هلكت إدريس عابد: المسرح يزرع الشكّ الجميل في اليقين
يكتب هلكت إدريس عابد المسرح من منطقة تتقاطع فيها الأسطورة بالذاكرة، ويتجاور فيها الموروث الكردي مع الأسئلة الإنسانية المعاصرة. ففي نصوصه، تتحول الخشبة إلى فضاء لمساءلة الإنسان في علاقته بالحرية والهوية والمنفى والموت والحب والسلطة، وتغدو الكتابة المسرحية بحثاً مفتوحاً في القلق الإنساني وما تتركه التحولات الكبرى من أثر في الفرد والجماعة.
وتشكّل مجموعته المسرحية «أناهيتا وكميفان»، الصادرة بالعربية عن منشورات رامينا، مدخلاً إلى جانب من هذا العالم، بما تستحضره من رموز وأساطير وذاكرة ثقافية، وما تطرحه في الوقت نفسه من أسئلة تتصل بالحاضر ومصائر الإنسان فيه. ومن خلال انتقال هذه النصوص إلى العربية، تنفتح التجربة أيضاً على سؤال الترجمة بوصفها جسراً للحوار بين المسرحين الكردي والعربي، وفرصة لتوسيع حضور الأدب المسرحي الكردي خارج فضائه اللغوي.
في هذا الحوار، يتحدث الكاتب والمسرحي الكردي هلكت إدريس عابد عن علاقته المبكرة بالمسرح، وحضور الأسطورة والموروث في كتابته، ورؤيته لوظيفة المسرح وقابليته لمواجهة أسئلة العصر. كما يتوقف عند «أناهيتا وكميفان»، وواقع المسرح الكردي وتحدياته، وأهمية الترجمة في وصوله إلى القارئ العربي والعالمي، وصولاً إلى مشاريعه الجديدة وحلمه بكتابة مسرحية عن «المنفى الداخلي».
س - يشغل المسرح موقعاً محورياً في تجربتكم الأدبية. ما الذي جذبكم إلى هذا الفن، وكيف تشكّلت علاقتكم به منذ البدايات؟
ج - لم أختر المسرح بقدر ما اختارني هو. منذ طفولتي، كنت أشعر أن العالم ليس إلا خشبة واسعة، وأن البشر يؤدون أدواراً لا يدركون نهاياتها. كنت أراقب الوجوه أكثر مما أستمع إلى الكلمات، لأنني كنت أؤمن أن الحقيقة تسكن الصمت أكثر مما تسكن اللغة.
حين دخلت المسرح للمرة الأولى، لم أشعر أنني أدخل بناية أو قاعة عرض، وإنما شعرت أنني أدخل معبداً للأسئلة. هناك أدركت أن المسرح يتجاوز فن التمثيل ليكون فناً للبحث عن الإنسان. كل نص كتبته بعد ذلك كان محاولة لفهم الخوف، والحرية، والذاكرة، والمنفى، والموت، والحب، وكل تلك الأسئلة التي لا تمنحنا الحياة جواباً نهائياً عنها.
أنا لا أتعامل مع المسرح بوصفه وسيلة للترفيه، وإنما باعتباره طريقة للتفكير. فالكاتب المسرحي لا يقدّم أجوبة، وإنما يزرع الشك الجميل في يقين المتلقي، ويمنحه فرصة لأن يعيد اكتشاف ذاته.
س - تتقاطع في نصوصكم الأسطورة والذاكرة والواقع المعاصر. كيف تنظرون إلى هذا التداخل، وما الذي يمنحه للمسرح من طاقة تعبيرية؟
ج - أؤمن أن الأسطورة ليست حكاية قديمة، وإنما ذاكرة رمزية ما زالت تعيش في داخل الإنسان. قد تتغير الأسماء والأزمنة، لكن الخوف، والطمع، والبحث عن الخلاص، كلها تتكرر منذ آلاف السنين.
لهذا لا أستدعي الأسطورة لكي أهرب من الواقع، وإنما لكي أكشفه. فالأسطورة تمنح الكاتب حرية أكبر في مساءلة السلطة، والهوية، والمقدس، والذاكرة، من دون أن يقع في أسر المباشرة.
أما الذاكرة، فهي ليست أرشيفاً للماضي، وإنما مادة حيّة تعيد تشكيل الحاضر باستمرار. لذلك أرى أن المسرح الحقيقي يولد عندما يلتقي الماضي بالحاضر، وحين يصبح التاريخ مرآة نرى فيها أنفسنا، لا مجرد صور الأسلاف.
إنني أبحث دائماً عن تلك المنطقة التي يختلط فيها الواقعي بالأسطوري، لأن الإنسان نفسه كائن يعيش بين الحقيقة والحلم، وبين التاريخ والخيال.
س - في أعمالكم، لا يبدو المسرح وسيلة للترفيه فحسب، وإنما مساحة لطرح الأسئلة الكبرى. ما القضايا الإنسانية والفكرية التي تحرصون على حضورها في نصوصكم؟
ج - أعتقد أن مهمة الأدب ليست أن يريح الإنسان، وإنما أن يوقظه. ولذلك أحاول في كل نص أن أضع الشخصية أمام سؤال وجودي، لأن الإنسان لا يتغير إلا عندما يبدأ بالسؤال.
القضية الأساسية التي تشغلني هي الإنسان حين يفقد حريته، أو ذاكرته، أو قدرته على الحلم. كما تشغلني علاقة الفرد بالسلطة، وعلاقة الإنسان بالزمن، وبالوطن، وبالموت، وبالله، وبذاته.
لا أحب الشعارات، لأن المسرح يفقد روحه عندما يتحول إلى خطاب مباشر. أفضل أن تتحول الفكرة إلى صراع درامي، وأن تتحول الفلسفة إلى شخصيات من لحم ودم، تتألم وتخطئ وتحلم مثلنا.
أطمح إلى مسرح يجعل المتفرج يغادر القاعة وهو يحمل سؤالاً جديداً، لا إجابة جاهزة؛ لأن السؤال هو بداية المعرفة، أما اليقين المطلق فهو غالباً نهاية التفكير.
س - تحمل مجموعتكم المسرحية «أناهيتا وكميفان» عنواناً يثير الفضول منذ الوهلة الأولى. كيف وُلد هذا العنوان، وما الرابط الذي يجمع النصوص المسرحية التي يضمها الكتاب؟
ج - لم يكن اختيار عنوان «أناهيتا وكميفان» قراراً لغوياً بقدر ما كان اكتشافاً لروح الكتاب. كنت أبحث عن عنوان لا يصف النصوص، وإنما يختزل عالمها الداخلي. بالنسبة إليّ، العنوان ليس لافتة، وإنما هو الباب الأول الذي يعبر منه القارئ إلى العمل.
تمثل «أناهيتا» في المخيال الكردي والشرقي رمزاً للنقاء والخصب والحياة، بينما يحمل «كميفان» بعداً إنسانياً يتصل بالرحلة والبحث والقلق الوجودي. وحين يجتمع الاسمان، فإنهما لا يشيران إلى شخصيتين فحسب، وإنما إلى حوار دائم بين الأمل والألم، وبين الذاكرة والمصير.
ورغم اختلاف النصوص في أحداثها وشخصياتها، فإنها تلتقي جميعاً عند سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على إنسانيته في عالم تتغير فيه القيم وتشتد فيه العزلة؟ لذلك أرى أن المجموعة ليست نصوصاً متجاورة، وإنما هي فصول متعددة لسؤال إنساني واحد.
س - تستند بعض نصوص المجموعة إلى الموروث والأسطورة الكردية. كيف تعاملتم مع هذا الإرث، بحيث يبقى جزءاً من الحاضر لا مجرد استعادة للماضي؟
ج - الموروث بالنسبة إليّ ليس متحفاً، وإنما كائن حيّ يتنفس معنا. وإذا تعاملنا معه بوصفه حكايات منتهية، فإننا نحكم عليه بالموت. أما إذا قرأناه قراءة جديدة، فإنه يصبح قادراً على تفسير أسئلتنا المعاصرة.
لهذا لم أكتب الأسطورة كما وصلت إلينا، وإنما حاولت أن أستمع إلى صوتها الخفي، وأن أكتشف ما يمكن أن تقوله لإنسان القرن الحادي والعشرين. فالأسطورة ليست ملكاً للماضي، وإنما هي لغة رمزية تستطيع أن تكشف ما تعجز اللغة اليومية عن قوله.
إنني أؤمن بأن الشعوب التي تنسى أساطيرها تفقد جزءاً من ذاكرتها، لكن الشعوب التي تعيش داخل أساطيرها وحدها تفقد مستقبلها أيضاً. لذلك أسعى دائماً إلى خلق توازن بين الوفاء للجذور والانفتاح على المستقبل.

س - يتطلب النص المسرحي توازناً بين قيمته الأدبية وقابليته للعرض على الخشبة. كيف تبنون هذا التوازن أثناء الكتابة، ولمن تكتبون أولاً: للقارئ، أم للمخرج، أم للجمهور؟
ج - أكتب أولاً للحقيقة الفنية، لأنني أؤمن أن النص الصادق سيصل في النهاية إلى القارئ والمخرج والجمهور معاً.
أثناء الكتابة أعيش داخل عالم الشخصيات، ولا أفكر في الخشبة إلا بقدر ما يخدم البناء الدرامي. لكنني، في الوقت نفسه، لا أنسى أن المسرحية ليست رواية، وأن الكلمة فيها يجب أن تتحول إلى صورة، والصورة إلى حركة، والحركة إلى إحساس حيّ على المسرح.
إن النص المسرحي الناجح هو الذي يستطيع أن يُقرأ بوصفه أدباً، وأن يُشاهد بوصفه حياة. لذلك أحاول دائماً أن أترك للمخرج مساحة واسعة للتأويل، لأنني لا أؤمن بالمخرج الذي ينفّذ النص حرفياً، وإنما بالمخرج الذي يدخل معه في حوار إبداعي.
أما الجمهور، فهو ليس المتلقي الأخير فقط، وإنما هو الشريك الحقيقي في اكتمال العرض؛ لأن المسرح لا يكتمل إلا عندما تتحول الكتابة إلى لقاء حيّ بين الإنسان والإنسان.
س - صدرت «أناهيتا وكميفان» مترجمة إلى العربية. ما الذي تأملون أن يكتشفه القارئ العربي من خلال هذه الترجمة، سواء في تجربتكم أو في المسرح الكردي عموماً؟
ج - أرى أن الترجمة ليست مجرد نقل لغوي، وإنما هي عبور ثقافي بين عوالم متجاورة، لكنها لا تتطابق دائماً. ما أتمناه من القارئ العربي هو أن يكتشف أن المسرح الكردي ليس هامشاً ثقافياً، وإنما هو جزء حيّ من التجربة الإنسانية المشتركة في هذه المنطقة.
أطمح إلى أن يرى القارئ في هذه النصوص أسئلة تشبه أسئلته هو أيضاً: سؤال الهوية، والحرية، والذاكرة، والبحث عن المعنى في عالم مضطرب. فالمسرح، حين يكون صادقاً، لا يعترف بالحدود اللغوية بقدر ما يعترف بصدق التجربة الإنسانية.
كما أرجو أن تفتح هذه الترجمة نافذة للتعارف بين المسرح الكردي والمسرح العربي، ليس على مستوى التعريف فقط، وإنما على مستوى الحوار والتأثير المتبادل.
س - كيف تقيّمون واقع المسرح الكردي اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تعيق وصوله إلى فضاء عربي وعالمي أوسع؟
ج - المسرح الكردي اليوم يعيش حالة من الحيوية من جهة، ومن التحديات من جهة أخرى. هناك طاقات شابة وتجارب جادة تحاول أن تخلق لنفسها مكاناً داخل المشهد الثقافي، لكن هذه الجهود غالباً ما تصطدم بغياب البنية المؤسسية الداعمة.
من أبرز التحديات التي نواجهها: ضعف الترجمة، وقلة الدعم الإنتاجي، وغياب الاستمرارية في المشاريع المسرحية. كما أن الوصول إلى الفضاء العربي والعالمي ما زال محدوداً بسبب نقص قنوات التواصل الثقافي الفعّال.
ومع ذلك، أؤمن أن المسرح الكردي يمتلك مقومات قوية تؤهله للانتشار، لأنه مسرح ينبع من تجربة إنسانية عميقة، ومن تاريخ مليء بالتحولات والأسئلة الوجودية.
س - في ظل التحولات الثقافية والتقنية المتسارعة، هل ما زلتم ترون أن المسرح يحتفظ بقدرته على التأثير في الإنسان والمجتمع، أم أن دوره أخذ يتغير؟
ج - المسرح لم يفقد قدرته على التأثير، لكنه بالتأكيد تغيّر في شكله ووسائله. في زمن الصورة الرقمية والسرعة، أصبح المسرح مساحة نادرة للبطء والتأمل واللقاء الحي بين البشر.
ما يميز المسرح أنه لا يمكن استهلاكه بشكل منفصل عن لحظته؛ فهو حدث حيّ يتكرر ولا يتطابق أبداً. وهذا ما يمنحه قوة خاصة في مواجهة العزلة الرقمية التي يعيشها الإنسان المعاصر.
أعتقد أن دور المسرح اليوم لم يعد مقتصراً على تقديم الحكاية، وإنما أصبح معنياً بخلق تجربة إنسانية مشتركة تعيد للإنسان إحساسه بالحضور الحقيقي.
س - ما المشاريع التي تعملون عليها حالياً، وما النص أو الفكرة التي ما زلتم تحلمون بتحويلها إلى عمل مسرحي؟
ج - أعمل حالياً على مجموعة من الأفكار التي ما زالت في طور التشكل، بعضها مرتبط بالذاكرة الفردية والجماعية، وبعضها الآخر يحاول أن يقترب من أسئلة الإنسان المعاصر في علاقته بالزمن والهوية.
لكن هناك نصاً أعتبره حلماً مؤجلاً، وهو مشروع مسرحي يدور حول فكرة «المنفى الداخلي»، أي حالة الإنسان الذي يعيش في مكانه الجغرافي، لكنه يشعر بالاغتراب داخله. هذا النص ما زال يتكوّن في ذهني، لأنني أبحث له عن اللغة المسرحية التي تليق به.
بالنسبة إليّ، الكتابة المسرحية ليست مشروعاً منتهياً، وإنما هي رحلة مستمرة من البحث، وكل نص جديد هو محاولة لفهم العالم بطريقة مختلفة، وربما لفهم الذات أيضاً بشكل أعمق.
0 تعليقات