في قرية "لوزانغي" في قلب السينغال، اجتمع الناس في مساءٍ آخرَ يومٍ من ديسمبر 1999. تحلّقوا حول جثّةٍ مغطّاةٍ، يقال: إنّها لامرأةٍ ستّينيّةٍ وبإزائها بضع نساءٍ يحثونَ التراب على رؤوسهنّ، ويملأن المكان صُراخاً وعويلاً.

كان الجميع في انتظار سيّدي لمبارك شيخ الزاوية التيجانيّة. لا أحد غيره بإمكانه البتّ في الأمر. كانت تلك عمليّة القتل الأولى التي تحدث في القرية البعيدة عن المدينة بمئات الكيلومترات، أرضٌ عقيمٌ، لا كهرباء فيها شحيحة المياه، إلّا عين ماءٍ وحيدةٌ يتنافسها رُعاة القرية لسقي إبلهم ومواشيهم، وبئرٌ أشرف الشيخ لمبارك نفسه منذ سنواتٍ على حفرها.

تأخّر سيّدي.

قال أحدهم.

أبطأه أحد ضيوف الشمال.

يردّ آخرُ.

لا يحتمل الحدث تأخيراً، من ذهب في طلبه؟

سأل كبير القرية.

تصاعدت الجلبة وعلت الأصوات ثمّ أطلّ سيدي لمبارك على ظهر جمله، وعلى يمينه رجلٌ غريبٌ تبدو عمامته أكبر من عمامة سيّدي لمبارك، هو على الأرجح ضيفه. الشيخٌ العربيّ، لا شكّ.

 مع اقتراب سيّدي لمبارك من الجمع المحيطين بالجثّة المغطّاة، أفسحوا له الطريق.

السلام عليكم.

ردّ الجميع السلام، وتقدّم كبير القرية وقبّل يد الشيخ وقال:

وجدنا حمّو جاثياً على ركبتيه، وأمامه جسد العجوز دليلة مُسجّى...

كبيرُ القرية وبنوه حبسوه في الدار الوحيدة المبنيّة بالحجارة، في انتظار سي لمبارك كي يبُتّ في أمره.

لم يكمل حمّو العام على زواجه من فطيمةَ بنت دليلة (ضحيّة هذا المساء الملعون). كانت ظروفه مستقرّةً، رغم الفقر الذي يعيشه، وعلاقته طبيعيّةً بصهريه، اللذين يمتهنان الرعي عند كبير القرية، لأنّهما لا يجدان عملاً آخرَ مثل القليل ممّن تبقّى من شباب القرية، بعد موجات التصحّر والجفاف التي ضربت السنغال وبلدان الساحل. كانا رغم عملهما يتردّدان على والدتهما التي ترعاها فطيمة شقيقتهما الوحيدة، التي تمتّعت منذ عامٍ بزواجها من حمّو وفي حجرها طفلٌ أنجبته من ابن عمّها، الذي فُجعت به بعد حُمّى اجتاحت جنوب الصحراء الكبرى سنة 1999.

رغم اعتكافه في زاويته طوال أشهر السنة، إلّا أنّ سيّدي لمبارك على درايةٍ بكلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، في قريته التي يتجاوز تعداد ساكنتها الخمس مائة فردٍ. حينما حلّ بالقرية بعدما جاءه الخبر من أصغر أبناء كبيرها، أدرك أنّ الأمر ليس هيّناً، إذ إنّه لم يصادف في حياته أصعب من هذا الموقف، فلم يحدث في حياته وحياة من سبقه، أن شهد عمليّة قتلٍ.

بعد نقاشٍ مع كبير القرية ومع حمّو نفسه ومع شقيقَي زوجته فطيمة بدت له عمليّةً غامضةً ومشكوكاً في أمر التهم الملقاة على رأس حمّو. يتّهم الشقيقان بإصرارٍ أنّ حمّو هو من قام بالعمل، وتبريرهما أنّ العجوز لها مالٌ تكتنزه، إلى درجة أنّهما حاولا الاقتصاص من حمّو لولا تدخّل شيخ القرية وبنيه، حينها حملوا حمّو إلى الدار في انتظار أن يبتّ الشيخ لمبارك في الأمر، كما هي الأعراف منذ قرونٍ.

رغم ألمه وحيرته أشفق الشيخ لمبارك على فطيمةَ التي أمست مكلومةً في هذه الأمسية الطويلة والصادمة، يعرف أنّها قبل فقدان أمّها، بالكاد اندمل جُرحها على فقد زوجها الأوّل، لم تنس بعدُ صدمتها الأولى منذ عامٍ حتّى أجهزت عليها صدمةٌ أخرى.

في كلّ مرّةٍ تنظر إلى عيني ابنها مرزوق، ثمرة زواجها الأوّل، وكأنّها تُسائل رجلاً ناضجاً لا صبيّاً في المهد:

هل أنت بركاتي أم عذاباتي! ليتكَ لا تكون أحد جنود اللعنة التي تطاردني منذ ميلادي.

كأنّها تستحضر حمّو، المتّهم بقتل أمّها، وتشفق رغم عذاباتها على حاله وعلى مصيره الذي تعتقد أنّها ساهمت فيه.

وسط كلّ هذا، لم تنس فطيمةُ التضرّع لله بأن يرفع عنها الأحزان، ويُلهمها طريق الطمأنينة بعيداً عن أرضٍ ضاقت بها وعليها بما رحبت.

ما إن وصل الشيخ لمبارك حتّى طلب من القرويّين القلائل - ممّن شاهد الجثّة مسجّاةً - أن يعودوا إلى ديارهم، ولم يبقَ في الخيمة إلّا كبير القرية والشيخ لمبارك، الذي بات ليلته يُفكّر في الضحيّة والجناة، وساهراً يُفتّش عن التفاصيل، بعدما استدعى فطيمةَ وهي على ما عليه من حالٍ، ليسمع منها شهادتها، أثناء ذلك كان ضيفه العربيّ القادم من بلاد الشمال، يُتابع الحيثيّات في صمتٍ وهدوءٍ. ينظر من حينٍ إلى حينٍ إلى الشيخ لمبارك كأنّ بينهما رسائلَ لا يدركها أحدٌ سواهما. خصوصاً أنّهما أخذا ميثاق العلم والبركة في ساعةٍ واحدةٍ وبيدٍ واحدةٍ من شيخ الطريقة في أحد أيّام الربيع من سنة 1992.

تابع سيّدي عبد الله بصمتٍ وتمعّنٍ في تفاصيل ما جرى ومع كلّ حرفٍ تزداد رغبةٌ في إنصاف حمّو، بعد موجة التعاطف التي أظهرها البقيّة. ومع نهاية السهرة اقترح على الشيخ لمبارك بشكلٍ يقينيٍّ ومباشرٍ حلّه بالقول:

اتركه في عُهدتي، يا سيّدي لمبارك، أنا سأكون كفيله ومعه سآخذ زوجته والولد. هناك ستهدأ النفوس بابتعاد حمّو عن عيون الشقيقين، وعن مكان الجريمة، التي ستظلّ ذكرى مريرةً، تستيقظ مع السنين.

كانت هذه آخر كلمات سيّدي عبد الله في "لوزانغي"، قبل أن يُغادرها مع الفجر بعد صلاته الأخيرة مع سيّدي لمبارك، الذي ترك له إقناع أهل القرية بالحكم، وهو الذي ترتضيه ساكنة القرية دون نقاشٍ أو جدالٍ.

كان سيّدي لمبارك هو من خطّ بيده الحجاب، ووضعه في جيب سيّدي عبد الله. حجابٌ يُلخّص فيه وصيّةً، وميثاقاً يربط بينه وبين حمّو وزوجته.

مع بزوغ الفجر، حُملت على راحلة سيّدي عبد الله ودليله أغراضه الخفيفة، وخلفهما فطيمة، وزوجها، وبعيداً عنهما شقيقاها، يراقبان المغادرين وسط أبناء كبير القرية. كان الشقيقان على درايةٍ بما جرى وما سيجري، أمّا الميثاق الذي بين يديه، فقد أمضى عليه حمّو، وفطيمة غير مُكرهَين، وفيه أنّهما موهوبان لزاوية سيّدي عبد الله مدى الحياة، وهما ملكاً للزاوية وسيّدها حتّى يتوفّاهما الله.

عشرون عاماً مضى على تلك الذكرى. صَمَتَ حمّو قليلاً ثمّ فكّر في حديث الشيخ لكنّه سريعاً أعاد فتح موضوع فطيمة كأنّه يرغب في طيّ أيّ شيءٍ يخصّه.

سيّدي تعرف فطيمة أكثر منّي...

يعرف شيخ الزاوية حمّو مثلما يعرفُ زوجته، لكنّه لم يكن يعرف أنّ حمّو يُخفي في أعماقه خوفه من ماضيه ومن مستقبله معاً. لم يخبره أحدٌ بما جرى لمرزوقٍ مع دحمان. وما الكلمات التي كرّرها على مسمع الناس.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم