الرواية نت - لندن

يعتبر الروائي المصري شادي لويس أنّه محظوظ أنّه يعيش في الخارج، وأنّ هناك معاناة من قبل دور النشر والكتاب في مصر من الكثير من التهديدات..

يصرّح صاحب "على خطّ جرينيتش" في حواره للرواية نت بأنّ التفكير في مستقبل الرواية لا يثيره، قدر قلقه على مستقبل العالم نفسه، ويقول إنّه يظن بأنّ الرواية باقية أو صور مستقبلية منها ستبقى طالما بقي العالم.

يعلن شادي لويس في حواره عن بعض آرائه في قضايا أدبية وحياتية عديدة بجرأته المعهودة..

- كيف تقيّم تجربتك مع القراء؟

لا أعرف في الحقيقة، يمكنني أن أطلع على تقييمات القراء لأعمالي على موقع "غود ريدز"، وكما هو متوقع، بعضها جيد جدا وبعضها محبط جدا، هذه ميزة أو لعنة لم ينلها الكتاب في الماضي. وبشكل عام لا يهمني كثيرا مضمون هذه التقييمات، بقدر ما يدفعني لها بعض من الفضول أو ما توحي به بعلاقة ما بيني وبين كتابها، علاقة معكوسة يكون فيها الكاتب قارئا أو متلصّصا، ويرى نفسه في أعين الآخرين، علاقة ثلاثية، بين الكاتب والقراء والعمل، يشوبها الكثير من التردد وسوء الفهم والتواطؤ وربما الغيرة. مرة كتب لي أحد القراء إنه اكتشف من وشى بالبطل في روايتي الأولى، "طرق الرب"، وحذرني منه. وأشعرني هذا بكثير من الامتنان، لا يمكن أن ينتظر الكاتب من القراء عناية أكبر من هذه، خاصة حين يتهاوى أمامهم الفرق بين الواقع والخيال.

- ما هي أهم الأعمال الروائية التي أثرت في تجربتك الإبداعية؟

كل الروايات التي قرأتها، جيدة أو سيئة، أثرت فيّ بشكل أو بآخر. الحقيقة لا أستطيع التفريق بينها، لديّ ذاكرة ضعيفة جدا، وغالبا ما أنسى عنوان الكتاب بعد أن أنتهي من القراءة وأحيانا أثناءها. أعتقد كل كتاب يترك وراءه انطباعا ما، صحيح غير واضح المعالم لكن يصعب محوه.

أيضا ذائقتي تتغير مع الوقت، قبل عامين كنت ميالا لأعمال "فيليب روث"، وبالأخص وأنا أكتب روايتي الأولى، "طرق الرب". بعد هذا كنت مشغولا أكثر بالعودة إلى أوسكار وايلد، وكان لحسّه الساخرة أن يلهمني وأنا أكتب "على خط جرينتش". ومنذ مطلع العام الماضي، وأنا أقضي وقتا طويلا في قراءة روبيرتو بولانيو، بدأ الأمر برواياته، ثم قصصه القصيرة فشعره، ولاحقا حواراته ومقالاته الصحفية، وأخشى أن الأمر يأخذ طابعا هوسيا الآن. ولازمتني روايته "حلقة الجليد" وأنا أكتب روايتي الثالثة "تاريخ موجز للخليقة وشرق القاهرة" (قيد النشر). ولي أن أستشهد ببولانيو هنا: "الإعجاب بكاتب شيء جيد، أما التأثر به فليس كذلك". الآن بدأت في قراءة بعض من الروايات اليابانية، ولا أعرف إلى أين سيقودني هذا بعد.

- ما الرواية التي تتمنى لو كنت مؤلفها؟

أحب "دون كيشوت" جدا، ضحكت بشدة حين قرأتها لأول مرة، ولازلت أضحك بسببها حتى الآن، غالبا ستكون هي الرواية التي كنت سأتمنى لو كتبتها، لكن هناك أيضا قائمة طويلة بمئات من الروايات التي أحببتها بنفس القدر ولا أتذكر عناوينها أو أسماء مؤلفيها، أو أتذكر بعضا منها فقط، وفي الأغلب بشكل خاطئ.

- هل من رواية تندم على كتابتها أو تشعر أنك تسرعت في نشرها؟ ولماذا؟

"طرق الرب" روايتي الأولى، فضيحة حقيقية، لكن الندم عاطفة غير مفيدة بالمرة، أحاول النسيان، وهذا سهل جدا لشخص مثلي، ذاكرته ضعيفة لحسن الحظ.

- كيف ترى مستقبل الرواية في عالم متسارع يمضي نحو ثقافة الصورة؟

هذه الأيام، لا يثيرني التفكير في مستقبل الرواية، قدر قلقي على مستقبل العالم نفسه. أظن الرواية باقية أو صور مستقبلية منها ستبقى طالما بقي العالم. التلفزيون لم يمحُ السينما كما ظن البعض، ولا السينما المسرح، ولا الفوتوغرافيا الرسم. الأدب المكتوب يمنح قارئه شيئا لا تمنحه فنون الصورة، ببساطة وعلى وجه التحديد ميزته أنه بلا صورة، هذا العمى، أو الظلام هو ما يطلق الخيال للقارئ ليجسد ويتصور، ليمد يديه ويتحسس عالماً متوارياً، ساحة شاسعة من الحرية والمشاركة والندية يتمتع بها القراء في بناء رواية وهم يطالعونها.  

- كيف تنظر إلى واقع النقد في العالم العربي؟

في العالم كله انسحب النقد إلى النطاق الأكاديمي، في الجامعات والمؤتمرات الأكاديمية والدوريات شديدة التخصص، في الغرب تقدم الجرائد والصحف عروض ومراجعات للكتب، والأمر بالمثل عندنا. الملحوظ هو تراجع الصحافة الثقافية في العالم العربي، تغلب مقالات الرأي على الحوار أو التغطية أو المراجعات. اليوم نقابل ظاهرة جديدة كليا، وهو قيام القراء أنفسهم وبشكل مباشر بتقييم الكتب على مواقع التواصل الاجتماعي وموقع "غود ريدز"، ويعتمد الكثير من القراء على تلك التقييمات في اختياراتهم، هذه ظاهرة لازالت في طور التشكل عندنا، ونحتاج بعض الوقت لنتمكن من فهم أبعادها بالكامل، لكن في كل الأحوال، لم يعد أحد ينتظر رأي النقاد.

- إلى أيّ حدّ تعتبر أنّ تجربتك أخذت حقها من النقد؟

كنت محظوظاً جدا، أكثر من اللازم، فيما يخص التغطية الصحفية لرواياتي الأولى، وبشكل أقل الثانية. أما النقد بمعناه الكلاسيكي فغير موجود.  

الحياة غير عادلة بشكل عام، وهي لا تتعمد هذا، لكن يتداخل فيها الكثير من العشوائية والحظ والنحس. وعلى الكاتب أن يقبل بكل هذا قبل أن يُقبل على الكتابة، أو ربما بعدها.

- كيف تجد فكرة تسويق الأعمال الروائية، وهل تبلورت سوق عربية للرواية؟

هناك أسواق، وليس سوقا واحدا، ولكل مستوى من الكتابة جمهور بعينه، وهناك حالة من الانتعاش في الإقبال على الروايات تحديدا. لكن لايزال السوق صغيرا، ولا يمكن سوى عدد قليل من الأسماء من امتهان الكتابة بشكل كامل وتتفرغ لها.

- هل تحدّثنا عن خيط البداية الذي شكّل شرارة لأحد أعمالك الروائية؟

خيط البداية لرواية "على خط جرينتش" كانت مكالمة من صديق في القاهرة قبل عدة أعوام، طلب مني المساهمة في دفن شاب سوري مات فجأة وحيدا في لندن. وكانت هذه المكالمة هي مدخل الرواية، كل شيء بعد الصفحة الأولى مختلق. لكن الانطباع الثقيل الذي تركته تلك المكالمة هو ما لازم الرواية حتى نهايتها.

- إلى أيّ حدّ تلعب الجوائز دوراً في تصدير الأعمال الروائية أو التعتيم على روايات أخرى؟

الجوائز لها دور مهم في تعريف القراء بالكتاب الفائزين، وفي بعض الأحيان تمنح الكاتب القليل أو الكثير من الشعور بالجدوى، معنويا وماديا. لكن والأهم، الجوائز تعلمنا درسا ما بخصوص القدر، درسا قاسيا في الحقيقة ومؤلم، لكن لابد منه. الجوائز عندنا، كما في كل مكان آخر، للأسف لا يمكن منحها لجميع الأعمال المتميزة، في الأغلب أمام كل رواية فائزة عن استحقاق هناك عشر روايات أخرى كان تستحق ولم يحالفها الحظ. بل أنا موقن أن هناك العشرات من الروايات الرائعة لن تجد من ينشرها أصلا، دعك من أن تفوز بجوائز.

الحياة غير عادلة بشكل عام، وهي لا تتعمد هذا، لكن يتداخل فيها الكثير من العشوائية والحظ والنحس. وعلى الكاتب أن يقبل بكل هذا قبل أن يُقبل على الكتابة، أو ربما بعدها. وهذه فائدة الجوائز الأهم، أن تعلم الكتاب الاعتياد على خيبة الأمل.

- كيف تجد واقع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى؟

ما قلته عن الجوائز ينطبق على الترجمة. الترجمة إلى الإنجليزية هي الأهم، هي البوابة إلى بقية اللغات الأوروبية والقليل جدا من اللغات غير الأوروبية. وفي النهاية المترجمون النشطون في سوق الترجمة إلى الإنجليزية يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة. يستلزم الأمر الكثير من حسن الحظ، ليتحمس واحد منهم لقراءة رواية دون غيرها، وبالطبع لن يستطيع أن يترجم كل ما يعجبه. ويأتي بعد ذلك قرار دور النشر التي يعنيها مدى إمكانية تسويق رواية ما للمستهلك الغربي، ويعتمد هذا معظم الوقت على جاذبية الموضوع، أو الصنف الروائي، ومدى حضور منطقة من العالم العربي بعينها أو ما يجري فيها في وسائل الإعلام الغربية. يعتمد الأمر هنا أيضا على بعض الحظ وقليل من العلاقات الشخصية وكثير من العوامل الأخرى، التي حين تتقاطع، يصبح الأمر كمصفوفة معقد لنظرية الاحتمالات، أو لعبة الروليت، أو بشكل أدق كالحياة نفسها. يعني ببساطة مثلا، لو اندلعت حرب أهلية في بلدك، فرصك في الترجمة تكون أعلى. لكن بكل حال، تبدو حركة الترجمة هذه الأيام أنشط من الماضي، وخاصة وهناك اهتمام أكبر بالروايات المعاصرة والكتاب جدد.

- يعاني المبدع من سلطة الرقابة خاصة (الاجتماعية والسياسية والدينية) إلى أي درجة تشعر بهيمنتها على أعمالك؟ أو الحد من إيصال رسالتك الإبداعية، وهل أنت مع نسف جميع السلطات الرقابية؟

تعاني دور النشر والكتاب في مصر من الكثير من التهديدات، لدينا كاتب سجن بسبب رواية، وناشر نال حكما أمام محكمة عسكرية بسبب كتاب منشور بالفعل. لكنني محظوظ في هذا الشأن، أقيم في الخارج، ولذا لا أشعر بتهديد مباشر (وهذا شعور أناني بالتأكيد)، أما الناشرون الذين تعاملت معهم، فلا يبدو أن تلك الظروف الصعبة تعوقهم كثيرا، أو على الأقل يتصرفون بكثير من الجرأة، أو ما يمكن أن نسميه تهورا.

- ما هي رسالتك لقرّائك؟  

أكاد أعرف قرائي جميعا بشكل شخصي (عددهم ليس كبيراً لأكون صادقا) نتبادل الرسائل بالفعل على الفيسبوك، ولدى بعضهم آراء قوية بخصوص ما أكتب، وفشلت في أن أزحزحهم عنها، توقفت عن المحاولة منذ وقت طويل. أعتقد أنّه مضى الوقت الذي كان يحمل فيه الكتاب رسائل للقراء، أو يحتاج لأن يقولها خارج أعماله.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم