الرواية نت - لندن

تؤكّد الروائيّة الكردية السورية أفين أوسو أنّ الحكايات التي كانت تسردها جدتها ليلاً نقلت لها ذاك الأدب الشفهي عن قصص عشاق الكرد، وحرّضت لديها الرغبة في السؤال والاكتشاف.. كما تؤكّد على أنّ الحكايات عبارة عن جزء من شغفنا للحياة..

تلفت مبدعة "أرواح تحت الصفر" في حوارها مع الرواية نت إلى أن أمر الرقابة مضاعف مئات المرات لدى الكاتبة، على عكس الكتاب الرجال، وتعزو ذلك إلى أنّ هذا عائد إلى أنّ معظم مؤسسات الرقابة المادية والنفسية بيد الرجل في الشرق.. وتقول بجرأة الروائية التي تقتحم غمار المحظورات المفروضة عليها: أن تكتب امرأة شرقية رواية يعني تماماً فكرة "المشي في حقل ألغام".

أفين أوسو (1991)، وهي ابنة مدينة عفرين السورية، وتقيم في ألمانيا، كانت طالبة جامعية في كلية الأدب والعلوم الإنسانية في حلب قسم اللغة الفرنسية ولم تكمل دراستها بسبب الحرب؛ وقد بدأت الدراسة من جديد في ألمانيا.

تكشف أفين أوسو في هذا الحوار جانباً من انشغالاتها في عالم الرواية والأجدب، إلى جانب بعض آرائها في النقد والرقابة وبعض التفاصيل الأخرى..

-كيف تقيّمين تجربتك مع القراء؟

غياب القارئ يعني بطريقة ما غياب الكاتب، العلاقة بين الاثنين هي علاقة وجودية بشكل أو بآخر. القارئ النهم والحاذق يساهم في تحسين مستوى الكتابة؛ يحرّضك لتعيد التفكير بما قد كتبت.

أنت تنصهر في ما تكتب ليأتي القارئ ويخرجك من شوائب أفكارك؛ تجربتي البسيطة هذه شرعت أمامي أبواباً مع قراء تحولوا إلى أصدقاء حقيقيين؛ أؤمن بأن عالم الأدب كبير وشاسع هو ليس باباً صغيراً مفتاحه عمل أدبي وحيد ويتوّج في مملكته؛ لذا من قرأ كتابي هو شريكي في الألم وهو الكتف الذي أسندت عليه لأنهض واليد التي صفقت لمحاولتي.

 - ما أهم الأعمال الروائية التي أثرت في تجربتك الإبداعية؟ 

ثمة الكثير من الأعمال التي أثرت في نفسي بالدرجة الأولى، قراءة الكثير من الروايات تدفع الشخص للحصول على لوحة ضخمة في مخيلته، لوحة مفتوحة على آلام وتجارب الآخرين، ربما سعيتُ وراء اكتشاف موضع الألم في ذاكرتي من خلال تلك التجارب التي قرأتها أولاً، وثانياً في خلوتي وأنا طفلة على سطح خزان الماء في القرية ذاك المبنى المتهالك الذي يحاذي جبل ليلون ويطل على ساحة القرية وسهولها؛ مشهد الراعي ونغم صفيره للخراف وتلك القروية التي ترمي بدلوها للبئر؛ تجمعات النسوة حول العطار لتفحص بضاعته؛ الفلاح يحرث الأرض وكل تلك المشاهد مازالت توقفني عند معنى من نكون نحن.

أحدهم قال: "كن قارئاً قبل أن تكون كاتباً". وأنا أقول تأمل ذاتك وما يحوم حولك لتشعر بالآخر فتكتب عنهم ولا تكتفِ بقراءتهم في الصفحات.

- ما الرواية التي تتمنين لو كنت مؤلفها؟

أقرأ كوني قارئة، أي أنني لحظة قراءة عمل ما يكون هاجسي الأول والأخير هو البحث عن الجمال والمتعة فيه.

لذلك لن أتمنى أبداً أن يكون اسمي موجوداً على كل ما هو جميل لي ولغيري، ربما لو فكرت على هذا النحو لفقدت متعة القراءة ودخلت في دوامة التملك، تملّك كل ما هو جميل، الأمر الذي يجعل الإنسان جندياً يسعى للحصول على الشيء وليس الاستمتاع به.

هل من رواية تندمين على كتابتها أو تشعرين أنك تسرعت في نشرها؟ ولماذا؟

أجد نفسي غريبة أمام هذا السؤال؛ لي تجربة واحدة حتى اللحظة، ومتلهّفة لأعرف فيما بعد لمعرفة هذا العالم، عالم الندم والشعور بعدم الرضى والتسرع، هذا يتوقف على الزمن، ربما بعد أن أنجز العديد من الروايات.

كيف تجدين مستقبل الرواية في عالم متسارع يمضي نحو ثقافة الصورة؟

يمكن بكل الأحوال أن تتداخل مجموعة فنون داخل الرواية الواحدة، فالكثير الكثير من الروايات استند على ماهية الصورة داخل العمل، حتى قبل هذه الثورة البصرية، إن صح التعبير، أي بطريقة ما، يمكن ومن خلال الكتابة إيجاد الحلول التي تحمي الكتاب من عالم تكاد تكون الصورة فيه سمته العامة. بتصوّري، لا يوجد خوف على الكتاب، لأنّه المحرك الرئيس الذي يصنع حركة الصورة في العالم، ولا سيما أن كل صورة هي بالأصل وصف مدوّن في عقل الكاتب.

كيف تنظرين إلى واقع النقد في العالم العربي؟

حركة النقد منتمية إلى التخبطات السياسية والاجتماعية الموجودة في كامل الشرق، أي أنها هي أيضاً صارت تُخضع لمجموعة كبيرة ومعقدة من الأسباب والغايات، لذلك، ليس غريباً أن يكون النقد على هذا النحو؛ صار النقد في الكثير من الأحيان بمثابة سيف بيد محارب وليس منجلاً في يد فلاح.

إذا تم إسقاط أو تواري اسم كاتب عن عمله و تداول نتاجه في الوسط الأدبي سنجد تفاوتاً ملحوظاً في الآراء؛ حين ننفض عن القارئ شوائب المنطقية والحزبية والعشائرية وحتى قدسية العلاقات الشخصية.

إلى أيّ حدّ تعتبرين أنّ تجربتك أخذت حقها من النقد؟

لم ألتفت إلى هذا الأمر، كنت قد تركته للزمن القادم، كُتاب عظماء يعانون من هذا التقصير فما زال باكراً علي أن ألتفت لهذا الأمر، إلا أنني أعتبر رأي قارئ بكتابي أكثر دفئاً وأقرب إلى قلبي من مقالة "نقدية"، خاصة في عالم التكنولوجيا بات الكاتب على صلة مع القارئ الذي يشهر رفضه أو قبوله للعمل فيتحسس بذلك أثر عمله على المتلقي بشكل مباشر دون ترقب الصحف والمحررين.

كيف تجدين فكرة تسويق الأعمال الروائية، وهل تبلورت سوق عربية للرواية؟

حسب مجموعة أحداث، يمكن استنتاج أن سوق الكتاب في العالم العربي كان فقيراً في القسم الخاص بالروايات المكتوبة باللغة العربية، إلى أن تغيّر الواقع من خلال مجموعة جوائز مهمة للغاية ساهمت في الاهتمام بالرواية العربية وتسويقها، يمكن القول بأن هذه الجوائز دفعت القارئ العربي إلى متابعة معظم الروايات الفائزة والتي تصل إلى القوائم الطويلة والقصيرة، وصار يوم الإعلان عن جوائز الرواية بمثابة مهرجان لدى الكثير من القراء، حتى أن دور النشر تهمّ بإصدار طبعات متعددة لمجموعة روايات خلال أشهر قليلة. يمكن الاستنتاج أن الرواية العربية صنعت سوقاً لها على حساب كتب الأجناس الأخرى كالشعر الذي كان ديوان العرب، وغيره، وهذا جليٌّ حتى في كلمات معظم مدراء دور النشر: "لا أحد يشتري كتب الشعر، معظم القراء يشترون الروايات".


 هل تحدّثيننا عن خيط البداية الذي شكّل شرارة لأحد أعمالك الروائية؟

بدايتي حيث جدتي وقريتي؛ الحكايات التي كانت تسردها ليلاً وأنا أتمعن في السماء وأشاهد كيف تسقط الجثث نجمة إثر نجمة؛ نقلت لي ذاك الأدب الشفهي عن قصص عشاق الكرد كيف فارقهم الموت؛ فأسألها بحماس طفولي وهل الحب يعني الموت؟ فتتركني لأتخبط في التساؤلات وأغفو من اللهاث وراء هذا العالم الشاسع. ذاك المشهد لسبعة أيائل تلحق بظبية ذهبية أبعدها عنهم أيل مكسور القرن، الذي رأته خجه فانسابت دموعها على سيامند وهي ترى في المشهد كما لو هي الظبية وإخوتها أيائل؛ ذاك التشبيه المؤلم حرض خيال طفلة للتنقيب عن مكمن الألم بالسرد؛ أذكر أول محاولتي لكتابة رسالة هو لله ووضعته كما كانت تفعل إحداهن في مزار الشهيد في القرية وفيه كتبت "من نحن وأين نحن" وبعد ذلك اكتشفت بأن ساعي البريد ليس الشهيد إنما عشيق الفتات الذي تكتب له جاء أخذ رسالتها وترك رسالتي هناك تصارع الريح.

الأغاني التي كانت ترددها جدتي ونحن نلملم في برد الشتاء حبات الزيتون لتحثنا على النشاط علمتني بأن الحكايات تثير من شغفنا للحياة؛ وهذا ما دفعني وبقوة لعالم القراءة.

إلى أيّ تلعب الجوائز دوراً في تصدير الأعمال الروائية أو التعتيم على روايات أخرى؟

الجوائز ككل شيء في الحياة لها جانب مظلم وآخر مشرق فهي ترفع النقاب عن كتاب منسيين في القاع رغم إبداعهم وتحرض القراء لسبر غور الأعمال التي تم ترشيحها ولكن للأسف تدفع بالمبدع والكاتب على حد سواء للتسارع في طباعة إنتاجاتهم لينسح له الوقت بالتقدم إلى الجوائز بشكل دوري والانشغال بذلك عن تقديم عمل مميز يساهم في طرح أسئلة وجودية كونية وأعمال إبداعية، ليأخذ من قلمه إزميلاً لينحت في عالم الشهرة والترويج لا أكثر.

كيف تجدين واقع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى؟

للأسف لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال، لأنني لست مطلعة من اللغات الأجنبية سوى على الألمانية، ربما نحتاج إلى عون المهتمين والمترجمين للإجابة هنا.

يعاني المبدع من سلطة الرقابة خاصةالاجتماعية والسياسية والدينية ( إلى أي درجة تشعرين بهيمنتها على أعمالك؟ وهل تحدّ من إيصال رسالتك الإبداعية وهل أنت مع نسف جميع السلطات الرقابية؟

بكل تأكيد أمر الرقابة مضاعف مئات المرات لدى الكاتبة، على عكس الكتاب الرجال، بتصوّري هذا عائد إلى كون معظم مؤسسات الرقابة المادية والنفسية بيد الرجل في الشرق، أن تكتب امرأة شرقية رواية يعني تماماً فكرة "المشي في حقل ألغام".

الرقابات ترسم خطوط رواية المرأة شئنا أم أبينا، هي التي تحدد الطرق التي تسير من خلالها شخصيات العمل ومصائرها. الأمر بالنسبة لدي يأخذ مساراً آخر، أجد مشقة في سبيل التعبير لغوياً على ظل الصورة وليس الصورة بحد ذاتها؛ انحدرت من عائلة بسيطة كانت تردد كلمة (عيب) بشكل شبه يومي إلى درجة كنت عن نفسي لا أستطيع سماع أغنية غرامية أو تردد كلماتها في حضور والدي وإلى اليوم ظل هذا الجدار منيعاً في أمور كثيرة، فكيف لي أن أخرج من ذاتي وأكتب بكل أريحية ما يحتاجه المشهد النصي من جرأة. كنت أحرص على دفاتري التي أكتب عليها نصوص وقصائد خجلاً من عين تقع على سطورها.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم