يأتي هذا الحوار مع الروائي السعودي أحمد السماري كوقفة تأملية معمّقة في مسار سردي تشكّل على مهل، وتدرّج من القراءة الطويلة بوصفها خبرة ومعرفة، إلى الكتابة باعتبارها اختباراً للوعي واللغة والتجربة الإنسانية. حوار يبتعد عن الاحتفاء السريع، ويتقدّم نحو مساءلة هادئة لفكرة التكوّن الروائي، وكيف تتبلور الهوية السردية عبر التراكم، والاختيار الجمالي، والإنصات العميق لما يقوله النص من داخله.

يتحدّث السماري عن القراءة كفعل تأسيسي سابق على الكتابة، لا باعتبارها مخزوناً معرفياً فحسب، إنما مختبراً دائماً لاختبار الأساليب والأصوات والرؤى، وعن الرواية كطريقة في التفكير وفهم العالم، لا وعاءً للحكاية فقط. ومن هذا المنطلق، تتشكّل رؤيته للسرد باعتباره مساحة يلتقي فيها الإنسان بالزمن والمكان، وتتقاطع فيها الذاكرة مع التحوّلات الاجتماعية، واللغة مع التجربة الحياتية.

يمرّ الحوار بمحطّات أساسية في مشروعه الروائي، منذ «الصريم» كنقطة انطلاق مشغولة بأسئلة التحوّل القسري، والاقتلاع من المكان، والهشاشة الإنسانية في مواجهة الطبيعة والتاريخ، مروراً بـ«قنطرة» حيث يتعمّق الاشتغال على الزمن، وتعدّد الأصوات، والاقتصاد اللغوي، وصولاً إلى «ابنة ليليت» و«فيلق الإبل» التي تنفتح فيها الكتابة على أفق رمزي كثيف، يستجيب لمنطق الحكاية وأسئلتها الأخلاقية والوجودية، ويمنح القارئ دوراً فاعلاً في التأويل.

كما يتوقّف الحوار عند علاقة النص بالتحوّلات الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي، من دون الوقوع في المباشرة أو التعليق الخارجي، عبر رصد أثر هذه التحوّلات في وعي الشخصيات، وفي علاقتها بالمكان، وبالهوية، وبالذاكرة. ويكشف السماري عن تصوّره للمكان باعتباره عنصراً دلالياً حيّاً، ذاكرةً فاعلة تشارك في تشكيل المعنى، وتؤثّر في مسارات الشخصيات بقدر ما تتأثّر بها.

وفي جانب آخر، يقدّم رؤيته للغة السردية بوصفها توازناً دقيقاً بين الوضوح والكثافة، وبين الإيحاء والانضباط، مع حرص واعٍ على تجنّب الخطابية، وترك المجال للحدث والشخصية كي يكشفا المعنى من داخل التجربة. كما يتناول علاقته بالنقد الأدبي من موقع الحوار والتفاعل، حيث يرى في النقد الجاد قراءة موازية تُغني النص وتفتح له مسارات فهم جديدة.

حوار يفتح كذلك نافذة على أفقه الروائي المقبل، حيث يواصل الاشتغال على الواقعية المجتمعية وسرديات الصراع والتحوّل، ضمن مغامرة فنية أكثر اتساعاً على مستوى البناء والزمن والشخصية، مع انشغال مستمر بالسؤال الإنساني، وبمحاولة التقاط تعقيد اللحظة الراهنة من داخل التجربة، وبصدق يراهن على الأدب بوصفه فعل فهم، ومجال تأمل، ومسؤولية تجاه القارئ والواقع في آن واحد.

س - بعد مسار طويل في القراءة قبل النشر، كيف تشكّلت هويتك الروائية، وما العوامل المعرفية والجمالية التي أسهمت في بلورتها؟ 

ج - القراءة الصبورة ضرورة أساسية للكتابة، وهي مخزون الكاتب، لكنها لم تُشكِّل هويتي الروائية بوصفها قراراً واعياً، بقدر ما جاءت نتيجة تراكم هادئ ومتدرّج. كانت القراءة أشبه بمختبرٍ مفتوح لاختبار الأساليب، والأصوات، والرهانات الجمالية، ووسيلة لفهم ما أستسيغه وما لا أستسيغه من الكتابة. لم أكن أبحث عن تقليد نموذج بعينه؛ جلّ همّي كان الوعي بالنص: كيف يُبنى، وكيف يتنفّس، وكيف يحمل أسئلته وهو كاظم لمعناه، مرتاحاً في سرده.

على المستوى المعرفي، أسهمت قراءاتي الأخرى في التاريخ، والفلسفة، والسرديات الحديثة في توسيع أفق الرؤية، وفي إدراكي بأن الرواية طريقة في التفكير، ووسيلة لفهم الإنسان والزمن والمكان، وكيف تمزجها في حكاية. أمّا جمالياً، فقد كان الانحياز دائماً إلى اللغة المتوازنة، القادرة على الجمع بين الكثافة والوضوح، وبين الشعرية والانضباط السردي، دون الوقوع في المبالغة أو الادّعاء.

ومع الزمن، ومع اختبار الحياة نفسها، بدأت ملامح صوتي تتضح ـ ولله الحمد ـ: اهتمام بالذاكرة، وبالتحوّلات الاجتماعية، وبالإنسان في لحظات هشاشته وقوّته معاً. هكذا تشكّلت الهوية الروائية، باعتبارها أثراً تركته القراءة العميقة، والتجربة الطويلة، والرغبة الصادقة في كتابة نصٍّ يُشبهني، لا قناعاً ألبسه، ويظلّ وفيّاً للقارئ في آنٍ واحد.

س - ما الدافع أو اللحظة الفارقة التي نقلتك من قارئٍ متعمق إلى كاتب يغامر بنشرتجربته السردية في الفضاء الثقافي؟ 

ج - لم تكن هناك لحظة درامية فاصلة، بقدر ما كان هناك إحساس داخلي تراكمي بأن دور القارئ، على عمقه وثرائه، لم يعد كافياً. بعد سنوات من القراءة المتواصلة، ومن العيش داخل النصوص، بدأت تتكوّن فجوة خفيّة بين ما أقرؤه وما أشعر بأنني قادر على قوله بطريقتي الخاصة. كانت تلك الفجوة أشبه بدعوة خفيّة للانتقال من التلقّي إلى الفعل.

الدافع الحقيقي كان شعوراً بأن بعض الأسئلة التي حملتها التجربة الحياتية والقرائية معاً لا تجد لها صدى كاملاً في ما يُكتب، وأن لديّ رؤية ترغب في أن تُختبر سردياً، وتتخطّى الأمنيات المؤجَّلة. جاءت لحظة التقاعد أيضاً بوصفها منعطفاً زمنياً مهماً؛ إذ منحتني فسحة للتأمّل والكتابة دون استعجال أو مساومة، وكأن الزمن أخيراً قد أفسح لي مكاناً لأخوض هذه المغامرة بصدق وهدوء.

وحين قررت النشر، بعيداً عن إثبات الحضور أو دخول سباق أدبي، كان ذلك تعييناً لمسار جديد وخوضاً للتجربة، وقبولاً بالمخاطرة التي تصاحب أي نص يخرج من العزلة إلى العلن. كانت الكتابة بالنسبة لي انتقالاً طبيعياً من القراءة بوصفها حبّاً، إلى كتابة الرواية بوصفها مسؤولية، واختباراً للذات قبل أن تكون اختباراً للمشهد الثقافي.

س - شكّلت رواية «الصريم» مدخلك الأول إلى عالم الرواية؛ ما الهاجس الفكري أوالإنساني الذي انطلقت منه، وكيف تقرأ هذه التجربة اليوم؟ 

ج - انطلقت «الصريم» من هاجس إنساني وواجب وجداني قبل أن تكون مشروعاً روائياً مخطَّطاً له. كان السؤال الأساسي فيها هو سؤال التحوّل: كيف تتبدّل حياة الإنسان حين يُقتلع من سياقه الطبيعي، وكيف يواجه الفرد والمجتمع تحديات الطبيعة وصراع الصحراء مع الحديقة. اشتغلت الرواية على حقبة تاريخية واجتماعية صعبة وسوداوية، لكنني لم أتعامل معها بوصفها مادة توثيقية فقط، إنما بوصفها تجربة بشرية مشحونة بالألم، والوجع، والخسارة، ومحاولات التكيّف مع الأسوأ.

الهاجس الأعمق كان الإنسان في مواجهة التغيّر القسري: علاقته بالمكان، وبالزمن، وبالطبيعة، وبذاته المتحوّلة. لذلك جاءت «الصريم» مشغولة بأسئلة الإنسان المنسي في دهاليز الزمان والمكان، أكثر من انشغالها بسرد الحدث، وبالذاكرة أكثر من انشغالها بالوقائع، وبالهشاشة الإنسانية بوصفها جوهر التجربة، ومتنها وهامشها في آنٍ واحد.

اليوم، وأنا أقرأ «الصريم» بعد مسافة من التجربة، أراها نصاً تأسيسياً في مساري؛ متيقّناً أنه نص غير متكامل أو نهائي، لكنه الأهم لأنه كشف لي مبكراً طبيعة الأسئلة التي سأظل ألاحقها لاحقاً: سؤال المكان، وسؤال التحوّل، وسؤال الإنسان وهو يحاول أن يجد معنى في عالم يتغيّر أسرع من قدرته على الفهم. كانت «الصريم» تمريناً أول على الصدق مع الذات السردية، وما زلت أراها نقطة انطلاق راسخة؛ إذ لا تزال قوة تأثيرها ودفعها تسكن في قلب مشروعي السردي المتواصل.

س - بين «الصريم» و«قنطرة»، ما أبرز التحولات التي طرأت على أدواتك الفنية وبنيتك السردية من حيث اللغة، وبناء الشخصيات، والرؤية؟ 

ج - ما بين «الصريم» و«قنطرة» حدث انتقالٌ طبيعي في الوعي بالأداة السردية، ويمكن وصفه بالتداخل والاشتراك المعنوي بينهما. في «الصريم» كانت الكتابة مشغولة بتثبيت الصوت الأول، وبناء العالم الروائي انطلاقاً من سؤال التحوّل والمكان؛ فجاءت اللغة أكثر ميلاً إلى التوصيف، وإلى مرافقة الحدث في مساره الزمني الواضح. أمّا في «قنطرة»، فقد أصبحتُ أكثر وعياً بالاقتصاد اللغوي، وبترك مساحات صمتٍ للنص كي يقول ما لا يُقال مباشرة.

وعلى مستوى اللغة، اتجهتُ في «قنطرة» إلى استخدام أسلوب تعدّد الأصوات، بخلاف «الصريم» التي كان أسلوب الراوي العليم هو الطاغي في سردها، كما اتجهتُ إلى لغة أكثر كثافة وشفافية في آنٍ واحد؛ لغة تحاول أن تُلمّح أكثر مما تُصرّح، وأن تمنح الجملة طاقتها الدلالية دون إفراط أو تعقيد. وفي بناء الشخصيات، انتقلتُ من التركيز على الشخصية بوصفها نتاجاً مباشراً للمكان والتحوّل، إلى الاشتغال على البعد الداخلي والنفسي للشخصية: وعيها، وشكوكها، وتناقضاتها، وحركتها وردود أفعالها داخل السرد.

أمّا من حيث الرؤية، فقد اتسعت زاوية النظر في «قنطرة» لتشمل سؤال الزمن وتقلباته وتأثيره في الأمكنة، وفي الحياة الاجتماعية، وفي الحالات الإنسانية؛ بين المتن والهامش، وكيف يُعاد تأويل ما يحدث داخل الذاكرة والوعي. ويمكن القول إن «قنطرة» مثّلت خطوة إضافية نحو كتابة أكثر عمقاً، وأقرب إلى مساءلة التجربة الإنسانية من داخلها، لا الاكتفاء بمراقبتها وفهمها من الخارج.

س - في رواية «ابنة ليليت»، بدا الحضور الرمزي أكثر كثافة؛ هل كان ذلك خياراًجمالياً واعياً أم ضرورة فنية فرضها منطق النص؟ 

ج - في «ابنة ليليت» كان الحضور الرمزي مقصوداً بحدّ ذاته، وفي الوقت نفسه استجابة طبيعية لمنطق النص وأسئلته العميقة. منذ البدايات الأولى أدركت أن الحكاية لا يمكن أن تُقال بلغة واقعية مباشرة، لأن ما تُلامسه الرواية يقع في مناطق ملتبسة: بين الظلم والتمرد عليه، بين المباح والمحرَّم، وبين الظاهر والمُضمر. وهذه المناطق بطبيعتها تستدعي استخدام الرمز بوصفه ضرورة فنية ملحّة لإيصال الرسالة والثيمات الأعمق.

وحاولتُ في هذا النص، بتعدّد طبقاته، أن أتيح للقارئ أن يكون شريكاً في التأويل لا متلقياً تقليدياً، مع إبقاء الوعي الجمالي حاضراً في ضبط الرمز حتى لا يتحوّل إلى غموض مفتعل أو استعراض معرفي. واجتهدتُ أن يظل الرمز متجذّراً في السرد، نابعاً من حركة الشخصيات ومن توترها الداخلي، دون مبالغة أو فرضٍ يأتي من الخارج.

يمكن القول إن «ابنة ليليت» هي الرواية التي سمحتُ فيها للغة والرمز أن يقودا السرد، لا أن يُقادا به. وهذا الاختيار — أو الضرورة — كان جزءاً من نضج التجربة، ومن الرغبة في اختبار حدود جديدة للكتابة، دون التخلي عن الإنسان بوصفه مركز الحكاية ومحورها.

س - تم اختيار «ابنة ليليت» لتكون منطلقاً لعمل فني؛ كيف استقبلت هذا التحول، وما العناصر الجمالية أو الدلالية التي تعتقد أنها جذبت القائمين على هذاالاختيار؟ 

ج - استقبلتُ هذا الاختيار بشيءٍ من الامتنان والتقدير والحذر في آنٍ واحد؛ الامتنان لأن انتقال الرواية إلى فضاء فني آخر هو اعتراف ضمني بقدرتها على تجاوز الورق، والحذر لأن كل انتقال من جنسٍ إبداعي إلى آخر يحمل معه أسئلة جديدة تتعلّق بالاختزال، والتأويل، وإعادة البناء. كنت واعياً منذ البداية بأن الرواية، بوصفها نصاً أدبياً، تمتلك استقلالها، وأن العمل الفني ليس نسخةً منها، هو قراءة أخرى لها بلغة مختلفة.

وأعتقد أن ما جذب القائمين على هذا الاختيار هو كثافة البنية الدلالية في «ابنة ليليت»، وجرأتها في مقاربة موضوعات حسّاسة عبر الرمزية ومراحل تشكيل الشخصية، إضافة إلى حضور شخصية نسوية مركّبة تتحرّك في مساحة صراعية غنية بالبعد النفسي والدرامي. كذلك، فإن اشتغال الرواية على الأسئلة الوجودية، وعلى التوتر بين السلطة والحق، وبين الفرد والمنظومة، يوفّر مادة خصبة للمعالجة البصرية والسينمائية.

وبالنسبة لي، لا أرى هذا التحول نهاية لمسار الرواية، لكن أعتبره امتداداً لها في فضاء آخر. المهم أن يُحافظ العمل الفني على روح الحكاية، بعيداً عن تفاصيلها الحرفية، وأن يُقدّم قراءة صادقة تحترم جوهر التجربة الإنسانية التي انطلقت منها الرواية، حتى وإن اختلفت أدوات التعبير ومسارات السرد.

س - إلى أي مدى تتقاطع أعمالك الروائية مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع السعودي، وكيف ينعكس ذلك سردياً؟ 

ج - التحولات الاجتماعية والثقافية في السعودية خاصة، وفي العالم العربي عامة، تمثّل مناخاً عاماً يتسرّب إلى السرد من خلال الشخصيات، واللغة، وبنية العلاقات داخل النص. والمجتمع السعودي يعيش تحوّلات عميقة ومتسارعة، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك في الرواية؛ لا عبر الخطاب والتعليق المباشر، لكن عبر تمزّق الأسئلة التي تعيشها الشخصيات، وحيرتها، ومحاولاتها للتكيّف أو المقاومة.

في أعمالي، يظهر هذا التقاطع في رصد التحوّل في علاقة الإنسان بالمكان، وفي تصدّع اليقينيات القديمة، وفي إعادة تعريف مفاهيم مثل السلطة، والهوية، والحرية، والانتماء. وهذه التحوّلات لا تُقدَّم بوصفها خلفية زمنية محايدة، لكنّ أستخدامها بوصفها قوة ضاغطة تُعيد تشكيل الوعي الفردي والجمعي معاً. لذلك تأتي الرواية مشغولة بالنتائج الإنسانية لهذه التحولات أكثر من انشغالها بتوصيفها الخارجي.

سردياً، ينعكس ذلك في اختيار لحظات مفصلية، وفي بناء شخصيات تعيش على الحد بين ما كان وما يتشكّل، وفي لغة تميل إلى التأمل والتفكير لا إلى التقرير. فالرواية، في تصوّري، عدسة تُعيد ترتيب المشهد، وتمنح القارئ فرصة لفهم التحوّل من الداخل، عبر التجربة الإنسانية، بعيداً عن الشعارات الإعلامية أو نشرات الأخبار الجافة.

س - كيف تشتغل على المكان في رواياتك: بوصفه فضاءً للأحداث أم عنصراً دلالياً فاعلاً في إنتاج المعنى وبناء الرؤية؟ 

ج - المكان في رواياتي يُعدّ مسرحاً للأحداث، وهو في الوقت نفسه كيان دلالي حيّ يشارك في إنتاج المعنى وتشكيل الرؤية. أتعامل معه بوصفه ذاكرة متراكمة، وحاملاً لصوتٍ خفيّ يؤثّر في الشخصيات بقدر ما تؤثّر هي فيه. فالمكان عنصر سردي مهم، لا تقتصر وظيفته على احتضان الحدث، إنما يمتدّ إلى المواجهة أحياناً، وإلى التقييد في أحيان أخرى، كما يكشف تناقضات الشخصيات ومساراتها.

وأحرص على أن يكون للمكان أثر نفسي وثقافي واضح؛ فالأزقة، والصحراء، والمدن، والعتبات الانتقالية، هي علامات سردية تعبّر عن حالات العبور، أو الانكسار، أو التوق إلى الانتماء. لذلك يتحوّل المكان إلى مسرح مفتوح للداخل الإنساني، وإلى وسيط بين الذاكرة الفردية والوعي الجمعي.

ومن هنا، يصبح الاشتغال على المكان جزءاً من بناء الرؤية الكلّية للرواية. فاختيار المكان هو في جوهره اختيار لزاوية النظر إلى العالم، وهو ما يمنح النص نبرته الخاصة وإيقاعه الداخلي. وحين يكون المكان فاعلاً، لا يكتفي القارئ بتتبّع الحكاية، يصبح يعيشها في فضائها، ويصغي إلى ما يقوله الصمت والظل والفراغ بقدر ما يصغي إلى الكلمات.

س - كيف تحافظ على التوازن بين البساطة اللغوية وعمق الدلالة من دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية، خصوصاً عند معالجة قضايا فكرية؟ 

ج - البساطة والمباشرة، بالنسبة لي، ليستا نقيض العمق، ربما قد تكونان شرطه الأول؛ إذ لا يمكن للفكرة أن تبلغ أثرها الإنساني إذا جاءت مثقلة بالتعقيد، أو محمولة على خطاب مباشر وساذج. لذلك أحرص على أن تكون الجملة واضحة في سطحها، لكنها قابلة للتأمل في عمقها، وأن تنبع الدلالة من السياق السردي بعيداً عن التصريح المكشوف.

وعند معالجة القضايا الفكرية، أترك للشخصيات أن تعيش أسئلتها بدل أن تُعلنها، وللحدث أن يكشف المعنى لا أن يقوم بشرحه. أؤمن بأن الرواية تفقد طاقتها حين تتحوّل إلى منبر، وتستعيد قوتها حين تصبح تجربة. ويتحقق هذا التوازن عبر الانتباه إلى الإيقاع، وإلى ما يُقال وما يُحجَب، وإلى المسافة الدقيقة بين الإيحاء والوضوح.

كما أن المراجعة الصارمة للنص تلعب دوراً أساسياً في هذا التوازن؛ فكل جملة أسألها: هل تخدم السرد أم تفرض رأياً؟ هل تفتح أفقاً أم تغلقه؟ بهذه الأسئلة أحاول أن أحمي اللغة من الخطابية، وأن أُبقيها وفيّة لوظيفتها الأولى: أن تقود القارئ إلى التفكير، لا أن تفكّر عنه.

س - أخيراً، كيف تقرأ المشهد الروائي السعودي الراهن وعلاقتك بالنقد الأدبي، وما ملامح المشروع الروائي الذي تتجه إليه في المرحلة المقبلة؟ 

ج - أقرأ المشهد الروائي السعودي الراهن بوصفه مشهداً في طور النضج والتعدّد، بحسبي أنه تجاوز طور التأسيس. ثمة أصوات جديدة تكتب بجرأة، وتجارب تتقدّم بثقة نحو مساءلة الذات والمجتمع، وتنوّع لافت في الموضوعات الروائية، مع تبنّي أساليب جديدة ومقاربات أكثر انفتاحاً. وما يميّز هذا المشهد اليوم أنه لم يعد أسير ثيمة واحدة أو سؤال واحد؛ فقد صار مفتوحاً على أسئلة الهوية، والتحوّل، والذاكرة، والإنسان في علاقته بالعالم، وهو ما يمنحه حيوية حقيقية وقابلية للتطوّر.

أما علاقتي بالنقد الأدبي فأراها علاقة حوار لا خصومة. أقدّر النقد الجاد الذي يشتبك مع النص من داخله، ويقرأه في سياقه الجمالي والفكري، لا بوصفه حكماً نهائياً، ولا أنه أفقاً للفهم. فالنقد، حين يكون عميقاً ومنصفاً، يساعد الكاتب على رؤية نصّه من زوايا لم ينتبه لها، ويُسهم في تطوير الوعي بالأداة دون أن يفرض وصاية على التجربة.

وفي المرحلة المقبلة، أتجه نحو مشروع روائي جديد وفكرة مبتكرة مختلفة عن ماسبق ولكنها تبقى في مجال الاشتغال على الواقعية المجتمعية، وسرديات الصراع الفئوي، لكن بأفق أوسع، وبمغامرة فنية مختلفة على مستوى البناء والزمن والشخصية. ما يشغلني هو تعميق السؤال الإنساني، والبحث عن أشكال سردية أكثر قدرة على التقاط التعقيد والمتناقضات الذي نعيشه اليوم، دون التفريط في وضوح الرؤية أو صدق التجربة. والمشروع القادم ليس قفزة خارج المسار، سأحاول قدر استطاعتي أن يكون امتداداً واعياً له: يذهب أبعد قليلاً في طرح الأسئلة، ويترك للقارئ مساحة أرحب للتأمل والمشاركة.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم