تلك المكالمة غيّرت مسار حياتي.

حان وقت ارتداء رداء المهرّب والتخفّف من رداء الصحافيّ والمترجم.

بينما أرتشف قهوتي في أحد المقاهي الصغيرة في لندن، رنّ هاتفي. أخبرني المتّصل الذي كنت أعرفه عن بعد، أنّ عليّ مقابلته الآن من دون أيّ تأخيرٍ، وأنّ الموضوع مهمٌّ ولا يحتمل التأجيل. ذهبت فوراً للقائه. سألته ما الذي يستدعي كلّ هذه العجلة وهذا الاستنفار منه. قال: إنّ الأمر متعلّقٌ بالنقود. أثار فضولي بهذه الافتتاحيّة.

هناك عملٌ يمكن أن نجني منه ثروةً إذا نجحنا فيه، هو في أفريقيا، وقد بحثنا كثيراً لكنّنا لم نجد من هو أكفأ وأقدر منك على القيام به. أنت رجل المهمّات الصعبة.

عملٌ كبيرٌ وخياليٌّ. هكذا أخبرني بعد أن سألته عن ماهيّته. وأضاف: أموال، دولارات، ملايين الدولارات لمسؤولين عراقيّين سابقين عالقةٌ في مالي. هاك الهاتف وتحدّث مع صاحب المسألة. وحكاية وصولها إلى مالي ستعرفها لاحقاً حين تصل إلى هناك وتلتقي به.

ذاع صيتي بين الأوساط الإعلاميّة والشعبيّة كخبيرٍ في دهاليز أفريقيا. كيف لا، وأنا الذي دفنت فيها قطعةً من روحي! قصّتي انتشرت كالفضيحة، وأصبحت مرجعاً للباحثين والمغامرين على حدٍّ سواء. تلقّيت فيما سبق اتّصالاتٍ عديدةً من أشخاصٍ يسعون، يدفعم الفضول والرغبة في الاكتشاف، لكنّ هذا الاتصال شكّل منعطفاً جديداً للعودة إلى أفريقيا بعد بضع سنواتٍ تجرّعت فيها مراراتي، وحاولت فيها مداواة جروحي.

لم أتردّد في التواصل مع الرجل على الجهة الأخرى. المترجم العراقيّ، رجلٌ ذو صوتٍ واهنٍ، يحمل في كلماته ثقل التجارب والحياة. عرّف عن نفسه وشرح لي الأمر. سمع عنّي وعن تجاربي في أفريقيا، وأخبرني بشكلٍ مباشرٍ أنّه يرجو منّي أن أعمل معه على إخراج كمّيةٍ كبيرةٍ من الأموال العالقة في مالي.

لا أدري إن كان ذلك تحدّياً جديداً أم بحثاً عمّا يمكن أن يواسيني ويخفّف من حدّة خيباتي الحياتيّة عليّ. تحدّ جديد يفتح أمامي أبواباً لم أتخيّلها من قبل.

أخبرني بالنقاط الرئيسة المهمّة بالنسبة لي، وهي كميّة الأموال، ومكانها... وكان الجانب المغري بالنسبة لي أنّه أخبرني بقبوله بأيّةٍ نسبةٍ أحدّدها.

ما الذي يفعله هذا المسؤول العراقيّ السابق في مالي؟ ماذا كانت أمواله تفعل هناك؟ أو كيف وصلت من العراق إلى مالي أساساً؟

لم تعنِني هويّة صاحب الأموال، بل كانت الملايين المتخيّلة تجذبني كنقطةٍ سحريّةٍ إليها. أثارت شهوة الحصول على قسمٍ من مبلغٍ جنونيٍّ وأعمتني، وأنا الذي سئمت من إيقاع حياتي ومن شحّ مواردي، فوافقت على خوض المغامرة من دون تمهّلٍ أو تحسّبٍ، ومن دون البحث عن تأويلاتٍ أو تبريراتٍ للتعامل مع شخصٍ من أقرباء صدّام أو حاشيته، لأنّ المال يتكفّل بردم جميع الفجوات وحلّ جميع الخلافات أو تقزيمها وترحيلها، ويمكن أن يخلق أرضيّةً مشتركةً للتلاقي والتواصل والتشارك.

التحدّي الذي وضعه أمامي المترجم العراقيّ أيقظ في داخلي روح المغامرة مرّةً أخرى. أفريقيا لم تعد مجرّد مكانٍ لذكرياتي المؤلمة وخيباتي العمليّة، بل أصبحت مسرحاً لمهمّةٍ جديدةٍ تحمل في طيّاتها فرصاً لإعادة بناء ما تهدّم، واستعادة ما فقد.

بدأت أفكّر بالمهمّة الجديدة، أعيد تنظيم أفكاري، وأهندس مسارات تحرّكي. لم أشكّ أنّ رحلة البحث عن الأموال العالقة ستأخذني إلى مناطقَ غير مألوفةٍ، وتضعني أمام مخاطر جديدة، لكنّني لم أعد أخشى المجهول. خسارتي لصديقتي وحبيبتي مِيديت وَضعتني في عالمٍ مختلفٍ، هذه الخسارة التي أشعر بأنّها كانت بالأمس القريب لا تخفّ وطأتها بمرور السنين.

هل ما زلت الشخص الذي كسرته المأساة أم أصبحت أقوى وأقدر على مواجهة التحدّيات! نظرت إلى السماء وأغمضت عيني، استشعرت روح مِيديت تراقبني، وكأنّها تبارك خطوتي القادمة.

رحلتي الجديدة ستبدأ، وأنا عازمٌ على أن أجعل من هذه المهمّة نقطة تحوّلٍ، ليس فقط في حياتي، بل في حياةٍ من سأساعدهم. وفي أعماقي، كنت أشعر بأنّني قد أكون مقبلاً على خيبةٍ خطيرةٍ لكن لم أولِ ذاك الشعور اعتباراً كثيراً ولم أترك له المجال كي يتعاظم ويقف سدّاً أمامي.

لا أودّ أن أضع نفسي في مرتبة الثوّار ولا في موقف الخارجين على القوانين والتشريعات، ولا أدّعي أنّني زعيم صعاليك يسرق من الأغنياء ليوزّعها على الفقراء، ولا أكترث للألقاب والإملاءات، أنا ببساطةٍ أتوجّه إلى المال، وصارت قبلتي مالي.

أضحك حين أصادف أشخاصاً يصفون المال بأنّه أصل الشرور، وأجدهم يتهافتون عليه بنوعٍ من التكالب المرضيّ الغريب، ولا يتمنّعون عن اقتراف جميع الموبقات من أجل الحظوة به، ويغدو بالنسبة لهم أصل السرور ومصدر البهجة والسعادة، يكونون مسكونين بالنقائض تجاهه، يتمنّعون شفويّاً وينهارون عمليّاً أمامه.

أنا شخصٌ واقعيٌّ، عمليٌّ، مغامرٌ، علّمتني حياة الترحال والصحافة والترجمة والحرّية ألّا ألجأ إلى الشعارات والمزايدات كي أقنع نفسي بتفاصيلَ أو أفكارٍ بعينها، أتعامى لغاياتٍ أجدها تتقاطع مع رغباتي الواقعيّة، والتي من شأنها تكريس سطوتي ونفوذي وتأثيري في محيطي وعالمي.

وافقت على خوض المغامرة. سألت عن مزيدٍ من التفاصيل التي من شأنها أن تساعدني للترتيب لها، وبدأت أعدّ العدّة نفسيّاً للانطلاق واكتشاف القارّة التي تظلّ مجهولةً وملغزةً بالنسبة لي.

كنت في ذروة الاندفاع، كمن يمشي مسرنماً إلى بركةٍ موحلةٍ، بعيونٍ مفتوحةٍ لكن لا تبصر أمامها، لأنّ بريق المال كان من الحدّة واللمعان بمكان أن منع الرؤية وأغشى البصر وأضاع التبصّر.

مالي، هذه الدولة التي لم أفكّر يوماً بموقعها على الخريطة ستكون وجهتي ومقصدي في الواقع، سأسافر إليها بحثاً عن كنزي المأمول، والذي لم يبدُ لي أنّه يمهّد لتجريدي من قوّتي وسطوتي ونفوذي ومالي، ليرميني شبحاً أعتاش على المساعدات الحكوميّة في لندن.

مالي. من المفارقة أنّ اسمها تقاطع مع المال، وكنت حين أكرّر أنّني ذاهبٌ إلى مالي أقول في نفسي تتمّة الجملة التي كنت أحتفظ بها، وهي لأحصل على مالي.

أسأل نفسي أحياناً ماذا لو لم أردّ على ذلك الرقم المجهول، أو لم أقتنع بالفكرة الجنونيّة التي أعمتني باللهاث وراء أموالٍ منهوبةٍ ومهرّبةٍ من البنك المركزيّ العراقيّ وصلت إلى مالي بمصادفاتٍ وأساليبَ لا تخطر على بالٍ. 

هكذا من دون ممهّداتٍ، وبنوعٍ من التهوّر الذي أعتبره من أسلحتي الحياتيّة، سارعت بالإعداد للسفر إليها، تسلّحت بما تحفظه الذاكرة من تفاصيلِ قارّةٍ مبعثرةٍ عن ذاك العالم الذي يضمّ رفات حبيبتي مِيديت.

بدت لي مالي بعيدةً، مغلّفةً بالغموض، كأنّها كهفٌ من الأحلام والأساطير، وهي قطعةٌ من أرض أفريقيا التي تشابك قدري معها، وأصبحت جزءاً لا يتجزّأ من كياني وروحي. عند بدء استعداداتي إليها، كبتتْ أيّ نداء للتوجّس أو التردّد في قلبي واستعنت بروح المغامرة التي لا يُعجزها الخوف. استذكرت أوصافاً كثيرة تتكرّر أثناء الحديث عن أفريقيا، كوصفها بأنّها قلب الظلام، الوجهة المغرقة، العالم الأسود، الفقر القاتل، الكهف المغلق، الكنوز المهدورة، الثروات الضائعة، ساحات الحروب وموطن الأوبئة والأمراض وبلاد المجاعات، ميادين الانقلابات وغابات السحر والجنون. ولم أدرك أنّني بصدد إلقاء نفسي في مستنقعٍ لا يمكنني الخروج سليماً منه، أو أنّي مقبلٌ على الغرق في وحلٍ لا يمكن أن أبرأ من تأثيراته وتداعياته لوقتٍ لاحقٍ طويلٍ، وأنّ مزاعمي بأنّني أقترب من مكانٍ تحوم فيه روح ميِديت أقنعةٌ مزيّفةٌ وغير مقنعةٍ.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم