها التي هي سياسية بحته لتصبح روحية. بالنسبة إليهم كل ما تنجبه من ذرية هم من النسل الشريف، وسيرثنا كملكية خاصة جيل فجيل فجيل. في تحالفهم مع القوة الإسلامية الحديثة والطفيلية المناطقية، احتكرت هذه الأسر السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال. ما زال تاريخ الرق والعبودية يرمي بظلاله على المجتمع السوداني، في اللغة اليومية، في الممارسات السياسية، وفي لغة الحرب، وفي الشجار اليومي. بل يمكن تتبع ظلاله حتى في التوظيف والجندية. في السودان نفتقد دولة القانون والعدالة، دولة المساواة، دولة الحكم الرشيد، بل نفتقد كل ما هو مطلوب لكي نطلق على السودان اسم دولة. نحتاج لمجهود كبير لتأسيس مشروع قومي سوداني؛ ما زالت بلادنا في مرحلة من مراحل العشائرية المتقدمة.
عندي انطباع وقد يكون خاطئاً وأعتذر مسبقاً أن السودان أرض ملائمة للاقتتال. أعني كلما حدث خلاف هناك ميل غريزي لاستعمال السلاح أكثر من النقاش والتفاوض.
في السودان لا توجد حروب أهلية، بل حروب ترعاها الحكومات المركزية؛ حروب يصنعها المركز، ويشعل نارها ويحافظ على استمرارها.
كلما حدث اقتتال في السودان كانت المرأة هي الضحية الأولى، وهذا يفسر أن المرأة مستباحة بشكل فظيع في السودان. الحروب تحدث في كثير من الأماكن في العالم، ورغم هذا لا تتحدث نشرات الأخبار عن اغتصاب النساء، وإن حدثت تكون حالات قليلة. سؤالي هو الآتي: لماذا يبيح الجنود لأنفسهم اغتصاب النساء والواقع أن المعركة بين الجنود الحاملين للسلاح ولا دخل للنساء الضعيفات فيها؟
منذ حرب دارفور ابتكرت القوات المقاتلة التي كانت تتحالف مع الجنجويد، تحت رعاية حزب المؤتمر الوطني وهو حاضنة الإخوان المسلمين، لجأت إلى الاغتصاب واعتمدته سلاحاً. وهناك سجل غزير تحتفظ به ذاكرة الشعوب في السودان بفظائع لا يمكن أن يتصورها عقل. ما تعرفونه ليس سوى الظاهر من جبل الجليد. الآن يواصل الجنجويد معركتهم في أجساد النساء، حيث يعتبرون النساء غنائم حرب. يمكنهم بيعهن واغتصابهن واستعبادهن مثل أي شيء ينهبونه.
0 تعليقات