جمهور الإبراهيم: التجربة وحدها تصنع الروائي
يواصل الروائي السوري الكردي جمهور الإبراهيم بناء تجربته السردية عبر مشروعٍ ينشغل بأسئلة الهوية والذاكرة والغربة، مستنداً إلى رؤيةٍ تمنح الرواية مساحةً رحبةً للتأمل في الإنسان وتحولاته. وفي روايتيه «مزكين: شمالية تاج الخجل» و«سيدهارتا: حلاق العزيزية – الصباح»، يقدّم عالمين مختلفين يجمعهما البحث عن المعنى والانتماء.
تنطلق رواياته من الواقع، لكنها تعيد تشكيله عبر الخيال، حيث تتداخل الشخصيات والأمكنة مع التجارب الإنسانية، ويغدو المكان عنصراً فاعلاً في بناء الحكاية، سواءً بوصفه ذاكرةً تستعيد الطفولة، أو فضاءً يجسّد الغربة والعزلة والحنين. كما تتقدّم الفكرة في أعماله على حساب التشويق، في كتابةٍ تعتمد السرد الوصفي والتأمل العميق في المواقف والشخصيات.
في هذا الحوار، يتحدث جمهور الإبراهيم عن بداياته مع كتابة الرواية، ودلالات عناوين أعماله، وآليات بناء شخصياته، وحدود العلاقة بين الواقع والخيال، وحضور سيرته الذاتية في نصوصه، إلى جانب أبرز المؤثرات التي أسهمت في تشكيل تجربته الأدبية، ومشاريعه الروائية التي يعمل عليها حالياً.
س - كيف بدأت رحلتك مع كتابة الرواية؟
ج - الرحلة كانت حاضرة منذ زمن بعيد، ولكن المشروع الروائي يحتاج لظروف ومحيط يسمح للأفكار بأن تأخذ قدرها من التخمر حتى تظهر بطابع المعاناة.
س- ما الذي دفعك لاختيار الرواية وسيلة للتعبير عن أفكارك؟
ج - أنا أفضل على الدوام التعبير عما بداخلي عن طريق الكتابة، والطرح الروائي كان دوماً هو الملاذ، حتى في نصوصي القصيرة التي يبدو واضحاً على طرحها الطابع القصصي.
س- ما الدلالة التي يحملها عنوان «مزكين: شمالية تاج الخجل»؟
ج – كلمة «مزكين» في لساني الأم تعني البُشرى، ولها دلالات مستفيضة على وقع القضية الكردية وعلى ذاكرة كل كردي ينظر في ذاته كما ينظر كل من يحلم بانتمائه لأرضه ولغته وتاريخه، أما شمالية تاج الحياء فهي جزء من سلسة سيأتي الوقت على ذكرها حين تكتمل الملحمة؛ ملحمة تاج الحياء.
س- لماذا اخترت عنوان «سيدهارتا» لروايتك، رغم ارتباطه برواية عالمية معروفة؟
ج - في حقيقة الأمر لم أبحث في الاسم إلا بعد أن اكتمل العمل، وعند ذلك الحد كانت الرواية قد أخذت مجدها في داخلي، لذلك أبقيت على الاسم كما هو مع الأخذ بعين الاعتبار الصيغة المكانية للاسم "حلاق العزيزية".

س- من أين استلهمت شخصية حلاق العزيزية؟
ج - يعتبر الحلاقون من أصحاب المهن الأقرب لنا ومن أكثر أماكننا تردداً، لذلك يبقى محل الحلاقة مكاناً مألوفاً وخاصاً، ذلك أن الخدمة هنا لا تقتصر على مهام مجدولة وحسب، المسألة تتعدى ذلك، وبالتالي كل حلاق مر بي خلال السنين العابرة يعتبر مصدر إلهامي لاختيار هذه الشخصية الاعتبارية الفذة.
س- هل شخصيات روايتيك مستوحاة من أشخاص حقيقيين أم من الخيال؟
ج - المسافة هنا بين الحقيقي والخيالي دقيقة جداً، تكاد تكون غير ملحوظة، فالخيالي هنا مستقى من الحقيقي، والعكس صحيح، لذلك يبقى الحقيقي هو مخزون الخيال الذي يعطينا مساحة شاسعة لنبدع في إعادة تكوين الشخصيات كما نرغب لا كما هي في حقيقة الحال، لذلك تبقى الأنماط التي تكوِّن شخصياتي واقعية ولكنها خضعت لكاريكتر خيالي بكل تأكيد.
س-ما مدى حضور سيرتك الذاتية في أعمالك الروائية؟
ج - لم تخضع بعد سيرتي الذاتية لما أكتب، يمكنني القول إن أفكاري فقط هي من كانت حاضرة على الدوام في كتاباتي.
س- كيف تبني شخصياتك قبل البدء بكتابة الرواية؟
ج - العمل الروائي بالنسبة لي هو مشروع مهما كانت فكرته في الظاهر قائمة على البساطة، لأني في كتابتي أعطي كل المساحة للأفكار، وأملك كل السيطرة في طرحي على الوقت، لذلك لا يمكن أن يقوم عمل لي على عامل التشويق، وهذه سمة أعمالي، لا تقوم على التشويق بل على عظمة الفكرة والموقف، وبالتالي أقوم بإعداد شخصياتي الرئيسة قبل البدء بالعمل، الشخصيات التي تكون عماد العمل، أما الشخصيات الثانوية تقتضي الحاجة ذكرها في العمل، وهي نتاج تطور الأحداث لا أكثر.
س- ما الدور الذي يؤديه المكان في تشكيل أحداث روايتيك؟
ج - في رواية مزكين يشكل المكان ذاكرة الطفولة، فالمكان في مزكين يحمل رمزية تاريخية، وكل مشهد في مزكين يمثل المكان هو مبني بعناية وقصد واضحين، أما في سيدهارتا، فالمكان يمثل الغربة، الغربة بمعناها الوحشي، أقول وحشي لأن المشاعر في العمل تبني في القارئ مشاعر العزلة والوحدة والشوق والحنين، بالنهاية المكان هو أداة من أدوات العمل الروائي، وهو الثيمة في كثير من الفصول.
س-هل تكتب وفق خطة مسبقة أم تترك الشخصيات تقود مسار الأحداث؟
ج - أكتب وفق خطة واضحة المحطات، ولكن الأحداث هي من تلعب دورها في شكل كل محطة، أي أن المسار واضح من المحطة أ إلى المحطة ت مرورا بالمحطة ب ولكن الأحداث تبقى رهن المتغيرات وما تمليه على طبيعة الشخصيات وإلى أي حد يمكنها أن تجعل الحدث متطرفاً.
س - -ما أبرز التحديات التي واجهتك أثناء كتابة هاتين الروايتين؟
ج - أبرز التحديات كان الوقت، فإلى جانب العمل المهني هنالك الحياة الشخصية، والعائلة، الأبناء والزوجة، ولا يخفى على أحد المفاجئات التي تفاجئنا بها الحياة.
س- كيف تصف لغتك السردية، وما الذي يميزها عن غيرها؟
ج - لغتي سردية ومستفيضة لو صح التعبير، لا أعلم ما يميزها عن سواها، ولكن أعتقد أن لغتي تدغدغ على الدوام حالة الهدوء والوقوف على المعاني، وهي مبنية على الوصف، وصف حالة المتكلم أو المستمع، لذلك ستجد في لغتي مشهد متكامل يمكنك من خلاله تصور شكل وحالة الشخصية وكأنها حية وقائمة بذاتها.

س- ما القضايا الإنسانية التي حرصت على تناولها في أعمالك؟
ج - الهوية والغربة.
س- هل ترى أن الرواية قادرة على إحداث تغيير في وعي القارئ؟
ج - الرواية قادرة بكل تأكيد على إحداث تغيير، ولكن على القارئ اختيار ما يحفز اهتمامه بدل ملاحقة العناوين المتداولة، لذلك تجد العمل الروائي موسوم بعنوان واضح، يوجه القارئ من العنوان، من يحب قراءة الروايات البوليسية لن تستهويه أعمال دوستويفسكي.
س- ما الكتب أو الكتّاب الذين أثروا في تجربتك الأدبية؟
ج - لأكن صريحاً ليست فقط الكتب وكتّابها هم من أثروا في بشكل مباشر، تجربتي الحياتية كان لها دورها كذلك، حتى مواقع التواصل الاجتماعي، صنّاع اليوتيوب مثل الدحيح والسعدني، كانوا من أكثر المؤثرين الذين ساهموا في تشكيل وعيي وذاكرتي، إلى جانب دوستويفسكي، هذه الشخصية الفذة التي أسهمت وبشكل كبير في شخصيتي الروائية، ومنها أستطيع القول أني أكدت أدواتي ومكامني اللغوية التي كانت محط جدال وشك على الدوام في إمكانية حضورها بين سطور أعمالي من عدمها، لذلك يبقى واقع الحال هو ما تشكله صبغة العصر و طابعه، ولا يمكن النظر للغة العصر على أنها حالة سلبية على الدوام، فهي كما ساهمت في طمس الجانب الإبداعي في الطبيعة البشرية، هي كذلك شكلت واحدة من أكثر مراحل البشرية تعددا ووفرة للمعلومة والحقيقة.
س- ما المشروع الروائي الذي تعمل عليه حالياً؟
ج - أعمل على غربية تاج الحياء، إلى جانب سيدهارتا حلاق العزيزية "الظهيرة".
س- ما النصيحة التي تقدمها للجيل الجديد من الروائيين؟
ج - لا أعتقد أن تجربتي البسيطة تخولني لأن أكون مصدر نصح لجيل الروائيين الجدد، ولذلك التجربة هي المكان الوحيد الذي يثبت صحة ما نقوله وما ندعيه وما يمكن أن يشكل الحقيقة، بعيداً عن النصح، أنصحهم بالتجربة.
0 تعليقات