اذهبوا من هنا، ابتعدوا، ارحلوا، لا أريدكم حولي، أيّها الأغبياء! أنتم لا تعلمون شيئاً عمّا أواجهه الآن، ليس لديكم أدنى فكرةٍ عن شدّة المسألة وهولها، تجربةٌ مخيفةٌ، رهيبةٌ، ماضيةٌ وحادّةٌ، أمضى من حدّ السيف. السبب أنّها تحدث لأوّل مرّة، وآخر مرّة، وهل يموت الإنسان مرّتين؟ من الطبيعيّ أن تكون تجربة النزع الأخير على فراش الموت تجربةً متفرّدةً لا يستطيع المرء تكرارها، وحتّى لو كانت تتكرّر لما أراد أيٌّ منّا فعل ذلك ثانيةً، شيءٌ شبيه بتجارب الذهاب لطبيب الأسنان أو التعرّض لفحص الجهاز الهضميّ بالمنظار بالتخدير الموضعيّ. تجاربُ يفزع أيّ شخصٍ من تكرارها. وهذا ينطبق على الاحتضار أيضاً. يدّعي من حولك بأنّهم يخفّفون عنك، وبأنّهم يواسونك، يمسك أحدهم بيدك، ويضغط عليها، وروحك التي تحتبس في حلقك تمنعك من الصراخ في وجهه لإبداء ضيقك من ذلك، لا يهمّ من هو. تختلط الوجوه وتتشابه في تلك اللحظات، لا تستطيع تمييز ابنك من ابن خالتك من زوجة عمّك. كلّهم يبدون لك وكأنّها وجوهٌ غير مرغوبةٍ في تلك اللحظات الأخيرة. الجميع يظنّ بأنّه لا يريد أن يموت لوحده، وبأنّه يحتاج إلى من يؤنسه قبيل مفارقة الحياة، يا للسخرية! لا يوجد ما يسمّى بالموت وسط أحبّائك لأنّك تموت وحدك في جميع الأحوال. روحك التي تنازع للخروج لا تعترف بوجود أحدٍ حولها في تلك اللحظات الرهيبة والقاسية. لا شيء يمكنه التخفيف عنك في ذلك الوقت، ستظلّ وحدك. وإن أحاط بك آلاف الناس، وسيظلّ شعورك المخيف الوحشيّ بنزع روحك من جسدك موجوداً. الحقيقة الوحيدة الآن هي الحقيقة التي نبه إليها القرآن الكريم "يوم يفرّ المرء من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه" كنت أتساءل دوما: كيف يمكن أن يحدث هذا؟ أن أفرّ من أناسٍ أنا على استعدادٍ للتضحية بحياتي من أجلهم، نعم، أعلم. الآيات تتحدّث عن يوم القيامة. لكنّك في لحظات احتضارك. تتذوّق طعم ذلك الفرار فعلاً: تودّ أن تفرّ منهم. ومن مواساتهم لك. وتخفيفهم عنك. دعوني أموت وحدي، دعوني، كلّنا نموت لوحدنا. كلّنا. لا يبقى لنا عندها سوى الأوهام. تختفي الحقائق وتتلاشى، حقيقة الحبّ مثلاً: الحبّ وهمٌ، وهمٌ لإقامة حياةٍ مشتركةٍ فوق هذه الأرض. أمّا عندما تنقشع هذه الحياة من أمامي، فلا يبقى سوى رمادها يتطاير قدامي، لحظاتٌ شتّى ومختلفةٌ من مراحل عمري تتراءى لي أمام ناظري، غبش غبارها يشوّش الرؤية أمام عيني، لكنّه يزيد يقظتي ووعيي بحياتي الماضية، نعم: لا يبقى أمامك في لحظات الموت، سوى شريط حياةٍ.

***

الدغل القريب المتكاثف بجوار المنزل ينظر إليه برهبةٍ، ترى: ماذا يوجد وراءه؟ لم يجرؤ قطّ على اجتيازه ومحاولة التلصّص خلفه. لعلّه عالمٌ آخرُ. غير عالمه الضيّق، عالم الطفل، ذي سنوات العمر الخمس. صوت أخيه الأكبر من خلفه.

- مالك؟

برغم أنّه في هذه الحياة منذ مدّةٍ وجيزةٍ، فإنّه يشعر بأنّه كان دوماً هنا. هذه الدنيا. كانت في وعيه على الدوام. ما سرّ هذا الوعي الممتدّ؟ نظر إلى أخيه، ترى: هل تمرّ هذه الخواطر العشوائيّة في أذهانهم كما تمرّ في ذهنه؟ وإذا كان ذلك يحدث. فلماذا لا يحدثه أحدٌ عنها؟ مثل تلك القشعريرة الغريبة والممتعة التي يشعر بها عندما يشرع ابن عمّه بمصّ الحلوى اللولبيّة، قشعريرةٌّ أخّاذةٌ يتمنّى ألّا تتوقّف، يساعده في دوامها واستمراريّتها، حكّ ظهره كقردٍ صغيرٍ. عادةً يبغضها والداه فيه ويريدان منه الكفّ عنها، وهو لا يفهم لماذا، أين الخطأ فيها؟ مثل "الديجافو" أيضاً: ظاهرةٌ غريبةٌ ومتكرّرةٌ. لم يكن يعرف اسمها في صغره، ولكنّها كانت تحدث له. أراد طرح الموضوع أمام أقاربه مرّةً. الجميع يتغوّط، والكلّ يعرف إحساس إخراج البراز، إذا فلا بدّ أنّهم أيضاً، لا أحد. نظروا له باستغرابٍ، ربّما أساء شرح الظاهرة، يا جماعة: عندما تشعر بأنّ الموقف الذي تمرّ به الآن قد حدث لك سابقاً بحذافيره، حاول شرح الأمر في عرس أخيه، لم يُعره أحدٌ انتباهاً وهزّوا أكتافهم. لعلّه الانشغال بالعرس، ولكن، آها، قرأ لها تفسيراً علميّاً في مجلّةٍ، وأصبح على يقينٍ من وجودها. أحد التفسيرات، يتأخّر وصول المعلومات إلى الفصّ الأيسر من الدماغ بعد أن يكون الفصّ الأيمن قد أدركها ووعى وجودها، "أيوة" كلامٌ منطقيٌّ يليق بفهمه أكثر من تفسيرات الغيبيّين. زعم له أحدهم بعد أن أضناه في إفهامه الظاهرة أصلاً بأنّ هذا أثرٌ من إدراك الروح لما سيحصل لها لأنّها اطّلعت عليه في عالم الغيب قبلاً. منذ الصغر وهو يعيش عالم الشهادة بكلّ جوارحه ولا يجد في ميوله حبّاً لأيّ تفسيرٍ غيبيٍّ "بتطلع عالم إن شاء الله". قالها له عمّه الذي يعتنق نفس فكره. وأمّه تعنّف شقيق زوجها. لا تخرب الولد. يطلع ضالّ مضلّ مثلك، يضحك العمّ: قصدك يطلع ذكيّ وعبقريّ. وينها اختراعاتك يالعبقريّ؟ ورنا إيّاها قبل ما تتفلسف. وهل الذكاء هو عبارةٌ عن اختراعاتٍ واكتشافاتٍ فقط؟ ألا يكفي بأن يكون الإنسان ملمّاً بعالمه مطّلعاً على أسراره ويدير شؤونه بمهارةٍ وحنكةٍ؟ الذكاء أنواعٌ، ينشغل عمّه فيما بعد بلعب "الكيرم" مع والده وتختفي كلّ الحساسيّات، ولا يعود أحدٌ يفكّر فيم يعتنق الآخر أو يعتقد أو يشعر. ولكن، كلّ هذا لم يُجب عن سؤاله: ما وراء هذا الدغل القريب من منزله؟ ولم يشعر صوبه بكلّ هذه الرهبة؟

***

توجّس خيفةً وهو ينظر إليها عند طبيب الأسنان، حنطيّة البشرة. يا لجمالها! صامتةٌ، بل إنّها لتتحدّث مع والدها. ولكن بلغةٍ أسقطت أنهاراً وشلّالاتٍ إضافيّةً من الشفقة منه عليها، تتحدّث بلغة الصمّ والبكم. يا ربّي! أما يكفي أنّك ابتليتها بهذا الصمم. حتّى تجد نفسها بحاجةٍ لتقويم أسنانها، ولكن، ما خطب أسنانها؟ وأين العيب الذي يستدعي إصلاحها؟ لعلّها ركّبت التقويم منذ زمنٍ، وقد أدّى دوره في رتق ما فسد من نظم قلائدها اللؤلؤيّة وعقيانها البرّاقة، لعلّها، أوّاه! كلّما يتذكّر ما قاله له والده تفسد عليه فرحته بهذه اللحظة. يقول بأنّ حبّ المراهقة لا أكثر من جيشان مشاعرَ وإفراز هرموناتٍ، شيءٌ شبيهٌ بتناول قطعةٍ من الشوكولاتة، هل أضحى والده معتنقاً للأفكار الشكّاكة كعمّه المتوفّى؟ أم أنّه فقط يريد إبعاده عن مسلك العشق والهيام لحاجةٍ في نفسه؟ ربّما، بعد أن ضبط مجلّاته المختلسة تحت سريره. أضحى أكثر حذراً وريبةً فيه.  

 ولكن! كيف السبيل لتهدئة ثوران غرائزه دون إطفائها بهذا الأسلوب؟ وهل يصدّق من يقول له بأنّ هذه العادة تغضب الله وتجلب العمى وتسبّب العقم؟ أم يصدّق قهقهة عمّه التي امتزجت بصوته الذي خرج مع نخرة من أنفه وهو يردّد: يا ولدي، كلّنا سويّناها وحنا صغار. ربيعي مرة سواها خمستعش مرّة في يوم واحد لين ما حس بعوار في ركبته. بس عادي. الحين عنده خمس عيال. لماذا توجّس خيفةً من موضوع الفتاة؟ ببساطةٍ: كان يشفق عليها، ويحبّها، ويشتهيها جنسيّاً في الوقت ذاته. الثلمة الظاهرة من فستانها فوق ركبتيها سبّبت له تعرّقاً مفاجئاً. ماذا لو دخل عند الطبيب الآن بهذه الثياب المتصاعدة إلى فوق؟ بل ماذا لو حدث ما هو أدهى كما حصل مرّةً في صالون منزله عندما صبّ الحمولة وما فيها دون قصدٍ منه ثمّ اضطرّ أن ينظّف المكان شهراً كاملاً ودون أن يلاحظه أحدٌ من أهله؟ كان وضعه مضحكاً وهو يحاول أن يجنّب أيّ فردٍ من أهله الجلوس فوق تلك البقعة من الأريكة، برغم أنّها جفّت بعد فترةٍ، الوحيد الذي شكّ فيه هو جدّه، رمقه بنظرةٍ متسائلةٍ من تحت حاجبيه الكثّين الأشيبين. شفيك يا ولدي؟ لا. بس.. أنا أحب أجلس في هالمكان. بعيد عن التلفزيون ويحمي نظري. لم تنطلِ الحيلة على جدّه، لكنّه لاذ بالصمت، ترى: أهذه حياة كلّ من بلغ الخامسة عشرة من سنّه فوق سطح هذا الكوكب أم أنّها حياته المميزة والتي تختلف عن كلّ كائنٍ بشريٍّ آخرَ؟ ربّاه! لقد نادت الممرّضة اسمه في العيادة، وحان وقت قلع السنّ المسوّس. وداعاً يا جميلتي الحنطاويّة، وأنت يا من تطلّ من تحت الثوب. انثبر في مكانك أحسن لك!

***

شهرٌ كاملٌ وهو يقلّب في مكتبة والده وأوراقها، هذه الأوراق المصفرّة والمتعفّنة، والتي سبّبت شجاراتٍ دائمةً بين والديه، محّد جاب الحشرات لبيتنا غير أوراقك الخايسة هذه. العلم أمرٌ لا تفهمه النساء ولا تستسيغه. أيّ علم وأيّ خرابيط؟ مسوي روحك العقاد أو طه حسين. اسكتي يا حرمة. لم تعد هذه الشجارات تشغل باله. بل هناك ما هو أخطر يعيث في عقله فساداً ويسبّب له إحن الأرق والشكوك المخيفة. شكوكٌ في العقيدة ذاتها، ياربّي! لا يستطيع أن يسأل أحداً عنها. الجميع سيقول له: لا تتكلّم عن هذه الأمور واستغفر ربك، إمام المسجد سيخرجه من الدين ويتّهمه بالمروق من الملّة، حتّى وإن كان لم يزل صغيراً في الثانية عشرة من عمره، فذلك لن يردعه، وأخوه الكبير، لغزٌ كبيرٌ! أحياناً يظهر ما يجعله يعتقد بأنّ لديه عقلاً كبيراً ورجاحة ذهنٍ ورزانةً. وأحياناً يغوص به في تلافيف السطحيّة والغثاثة نفسها، ولا يستطيع أن يتورّط معه في أيّ حوارٍ جادٍّ وفقاً لأمزجته المتغيّرة، والداه لن يهتمّا بالموضوع، أو سيتّهمان عمّه المسكين بإضلاله، عمّه الذي لم يرَه منذ أكثر من ثلاث سنواتٍ بعد أن دبّ الخلاف بين أسرتيهما بسبب تلاسن أمّه وزوجة عمّه. إذا أردت أن تكلّم أخيك، لازم ياخذ لي حقي منها. هذي العقربة. أو طلقني. لم يستطع الوالد الإصلاح بينهما. ثمّ تطوّر الأمر إلى شجارٍ بينه وبين أخيه ذاته. وكلٌّ منهما يطلب من الآخر أن يلزم زوجته حدّها ولا يجعلها تتطاول على امرأته هو، لكن، فيم يهمّه كلّ هذا؟ صحيح: كان يحبّ عمّه وما يجلبه له من هدايا. لكن لديه الآن هذه المشكلة، ويجب عليه بأن يحلّها، ماذا لو مات قبل أن يتمكّن من فكّ رموز الحقيقة؟ هل سيكون كافراً ويذهب إلى جهنّم؟ فقط لأنّه حاول إزالة الشكوك التي تعتريه ولا يستطيع لها دفعاً بوسائلَ يلتمس منها جلب الاطمئنان له؟ أهل الأديان يتصارعون، وهو لا يأخذ منهم حقّاً ولا باطلاً، كلّ منهم ينصر مذهبه أو دينه في بطون هذه الكتب، وكلّ منهم يعتبر نفسه على الدين المبين والصراط المستقيم ويلقي بمخالفيه في غيابة جبّ العذاب والجحيم، وهو، ما ذنبه؟ يريد معرفة الحقّ. ولا يبغي صراعاً أو عدواناً على الآخرين، يريد ما يبرد له صدره المحتار وقلبه المتذبذب، لا تسبّوا بعضكم، فقط، أرشدوني، لو سمحتم، قلّب الصفحات في غيظٍ وهو يبحث، ويبحث، ويبحث.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم