يشكّل الروائي السعودي يوسف المحيميد أحد أبرز الأصوات السردية في الرواية السعودية والعربية المعاصرة، وقد انشغل مشروعه الإبداعي باستكشاف تحولات المجتمع، ومصائر الإنسان، والعلاقة المعقدة بين المكان والذاكرة والحرية، عبر أعمال حظيت باهتمام نقدي وترجمت إلى أكثر من لغة.

ويأتي هذا الحوار بمناسبة صدور الترجمة الكردية (الكرمانجية) لروايته «الحمام لا يطير في بريدة»، بترجمة ياسين حسين، عن منشورات رامينا في لندن، بالتعاون مع وكالة كلمات السعودية، الوكيل الأدبي للكاتب، وبدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، ضمن مبادرة «ترجم».

ويتزامن صدور الرواية مع استعداد منشورات رامينا لإصدار ترجمة روايته «فخاخ الرائحة» باللغة الكردية، لتتواصل رحلة أعمال يوسف المحيميد إلى القارئ الكردي، ضمن مشروع يهدف إلى تعزيز حضور الأدب السعودي في المكتبة الكردية، وتوسيع آفاق الحوار الثقافي بين اللغتين.

في هذا الحوار، يتحدث يوسف المحيميد عن انتقال أعماله إلى لغة جديدة، وعن المكان بوصفه عنصراً مؤثراً في البناء الروائي، وأسئلة الحرية التي تتردد في نصوصه، كما يتوقف عند تطور تجربته الإبداعية، ورؤيته إلى الترجمة ودورها في منح الرواية حياة جديدة بين قرّاء ينتمون إلى ثقافة مختلفة.

س- وصلت رواية «الحمام لا يطير في بريدة» إلى القارئ الكردي، ويستعد قريباً لاستقبال «فخاخ الرائحة» بلغته أيضاً. ماذا يعني لكم أن تتوالى أعمالكم في لغة جديدة، وأن يتحول مشروعكم الروائي إلى جزء من مكتبة أدبية تنتمي إلى ثقافة أخرى؟

ج - بالتأكيد أن الانفتاح على لغة أخرى وثقافة أخرى هو أمر في غاية الأهمية في تحرّر النص من إطاره المحلي، ليصبح جزءاً من الأدب العالمي، فهو ينتقل إلى قرّاء آخرين، يمتلكون ربكا مخزوناً معرفياً مختلفاً مما يعني إيجاد حياة جديدة للنص، كأنما يُكتب مجدَّداً، بلغة جديدة.

س - تتحرك رواياتكم بين المكان والذاكرة والإنسان، وتقترب من الشخصيات وهي تواجه تحولات المجتمع وأسئلته. كيف تشكلت هذه الرؤية الروائية؟ وهل بدأت من مراقبة الواقع، أم من الرغبة في مساءلته؟

ج - منذ البدايات كنت أراقب شخصياتي وهي في صراع من المجتمع وتقاليده، أطلقها كي تواجه مصيرها لوحدها، أراقبها من بعيد وهي تواجه سطوة الواقع وقسوته، أحياناً أشعر بالإنهاك، فأهرب بها، لذلك كثير من هذه الشخصيات تهرب من المجتمع إما بالانكفاء أو تغيير المكان وليس تغيير الواقع، هذا الانهزام هو نوع حقيقيّ من الاحتجاج الصامت.

س- يحضر المكان بقوة في «الحمام لا يطير في بريدة»، حتى يكاد يتحول إلى شخصية لها تأثيرها في مصائر الأبطال. كيف تنظرون إلى العلاقة بين المكان والإنسان؟ ومتى يصبح المكان بطلاً للرواية؟

ج - المكان في الرواية لا يقلّ أهمّية عن الشخصيات والأحداث، ولا أعني المدن فحسب، وإنما الحي مثلاً، والبيوت، والشوارع، والمشاة، والأنفاس اللاهثة، والمواقف الإنسانية التي ترتبط بصيرورة المكان، هكذا ينهض المكان أحياناً أكثر من الإنسان، بل إن أنسنة المكان هي ما تجعله منافساً قويّاً للإنسان نفسه، ففي روايتي «الحمام لا يطير في بريدة» يحضر المكان بقوة في مدينتين، الرياض وبريدة، ومن خلالهما تتصاعد الحكاية شيئاً فشيئاً، وتنمو الشخصيات، وتبدأ لديها رحلة التحوّل المستمرة.

س - سيقرأ القارئ الكردي «الحمام لا يطير في بريدة» أولاً، ثم يلتقي لاحقاً بـ«فخاخ الرائحة». ما الحوار الذي ترونه قائماً بين الروايتين؟ وأين يلتقيان، وأين يفترقان، داخل مسيرتكم الإبداعية؟

ج - كلاهما تطرحان تساؤلاً مهماً حول الحريات، فمثلاً "فهد السفيلاوي" في رواية "الحمام" ينشد حريته الشخصية في مجتمع ضاغط ومتطفّل، وشخصية السوداني "توفيق" والبدوي "طراد" يبحثان عن حريتهما، ويخشى كلّ منهما هذه الحرية. ويجمع الروايتين الهجرة من المكان، ففهد يهرب إلى قرية إنجليزية صغيرة، وطراد يهرب من المدينة إلى أي بلدة أخرى "بعيداً عن هذا الجحيم" كما وصف المكان الذي يريد الذهاب إليه، إلى موظف التذاكر في المحطة. وتختلفان في بطولة كل منهما، ففي «الحمام لا يطير في بريدة» يسيطر فهد على سير الرواية، بينما يتقاسم «فخاخ الرائحة» ثلاث شخصيات تجمعها أحلام البحث عن الذات.

س - امتدت تجربتكم الروائية عبر سنوات طويلة، وشهدت تحولات في اللغة والبناء والرؤية. لو نظر يوسف المحيميد اليوم إلى روايته الأولى، ما الذي سيجده ثابتاً في مشروعه، وما الذي تغير مع الزمن والخبرة؟

ج - أعتقد أنّ الحذر في التعامل مع اللغة هو الهاجس المستمر في أعمالي، من خلال محاولات التقشّف في الكتابة، والقلق من الترهل والثرثرة في النص، أما ما تغير فمن الطبيعي أن مسافة زمنية نحو ربع قرن بين «لغط موتى» روايتي الأولى، وبين «رجل تتعقبه الغربان»، جعلت الشغف يزداد في تقديم نص روائي مختلف، من حيث اللغة، والبناء أو المعمار الروائي المختلف، والموضوعات الجديدة، والشخصيات التي تبقى في ذاكرة القارئ لزمن أطول. اليوم وأنا أكتب الرواية أكتبها بتلذُّذ ومتعة، أضع الشخصيات في معمل الكتابة، وأترك لها فرصة الرقص على الأوراق فوق طاولة المكتب.

س - حين تترجم رواية إلى لغة جديدة، تنتقل معها الأمكنة واللهجات والعادات والصور الثقافية. هل تؤمنون بأن الأدب قادر على تجاوز الحدود المحلية، والوصول إلى الإنسان أينما كان، حتى لو اختلفت لغته وذاكرته؟

ج - جدّاً، فكما وصلت إلى قلوبنا، وسكنت ذاكراتنا، وتمكّنت منَّا، روايات من أمريكا اللاتينية، ومن اليابان، ومن روسيا وأوروبا، من الطبيعي أو المتوقع أن يشعر القارئ أينما كان بمثل هذه المشاعر تجاه ما نكتب. الكتابة الصادقة، الحميمة، عن مجتمعاتنا وأحلامها وطموحاتها، تجعل النصوص الروائية جواز سفر يتنقل بسرعة بين دولة وأخرى، ومن لغة إلى أخرى.

س - تبدو الترجمة اليوم شريكاً في صناعة الحضور العالمي للأدب. كيف تنظرون إلى حركة ترجمة الأدب السعودي إلى اللغات الأخرى؟ وما المجالات التي ترون أنها تستحق مزيداً من الاهتمام خلال السنوات المقبلة؟

ج - هذا الحراك الذي تشهده المملكة هو حراك إيجابيّ وفاعل، ومنه ترجمة الأدب السعودي، ونقله إلى لغات العالم. هذا توجّه رائع ومؤثر، خاصة إذا صاحبه عناية شديدة في اختيار ما تتمّ ترجمته، وجودة في الترجمة واختيار الناشر الحقيقيّ، الذي يمتلك مكانة جيدة في وطنه ولغته. ما يهمّ في هذا الحراك أن يصل الكتاب فعلاً إلى القارئ الحقيقي، ويحظى بالاهتمام والتفاعل الذي يستحقه.

س- إذا كان القارئ الكردي سيفتح أحد كتبكم للمرة الأولى، ما الرسالة التي تودون أن يحملها معه بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة؟

ج - أن ثمة مجتمعاً متنوعاً ومتطوّراً في هذه البلاد، أن هناك علاقات إنسانية حقيقية وعميقة تجمع أفراده، أن ثمة أرواحاً بشرية طبيعية تحمل في دواخلها الحب والخير والشر والمكائد والخيانة و…و… إلى آخره. أن بين هؤلاء كادحين وضائعين، وكذلك هنالك أثرياء ومستغلّون، عباقرة ومختلَّون، مثله مثل المجتمعات الأخرى، بعيداً عن الصورة النمطية التي كرّسها الإعلام الغربي عن هذه البلاد وأهلها، اقرؤوا الرواية السعودية كي تكتشفوا المجتمع العظيم، المجتمع المكافح بحثاً عن أحلامه الأولى وطموحاته الكبرى.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم