في المشهد السردي السعودي المعاصر تتقدّم أصوات نسائية عديدة نحو مناطق أكثر عمقًا في فهم التجربة الإنسانية، حيث تتحوّل الرواية إلى مساحة للتأمل في تحوّلات الفرد وعلاقته بالمجتمع والذاكرة والهوية. ضمن هذا السياق تبرز تجربة الروائية السعودية فاطمة عبدالله الدوسري «بنت الريف» التي تميل في كتابتها إلى تفكيك العالم الداخلي للشخصيات، ورصد اللحظات الدقيقة التي يعيد فيها الإنسان النظر في حياته ومساراته.

في روايتها «البوابة صفر» تقترب الدوسري من فكرة التحوّل بوصفها تجربة إنسانية تتشكّل عبر الصدمات الصغيرة والأسئلة المؤجلة. تبدأ الحكاية من لحظة تبدو عادية في ظاهرها، ليلة فرح عائلية، ثم تتكشف طبقات التوتر الكامنة في العلاقات، لتجد البطلة دانة نفسها أمام مسار جديد يعيد ترتيب رؤيتها للعائلة والعمل والذات. عبر هذا المسار تتابع الرواية رحلة وعي تتدرج فيها الشخصية من الصمت الداخلي إلى محاولة امتلاك صوتها الخاص.

لا تنشغل الرواية بالأحداث الصاخبة بقدر ما تقترب من التحولات النفسية الهادئة التي تصنعها التجربة. يتقاطع المكان، من القرية الأولى إلى فضاءات العمل، مع تشكّل وعي البطلة، فيتحول إلى عنصر مؤثر في مسارها الداخلي.

في هذا الحوار تتحدث الروائية فاطمة عبدالله الدوسري عن روايتها «البوابة صفر»، وعن بناء شخصية دانة ومسارها النفسي، ودور المكان في تشكيل الوعي السردي، كما تتحدّث عند تجربتها بين القصة القصيرة والرواية، وأسئلتها الأعمق حول الهوية والتحوّل ومشروعها الأدبي في السنوات المقبلة.

س- قبل أن ندخل في تفاصيل «البوابة صفر»، كيف تعرّفين نفسكِ اليوم كروائية؟ وماذا تمثّل لكِ هذه الرواية في مساركِ الشخصي والإبداعي؟

أرى نفسي اليوم روائية تقف في منتصف الطريق بين الدهشة والمعرفة؛ دهشة الحكاية حين تولد لأول مرة، ومعرفة التجربة التي تعلّمك أن الكتابة بناء رؤية للعالم، وليست مجرد بناء نص فقط. ومع مرور الوقت أدركت أن الرواية محاولة لفهم الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة وصدقاً. لذلك أكتب لأن الكتابة بالنسبة لي شكل من أشكال التأمل في الحياة، ومحاولة للإصغاء إلى ما يدور في أعماق النفس قبل أن يتحول إلى كلمات.

فكل رواية أكتبها أشعر أنها تفتح لي باباً جديداً لفهم الذات والآخرين. فالأدب في جوهره أسئلة تُطرح بلغة الجمال والخيال، وتترك للقارئ مساحة ليجد فيها شيئاً من صوته الخاص.

أما العنوان «البوابة صفر» بالنسبة لي هي فكرة وجودية رافقتني أثناء الكتابة. فالصفر في تصوري ليس نهاية ولا فراغاً، إنّما هو لحظة نقاء تسبق البداية، تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام حياته كأنه يراها لأول مرة. من هنا جاءت فكرة البوابة؛ بوابة عبور بين ما كنّا عليه، وما يمكن أن نصبحه.

خلال كتابة هذه الرواية شعرت أنني لا أكتب فقط عن شخصيات تتحرك داخل النص بقدر ما أكتب عن حالات إنسانية يعيشها كثير منا حين يجد نفسه أمام منعطف يعيد ترتيب أسئلته عن الهوية والمعنى والمصير. لذلك كانت هذه الرواية بالنسبة لي تجربة أقرب إلى رحلة تأمل في فكرة التحوّل، وفي قدرة الإنسان على أن يعيد اكتشاف ذاته حتى بعد أن يظن أن كل الطرق قد أُغلقت.

وفي مساري الإبداعي أرى “البوابة صفر” خطوة مهمة؛ لأنها سمحت لي أن أقترب أكثر من المساحات الصامتة في النفس البشرية، وأن أكتب من منطقة أكثر هدوءاً وتأملاً. وربما لهذا أشعر أن هذه الرواية تشبه العتبة التي يقف عليها الكاتب والقارئ معاً، قبل أن يخطوا الخطوة الأولى نحو حكاية جديدة.

س - لماذا اخترتِ أن تبدأ رواية «البوابة صفر» بليلة الفرح التي تتحول إلى أزمة عائلية، وكيف أسس هذا المشهد لمسار دانة في بقية الرواية؟

ج - اخترت أن تبدأ رواية «البوابة صفر» بليلة فرح تتحول إلى أزمة عائلية لأن لحظات الفرح غالباً ما تكون أكثر اللحظات قدرة على كشف ما كان مخفياً داخل العلاقات. ففي تلك اللحظة التي يجتمع فيها الجميع تحت مظلة الاحتفال، تنكشف أحياناً التوترات القديمة والأسئلة المؤجلة. لذا أردت للبداية أن تكون لحظة مكثفة تحمل في ظاهرها البهجة، لكنها في العمق تفتح الباب لتحول كبير في مسار الأحداث.

هذا المشهد كان بمثابة الشرارة الأولى لمسار دانة في الرواية؛ ففي تلك الليلة بدأت تتصدع الصورة التي كانت ترى بها حياتها وعائلتها، لتجد نفسها أمام أسئلة لم تكن مستعدة لها من قبل. ومن هنا تنطلق رحلتها في الرواية، رحلة بحث عن الحقيقة وعن الذات.

وبذلك لم تكن ليلة الفرح مجرد افتتاحية درامية، إنّما كانت العتبة التي تعبر منها دانة إلى التحول الذي ستعيشه لاحقاً، وكأنها بالفعل البوابة الأولى التي تقود إلى «الصفر»؛ إلى لحظة إعادة النظر في كل شيء.

س - كيف بنيتِ التحول الداخلي لشخصية دانة من فتاة خاضعة لضغط العائلة إلى امرأة تعيد ترتيب حياتها في فضاء العمل؟

ج - حرصتُ في بناء شخصية دانة على أن يكون التحول تدريجياً وطبيعياً، لأن الإنسان في الواقع عبر تراكم التجارب واللحظات التي تدفعه إلى إعادة النظر في حياته، ولا يتغير فجأة. في بداية الرواية تبدو دانة فتاة تحاول التكيّف مع ضغط العائلة وتوقعاتها، فتعيش حالة من الصمت الداخلي أكثر مما تعيش حالة رفض صريح.

لكن مع تطور الأحداث، تبدأ تلك المسلمات التي كانت تبدو ثابتة في التصدّع، فتجد دانة نفسها أمام أسئلة جديدة عن ذاتها وما تريده حقاً من حياتها. ومن هنا يأتي فضاء العمل بوصفه مساحة لاكتشاف الذات، حيث تبدأ تدريجياً في بناء صوتها الخاص واتخاذ قراراتها بوعي أكبر.

لذلك لم يكن تحول دانة تمرداً مفاجئاً بقدر ما كانت رحلة وعي قادتها إلى إعادة ترتيب حياتها وفق ما تراه هي مناسباً لها.

س - كيف اشتغلتِ على الصراع النفسي الذي تعيشه دانة طوال الرواية؟

ج - اشتغلتُ على الصراع النفسي في شخصية دانة بوصفه القلب الحقيقي للرواية، لأنني أؤمن أن أكثر المعارك عمقاً في حياة الإنسان لا تدور في الخارج، إنّما في داخله. لذلك لم يكن اهتمامي منصباً فقط على ما يحدث لدانة، إنّما على ما يحدث داخلها وهي تعيش تلك الأحداث.

دانة في الرواية تقف في منطقة دقيقة بين عالمين: عالم التوقعات العائلية والاجتماعية التي تحيط بها، وعالمها الداخلي الذي يبدأ بالتشكل تدريجياً. هذا التوتر بين ما يُطلب منها أن تكونه، وما تشعر في أعماقها أنها عليه، هو ما يصنع الصراع النفسي الذي يرافقها طوال الرواية.

حاولت أن أبني هذا الصراع عبر طبقات متراكمة من التجربة؛ عبر لحظات الشك، والتردد، والوعي المتنامي الذي يبدأ خافتاً ثم يزداد وضوحاً مع تطور الأحداث. فدانة لا تصل إلى يقينها دفعة واحدة، تراها تمرّ بمسار طويل من التساؤل وإعادة النظر في المسلّمات التي نشأت عليها.

 فلم يكن الصراع في الرواية مجرد توتر درامي، لكنّه كان رحلة وعي داخلية تنتقل فيها دانة من حالة الانصياع الهادئ إلى حالة الإدراك، ومن الإدراك إلى القدرة على إعادة ترتيب حياتها وفق ما تراه هي صحيحاً. وكل خطوة في هذا المسار كانت محاولة لفهم الذات قبل مواجهة العالم.

وأردت أن يبدو هذا الصراع قريباً من التجربة الإنسانية التي يعيشها كثير من الناس: تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن عليه أن يصغي أخيراً لصوته الداخلي، حتى لو كان ذلك الصوت ما يزال يتشكل.

س - ماذا يعني لكِ عنوان «البوابة صفر» في سياق حياة دانة تحديداً؟

ج - عنوان «البوابة صفر» فكرة مركزية تتقاطع مع المسار الداخلي لشخصية دانة. فالصفر يشير إلى لحظة البدء من جديد؛ تلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه مضطراً لأن يعيد النظر في حياته كلها وكأنه يقف عند نقطة البداية.

في سياق حياة دانة، تمثل «البوابة صفر» اللحظة التي تتصدع فيها الصورة التي كانت تعيش داخلها عن العائلة والحياة والاستقرار. حين تواجه الأزمة الأولى، تدرك أن كثيراً مما اعتقدت أنه ثابت لم يكن كذلك تماماً. عندها تجد نفسها واقفة أمام عتبة جديدة، عتبة تدفعها إلى إعادة تعريف ذاتها، وإلى البحث عن طريق مختلف تصنعه بوعيها وتجربتها.

لهذا جاءت البوابة في العنوان كرمز للعبور، بينما جاء الصفر كرمز للنقطة التي يبدأ منها التحول. فكأن دانة، بعد كل ما تمر به، تصل إلى لحظة ترى فيها حياتها من جديد، لا باعتبارها امتداداً لما فُرض عليها، إنّما باعتبارها تجربة يمكن أن تعيد تشكيلها بنفسها.

ويمكن القول إن «البوابة صفر» هي لحظة وعي قبل أن تكون حدثاً؛ لحظة يدرك فيها الإنسان أن البداية قد تأتي أحياناً بعد الانكسار أو بعد اكتشاف الحقيقة، وأن الصفر ليس خسارة، بل مساحة مفتوحة لاحتمالات جديدة.

س - ما الدور الذي أدّاه المكان، من القرية إلى مركز «دريم لاند»، في تشكيل وعي دانة ومسارها؟

ج - لعب المكان في الرواية دوراً يتجاوز كونه خلفية للأحداث، فقد حاولت أن أجعله عنصراً فاعلاً في تشكيل وعي دانة ومسارها النفسي. فالمكان في السرد الروائي غالباً ما يحمل روحاً خفية تؤثر في الشخصيات بقدر ما تتأثر بها.

القرية في بداية الرواية تمثل العالم الأول الذي تشكلت فيه دانة؛ عالم العلاقات القريبة، والذاكرة المشتركة، والقيم التي تُبنى داخل العائلة والمجتمع الصغير. في هذا الفضاء تتكون نظرتها الأولى للحياة، لكن هذا القرب نفسه يحمل أيضاً ثقل التوقعات الاجتماعية التي تجعل الفرد أحياناً محاطاً بدائرة من الأحكام والانتظار.

وعندما تنتقل دانة إلى مركز «دريم لاند» يتغير المشهد تماماً. فهذا المكان لا يمثل مجرد انتقال جغرافي بقدر ما يمثّل انتقالاً في الرؤية أيضاً. هناك تجد مساحة أوسع للتجربة، وتتعرف على أنماط مختلفة من الحياة والعمل، فيتسع أفقها وتبدأ في رؤية نفسها خارج الإطار الذي تشكلت فيه سابقاً.

بهذا المعنى يصبح المكان في الرواية رحلة وعي؛ فالقرية تمثل الجذور والبدايات، بينما يمثل «دريم لاند» مساحة الاكتشاف وإعادة تشكيل الذات. وبين هذين الفضاءين تعيش دانة التحول الذي يقودها إلى فهم أعمق لنفسها ولما تريده من حياة.

س - كيف تختلف تجربتكِ في كتابة القصة القصيرة عن كتابتكِ للرواية الطويلة؟

ج - تجربتي في كتابة القصة القصيرة تختلف كثيراً عن تجربتي في كتابة الرواية الطويلة، لأن لكل منهما طبيعة فنية وإيقاعاً مختلفاً في التعامل مع الحكاية. فالقصة القصيرة بالنسبة لي تشبه ومضة مكثفة تلتقط لحظة إنسانية واحدة وتضيئها بسرعة وعمق في آن واحد. فيها قدر كبير من الاقتصاد في اللغة والتركيز في الفكرة، حيث يعتمد النص على الإيحاء أكثر من التفصيل، وعلى لحظة مفصلية تختزل تجربة كاملة.

أما الرواية فهي مساحة أوسع للتأمل والتشكل؛ تسمح للشخصيات بأن تنمو تدريجياً، وللأحداث بأن تتشابك وتتكشف طبقاتها مع الوقت. في الرواية لا أكتفي بلحظة واحدة، أجد نفسي أرافق الشخصيات في مسار طويل من التحولات، وأحاول أن أقترب من عوالمها الداخلية والخارجية بتفصيل أكبر.

ومن وجهة نظري، أرى أن القصة القصيرة تدرب الكاتب على الدقة والاختزال، بينما تمنحه الرواية فرصة الامتداد والبناء المتدرج للعالم السردي. وهذا يجعل التجربتين تكملان بعضهما؛ فالقصة تعلّم الكاتب كيف يلتقط اللحظة، بينما تعلّمه الرواية كيف يصنع رحلة كاملة لتلك اللحظة.

س - ما الذي يمنحكِ إياه التنوع بين الأجناس السردية على مستوى اللغة وبناء الشخصيات؟

ج - التنوع بين الأجناس السردية يمنح الكاتب مساحة أوسع لاختبار اللغة واكتشاف إمكاناتها المختلفة. فكل جنس أدبي يفرض إيقاعه الخاص وطريقته في بناء الجملة والصورة والمعنى. حين أكتب القصة القصيرة أجد نفسي أميل إلى لغة أكثر تكثيفاً وومضاً، ولغة تعتمد على الإيحاء والاقتصاد في التعبير، حيث تحمل الجملة الواحدة أكثر من طبقة من الدلالة. أما في الرواية فأمنح اللغة نفساً أطول يسمح لها بالتمدد والتأمل، وبالاقتراب من التفاصيل الدقيقة التي تصنع عالم الشخصيات.

هذا التنوع ينعكس أيضاً على بناء الشخصيات. ففي القصة القصيرة تظهر الشخصية غالباً في لحظة مفصلية تكشف جانباً عميقاً من حياتها، بينما تتيح الرواية فرصة مرافقة الشخصية عبر زمن أطول، لنرى كيف تتغير وتتطور مع التجربة. لذلك أتعامل مع الشخصية في الرواية باعتبارها كائناً ينمو ويتشكل تدريجياً، بينما أتعامل معها في القصة كحضور مكثف يضيء لحظة إنسانية محددة.

فالتنقل بين هذه الأجناس بالنسبة لي يشبه الانتقال بين عدسات مختلفة للرؤية؛ عدسة تقترب كثيراً من اللحظة فتلتقط تفاصيلها المكثفة، وعدسة أخرى أوسع ترى المشهد بكامله وتحولاته عبر الزمن. وهذا ما يمنح الكتابة حيوية متجددة ويمنح الكاتب قدرة أكبر على التجريب واكتشاف مناطق جديدة في اللغة والسرد.

س - كيف يمكن قراءة تجربتك السردية ضمن سياق تطور الرواية النسوية في الأدب السعودي المعاصر؟

ج - تجربتي السردية تأتي ضمن سياق الحراك الأدبي الذي تشهده الرواية النسائية في الأدب السعودي المعاصر، هذا الحراك الذي لم يعد يكتفي بطرح قضايا المرأة بوصفها موضوعاً مباشراً، لكنّه بدأ يتجه أكثر نحو تقديم الإنسان في تعقيداته وأسئلته الوجودية داخل المجتمع.

في هذا السياق، أحاول في كتابتي أن أقترب من التجربة الإنسانية للمرأة كتجربة وعي وتحول، لا سرداً لمعاناة أو احتجاج. فالشخصيات النسائية في أعمالي، ومنها شخصية دانة في «البوابة صفر»، تعيش صراعاً داخلياً مع الأسئلة التي يفرضها الواقع الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن مساحتها الخاصة لفهم ذاتها واتخاذ قراراتها.

الرواية النسائية السعودية اليوم قطعت شوطاً مهماً في التنوع والعمق، وأصبحت مساحة لطرح رؤى متعددة للحياة وللعلاقة بين الفرد والمجتمع. ومن خلال تجربتي أحاول أن أساهم في هذا المسار عبر التركيز على التحولات الداخلية للشخصيات، وعلى الأسئلة التي تشكل وعي الإنسان في لحظات مفصلية من حياته.

ويمكن قراءة تجربتي بوصفها محاولة للكتابة عن المرأة باعتبارها إنساناً يعيش تحولات الحياة نفسها بكل ما فيها من ضغوط وأسئلة واكتشافات.

س - ما الموضوعات التي تشغلكِ اليوم ككاتبة وتجدين نفسكِ تعودين إليها باستمرار؟

ج - هناك مجموعة من الموضوعات التي أجد نفسي أعود إليها باستمرار في الكتابة، ربما لأنها ترتبط بالأسئلة العميقة التي تشغل الإنسان في حياته اليومية. من أكثر هذه الموضوعات حضوراً لدي سؤال الهوية والتحول الداخلي؛ ذلك السؤال الذي يظهر حين يجد الإنسان نفسه بين ما نشأ عليه وما يكتشفه لاحقاً عن ذاته والعالم من حوله.

كما تشغلني كثيراً العلاقة بين الفرد والمجتمع، خاصة في اللحظات التي يواجه فيها الإنسان ضغط التوقعات الاجتماعية ويحاول في الوقت نفسه أن يصغي لصوته الداخلي. هذه المنطقة المليئة بالتوتر بين ما نريده لأنفسنا وما يُراد لنا أن نكونه تظل مساحة خصبة للسرد، لأنها تكشف الكثير من التعقيدات الإنسانية.

ومن الموضوعات التي أعود إليها أيضاً الذاكرة وتأثيرها في تشكيل الحاضر؛ فالماضي في كثير من الأحيان لا يظل خلفنا تماماً، تراه يستمر في الحضور بطرق مختلفة داخل قراراتنا ومشاعرنا ورؤيتنا للحياة.

وأكثرما يشغلني في الكتابة هو محاولة الاقتراب من اللحظات التي يعيد فيها الإنسان اكتشاف نفسه، تلك اللحظات التي تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها تحمل تحولات عميقة داخله.

س - كيف تنظرين إلى مشروعكِ الأدبي في السنوات القادمة، وما الأفق الذي تطمحين إلى الوصول إليه؟

ج - مشروعي الأدبي رحلة مستمرة في اكتشاف الإنسان والحياة عبر الحكاية. فالكتابة بالنسبة لي ليست محطة أصل إليها بقدر ما هي طريق أتعلم فيه مع كل تجربة جديدة، وأحاول من خلاله أن أقترب أكثر من الأسئلة التي تشغلني وتشغل الإنسان عموماً.

في السنوات القادمة بإذن الله أطمح إلى أن أواصل تعميق تجربتي السردية، وأن أكتب أعمالاً أكثر نضجاً وجرأة في طرح الأسئلة الإنسانية. يهمني أن تتسع عوالم الكتابة لدي، سواء من حيث بناء الشخصيات أو تنوع التجارب التي أتناولها، بحيث يصبح كل عمل جديد خطوة إضافية في مسار يتشكل تدريجياً.

وأطمح إلى أن تظل كتابتي قادرة على ملامسة القارئ وإثارة التأمل لديه، فالأدب في جوهره تجربة شعورية وفكرية يعيشها القارئ مع النص. لذا أرى أن الأفق الذي أسعى إليه هو أن أكتب أعمالاً تمتلك الصدق الإنساني والعمق الفني، وأن تترك أثراً يبقى في ذاكرة القارئ.

وفي النهاية، أؤمن أن المشروع الأدبي الحقيقي لا يتحدد بعدد الأعمال فقط، إنما بقدرة الكاتب على أن يظل في حالة بحث دائم، وأن يواصل تطوير لغته ورؤيته للعالم. ويظل الطموح والإبداع لا حدود لهما.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم