كان صباح اليوم التالي روتينيّاً، مثله مثل بقية صباحاتنا اليوميّة، كانت فاطمة هانم تسلق البيض، وهي تدندن مع مطربها المفضّل بارش مانتشو Barış Manço، أشهر نجوم الروك الأتراك في القرن الماضي، كلمات أغنيته الشهيرة Yaz Dostum "اكتب يا صديقي". في هذه الأغنية، خلّد بارش ذكرى الرجل الثريّ الطيّب "محمّد آغا"، المرتدي دوماً جزمةً صفراءَ، والمشهور بقوله "اكتب يا صديقي"، الذي كان يتلفّظ به عندما يدفع ديون الفقراء المكتوبة في دفاتر الباعة.

أعتقد أنّ فاطمة هانم كانت في إحدى حيواتها السابقة مديرة أرشيف وزارة الثقافة والفنون التركيّة، فهي غالباً ما تستمدّ عبر الحياة ودروسها من قصصٍ مرتبطةٍ بحياة الفنّانين والفنّانات. فعلى سبيل المثال، عندما سمعت عن دمار أجزاءٍ كبيرةٍ من سوق حلب القديم، أخبرتني أنّ والدا بارش مانتشو سمّياه "بارش" أي "سلام" باللغة العربيّة، لأنّه ولد عام ١٩٤٣ أي خلال سنوات الحرب العالميّة الثانية، كما أنّه في العام ذاته الذي ولد فيه بارش تعرّض grand bazaar؛ أقدم أسواق إسطنبول لحريقٍ ودمارٍ شبه كاملٍ، ثمّ ختمت القصّة بقولها: "لكنّ الغراند بازار اليوم نقطةٌ تجارةٌ عالميّةٌ، وكذلك سيكون حال سوق حلبَ، أسواق المدن العظيمة لا تموت يا ياسمين، هي فقط تمرض وتتعافى".

وبرأي فاطمة هانم، دوام الحال من المُحال، فالحرب ستنتهي، وسيعقبها السلام، بدليل أنّ اسم الأخ الأكبر لبارش مانتشو هو سافاش savaş أي "الحرب" بالعربيّة، ووالداه سمّياه كذلك، لأنّه ولد في بداية الحرب العالميّة الثانية.

وبالعودة إلى ذلك الصباح، حوّلت فاطمة هانم طاولة قصّ القماش وتفصيله إلى طاولة طعام، وجلست تنتظر إيمرا بيه وبقيّة الهوانم - أنا أفطر في المنزل إضافةً إلى أنّي لست من الهوانم - توسّط السفرة طبقٌ فيه خمس بيضات؛ أربعٌ منها للهوانم: بُنار - خديجة - إيلا - دينيز والخامسة للشابّ الثلاثينيّ المرح والمحبوب إيمرا.

وصلن في الوقت المعتاد، وبحوزة كلّ واحدةٍ منهنّ معدّات فطورٍ تركيٍّ شهيٍّ، (جبنة، وزيتون، ومربّى، وزبدة، وسجق مقليّ، وكعك السيميت الطازج).

بعد دقائقَ، جاءت الشرطة وأذاعَتْ خبر موت أصلان بيه، الذي صدم الجميع باستثناء القتلة، أنا وفاطمة هانم. في الحقيقة، اصطنعتْ فاطمة هانم الصدمة، أمّا أنا فلم أكن بحاجةٍ إلى التمثيل، فما من أحدٍ يهتمّ بردّة فعلي، وعلى الرّغم من أنّي حاولت اصطناع الهدوء، بيد أنّ قلبي كاد يقفز من مكانه من شدّة الخوف الذي شعرت به، وذلك عندما رأيت سيّارة الشرطة، وهي تقف عند باب المشغل، وتنزل منها محقّقتان جميلتان، تقدح عيناهما بنظرات الحذر والذكاء.

فتحت الشرطة تحقيقاً، وسألت كلّ شخصٍ على انفرادٍ، باستثناء اللاجئة التي عرّفت عنها فاطمة هانم بأنّها لا تجيد التركيّة، وأنّها تأتي في الصباح إلى عملها وتذهب في المساء دون أن تخاطب أو تخالط أحداً، وأنّ المسكينة تعيل عائلتها في الشام وحدها بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب.

"وفاة رجلٍ خمسينيٍّ، بعد سقوطه في مياه البوسفور، تحت تأثير الكحول والحبوب المنوّمة"، هكذا أُعلن عن خبر وفاة أصلان بيه، وهذه كانت النتيجة التي توصّلت إليها التحقيقات.

في الحيّ، كان هناك شعورٌ عامٌّ بالارتياح لرحيل أصلان بيه "ما لا شكّ فيه أنّه أكثر سعادةً الآن، فقد ذهب إلى جوار زينب"، تعليقٌ جماعيٌّ من أهالي الحيّ، بما فيهم فاطمة هانم، التي تلقَّتْ خبر موت أصلان بيه بدهشةٍ، وكأنّها لم تكن مَنْ صنع الخبر.

حوّلت فاطمة هانم الفسحة أمام باب المشغل إلى حديقةٍ صغيرةٍ، إذ وضعت فيها أُصُص النباتات، وزينتها دينيز هانم بمصابيحَ كهربائيّةٍ مرسومٍ عليها زهورٌ ملوّنةٌ. غالباً ما تترك بُنار هانم في أحد زوايا الحديقة - تحت أشعّة الشمس - صينيّةً مصفوفاً عليها حبّات فليفلةٍ حمراءُ، وهي تستاء وتغمغم بكلماتٍ غير مفهومةٍ، إذا ما وضعت دينيز هانم صحنَي الطعام والماء المخصَّصين للقطّة دومان بجانب صينيّتها. في الحديقة أيضاً كرسيّان مصنوعان من الخشب والقشّ لا مسند لهما، تتوسطهما طاولة صغيرة، كنت أجلس على أحد هذين الكرسيّين في وقت الاستراحة، وقد أعددتُ لنفسي فنجاناً من القهوة، عندما تجّمدت حدقتا عيني وفقدت قدرتي على تحريكهما، إذ ظهر لي أصلان بيه، وهو يسلِّمُني رأساً ملفوفاً بكيس نايلون أزرقَ، ويقول: ضعي هذا الرأس مكان رأس المانيكان، ولا تنسي أن تمسحي عنه الدَّمَ جيّداً، كي لا يلوّثِّ فستانها.

بدا أصلان بيه بكامل وعيه، يتكلّم بلسانٍ خفيفٍ وطليقٍ، حاولت الصراخ، لكنّ لساني كان ثقيلاً وأبى أن يتحرَّك داخل فمي، خرس صوتي، حاولت رفع أصبعي، لأشير إلى الزائر والكيس الذي يحمله، لكنّ يديَّ رفضتا الاستجابة.

بقيت أحدِّقُ به وبالكيس الأزرق، وأنا ألحظ أنّ كميّة الأكسجين الداخلة إلى جوفي في تناقصٍ مستمرٍّ.

لم أستطع حساب وقت زيارة ذلك الجاثوم الرهيب، ولكن أعتقد أنّها استمرّت لأقلّ من دقيقةٍ، فقهوتي لم تبرد بعد، عاد بعدها للحياة إيقاعُها المعتاد، وأنا حاولت التصرُّف بطريقةٍ طبيعيّةٍ قدر الإمكان.

لطالما اعتقدت أنّي نجوت بمجرّد وصولي سالمة إلى تركيّا، فالحرب أخذت قربانها منّي "زوجي". لذا، لا بدّ من أن تمنحني فرصةً ما جديدةً.

توتّري من الصوت المرتفع، كرهي للّون الخاكيِّ، ولكلّ ما هو مرتبطٌ بالسلاح والعسكرة، حالات الهلع، وشلل النوم المتكرّر، كلّها أشياءُ عرضيّةٌ، ستزول مع الوقت، سأشفى من الحرب، هكذا كنت أمنّي نفسي، إلى أن أدركت أنّي قد أُصبت بداء "ما بعد الحرب"، وهو مرضٌ يصيب الشعوب التي لم تدخل بعد عصر الحداثة، والتي ما تزال تحارب نفسها، فيختبئ العنف داخلها، ويصير جزءاً منها، يتنفّس ويأكل ويشرب وينام في جوفها، "ما بعد الحرب" لعنةً أبديّةً لا يمكن الشفاء منها.

أنا ياسمين، حوّلتني الحرب إلى أرملةٍ ولاجئةٍ غير مرئيّةٍ، وحرمتني من نعمة السكينة، غدا عقلي متيقّظاً بطريقةٍ رهيبةٍ، إذ يرسم خيالاتٍ ويعيش معها في عوالمَ موازيةٍ، ربّما بسبب هذا بتُّ كثيرة الصمت، بل دائمته، فكلّ خليّةٍ في عقلي تحتاج لطاقةٍ هائلةٍ حتّى تستطيع التعامل مع المعارك التي تدور فيها.

إن نجوت من القصف والبراميل المتفجّرة التي تمطرها سماء وطني، قد تكون نهايتي على يد الحواجز الأمنيّة، التي تفتّش حتّى نوايا المواطنين وأحلامهم. وإذا جلست في المساء لأشاهدَ مسلسلاً تركيّاً مدبلجاً - كأيّ مواطنٍ طبيعيٍّ في بلدٍ ما في هذا الكوكب - قد تقتحم جحافل مخابرات الزومبي باب بيتي وتقودني إلى اللامكان. هذه بعض المخاطر، التي بفضلها تطوَّرَ عقل الإنسان السوريّ ليصبح قادراً على التكيُّف مع الحرب، وكالعادة البقاء للأصلح، والأصلح هنا هو الذي يتحوّل من مواطنٍ غير آمنٍ في بلده إلى لاجئٍ هلاميٍّ، قادرٍ على الانخراط في عالمه الجديد وتمويه التشوُّه الذي أصاب عقله وقلبه. أمّا عن تكيّفي، فيمكنني القول: إنّه أفرغ حضوري من ثقله، وحوّلني إلى ظلٍّ، ينحني ويتشكّل وفق المكان الذي ينعكس عليه.

خلال الأسابيع التالية، طوى النسيانُ أصلان بيه بالنسبة للجميع، وبَهُتَ الحديث عن حياته ومماته، خاصّةً بعدما انشغل سكّان الحيّ بالمشكلة التي نشبت بين الحلّاقة ملاك هانم ودينيز هانم. والقصّة باختصارٍ: هي أنّ دينيز هانم تضع عند باب المشغل طعاماً للقطط والكلاب المشرّدة، ما حوّل الرصيف الملاصق للمشغل وصالون الحلاقة إلى مرتعٍ للحيوانات، التي تتشاجر باستمرارٍ بعضُها مع بعض من جهةٍ ومع القطّة دومان التي تعتقد اعتقاداً راسخاً بملكيّتها المطلقة للرصيف من جهةٍ ثانيةٍ، فدومان مستعدّةٌ للقتال والموت في سبيل فرض سيطرتها على الرصيف، وكأنّ جدَّها الأكبر اشتراه من البلديّة وطوّبه باسمها. وبسبب هذه المشاجرات المستمرّة، صارت القطط تهرب من الكلاب إلى داخل صالون ملاك هانم، حيث تركض بين أقدام الزبائن، وتقفز فوق رأس الصبيّة المختصّة بدهن طلاء الأظافر، والتي يحتاج عملها إلى الكثير من التركيز، كونها ترسم لوحاتٍ دقيقةً على مساحةٍ بحجم الظفر. وبحسب ادّعاء ملاك هانم، فإنّها بسبب فوضى القطط والكلاب صبغت شعر إحدى زبائنها باللون الأسود، على الرّغم من أنّها كانت تريده كستنائيّاً! بعد ارتفاع حدّة الشكاوى، طالبت دينيز هانم بمهلةٍ حتّى تتمكّن من إبعاد الحيوانات إلى الرصيف المقابل، بيد أنّ ملاك هانم اتّصلت بالبلديّة وطلبت منها التدخّل موضّحةً أنّها ستضطرّ إلى إغلاق الصالون بسبب القطط والكلاب، وأنّها تحمّلهم مسؤوليّة قطع رزقها.

لو كان فيلسوف حقوق الحيوان بيتر سنجر[1] حَكَماً في هذه المشاجرة، فمن كان سينصف برأيكم؟  الحيوانات أم ملاك هانم وزبائنها؟

تنهض فلسفة سنجر على قاعدةٍ بسيطةٍ، وهي: "أعظم فائدةٍ لأكبر عددٍ ممكنٍ، والحيوانات - ذلك المصطلح الذي يشمل الإنسان - متساوية كلّها"، إذن، سنجر كان سيقضي بترك الرصيف للقطط والكلاب، كون عددها يزيد عن عدد العاملات في صالون ملاك هانم وزبائنه، وكون منفعة الإنسان غير مقدّمةٍ على منفعة الحيوان. وأنا أضمّ صوتي إلى صوت فيلسوف الأخلاقيّات وأؤيّد حكمه العادل، خاصّةً أنّ ملاك هانم عنصريّةٌ لا مع الحيوانات فحسب، بل مع البشر أيضاً، إذ سمعتها تتكلّم أمامي عدّة مرّاتٍ عن الزحمة، والفوضى، والانهيار الاقتصاديّ، وانعدام الأمان في الشوارع، وغيرها من المشاكل التي عمّت البلاد بسبب اللاجئين السوريّين، الذين حسب رأيها لا يمكن اعتبارهم بشراً. هل كانت إسطنبول المدينة الفاضلة قبل مجيئنا!

على أيّة حالٍ، حرب البس بوس لم تنتهِ وفق شريعة سنجر، بل انتهت بقدوم سيّارةٍ فان مزيّنة بصور قططٍ وكلاب سعيد، مكتوبٌ عليها عبارة: "تبنَّ ولا تشترِ"، نزل منها رجلان ضخمان، أمسكا بالقطط والكلاب من حيث تيسَّرَ لهما، ورموها دونما مراعاةٍ في أقفاصٍ داخل السيّارة، التي توحي زينتها بأنّها سيّارةٌ صديقةٌ للحيوانات.

ترافق بكاء الكلاب والقطط وصراخها مع بكاء دينيز هانم ودعائها على ملاك وذرّيّتها بالتشرّد.

كان صباح اليوم التالي روتينيّاً، مثله مثل بقية صباحاتنا اليوميّة، كانت فاطمة هانم تسلق البيض، وهي تدندن مع مطربها المفضّل بارش مانتشو Barış Manço، أشهر نجوم الروك الأتراك في القرن الماضي، كلمات أغنيته الشهيرة Yaz Dostum "اكتب يا صديقي". في هذه الأغنية، خلّد بارش ذكرى الرجل الثريّ الطيّب "محمّد آغا"، المرتدي دوماً جزمةً صفراءَ، والمشهور بقوله "اكتب يا صديقي"، الذي كان يتلفّظ به عندما يدفع ديون الفقراء المكتوبة في دفاتر الباعة.

أعتقد أنّ فاطمة هانم كانت في إحدى حيواتها السابقة مديرة أرشيف وزارة الثقافة والفنون التركيّة، فهي غالباً ما تستمدّ عبر الحياة ودروسها من قصصٍ مرتبطةٍ بحياة الفنّانين والفنّانات. فعلى سبيل المثال، عندما سمعت عن دمار أجزاءٍ كبيرةٍ من سوق حلب القديم، أخبرتني أنّ والدا بارش مانتشو سمّياه "بارش" أي "سلام" باللغة العربيّة، لأنّه ولد عام ١٩٤٣ أي خلال سنوات الحرب العالميّة الثانية، كما أنّه في العام ذاته الذي ولد فيه بارش تعرّض grand bazaar؛ أقدم أسواق إسطنبول لحريقٍ ودمارٍ شبه كاملٍ، ثمّ ختمت القصّة بقولها: "لكنّ الغراند بازار اليوم نقطةٌ تجارةٌ عالميّةٌ، وكذلك سيكون حال سوق حلبَ، أسواق المدن العظيمة لا تموت يا ياسمين، هي فقط تمرض وتتعافى".

وبرأي فاطمة هانم، دوام الحال من المُحال، فالحرب ستنتهي، وسيعقبها السلام، بدليل أنّ اسم الأخ الأكبر لبارش مانتشو هو سافاش savaş أي "الحرب" بالعربيّة، ووالداه سمّياه كذلك، لأنّه ولد في بداية الحرب العالميّة الثانية.

وبالعودة إلى ذلك الصباح، حوّلت فاطمة هانم طاولة قصّ القماش وتفصيله إلى طاولة طعام، وجلست تنتظر إيمرا بيه وبقيّة الهوانم - أنا أفطر في المنزل إضافةً إلى أنّي لست من الهوانم - توسّط السفرة طبقٌ فيه خمس بيضات؛ أربعٌ منها للهوانم: بُنار - خديجة - إيلا - دينيز والخامسة للشابّ الثلاثينيّ المرح والمحبوب إيمرا.

وصلن في الوقت المعتاد، وبحوزة كلّ واحدةٍ منهنّ معدّات فطورٍ تركيٍّ شهيٍّ، (جبنة، وزيتون، ومربّى، وزبدة، وسجق مقليّ، وكعك السيميت الطازج).

بعد دقائقَ، جاءت الشرطة وأذاعَتْ خبر موت أصلان بيه، الذي صدم الجميع باستثناء القتلة، أنا وفاطمة هانم. في الحقيقة، اصطنعتْ فاطمة هانم الصدمة، أمّا أنا فلم أكن بحاجةٍ إلى التمثيل، فما من أحدٍ يهتمّ بردّة فعلي، وعلى الرّغم من أنّي حاولت اصطناع الهدوء، بيد أنّ قلبي كاد يقفز من مكانه من شدّة الخوف الذي شعرت به، وذلك عندما رأيت سيّارة الشرطة، وهي تقف عند باب المشغل، وتنزل منها محقّقتان جميلتان، تقدح عيناهما بنظرات الحذر والذكاء.

فتحت الشرطة تحقيقاً، وسألت كلّ شخصٍ على انفرادٍ، باستثناء اللاجئة التي عرّفت عنها فاطمة هانم بأنّها لا تجيد التركيّة، وأنّها تأتي في الصباح إلى عملها وتذهب في المساء دون أن تخاطب أو تخالط أحداً، وأنّ المسكينة تعيل عائلتها في الشام وحدها بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب.

"وفاة رجلٍ خمسينيٍّ، بعد سقوطه في مياه البوسفور، تحت تأثير الكحول والحبوب المنوّمة"، هكذا أُعلن عن خبر وفاة أصلان بيه، وهذه كانت النتيجة التي توصّلت إليها التحقيقات.

في الحيّ، كان هناك شعورٌ عامٌّ بالارتياح لرحيل أصلان بيه "ما لا شكّ فيه أنّه أكثر سعادةً الآن، فقد ذهب إلى جوار زينب"، تعليقٌ جماعيٌّ من أهالي الحيّ، بما فيهم فاطمة هانم، التي تلقَّتْ خبر موت أصلان بيه بدهشةٍ، وكأنّها لم تكن مَنْ صنع الخبر.

حوّلت فاطمة هانم الفسحة أمام باب المشغل إلى حديقةٍ صغيرةٍ، إذ وضعت فيها أُصُص النباتات، وزينتها دينيز هانم بمصابيحَ كهربائيّةٍ مرسومٍ عليها زهورٌ ملوّنةٌ. غالباً ما تترك بُنار هانم في أحد زوايا الحديقة - تحت أشعّة الشمس - صينيّةً مصفوفاً عليها حبّات فليفلةٍ حمراءُ، وهي تستاء وتغمغم بكلماتٍ غير مفهومةٍ، إذا ما وضعت دينيز هانم صحنَي الطعام والماء المخصَّصين للقطّة دومان بجانب صينيّتها. في الحديقة أيضاً كرسيّان مصنوعان من الخشب والقشّ لا مسند لهما، تتوسطهما طاولة صغيرة، كنت أجلس على أحد هذين الكرسيّين في وقت الاستراحة، وقد أعددتُ لنفسي فنجاناً من القهوة، عندما تجّمدت حدقتا عيني وفقدت قدرتي على تحريكهما، إذ ظهر لي أصلان بيه، وهو يسلِّمُني رأساً ملفوفاً بكيس نايلون أزرقَ، ويقول: ضعي هذا الرأس مكان رأس المانيكان، ولا تنسي أن تمسحي عنه الدَّمَ جيّداً، كي لا يلوّثِّ فستانها.

بدا أصلان بيه بكامل وعيه، يتكلّم بلسانٍ خفيفٍ وطليقٍ، حاولت الصراخ، لكنّ لساني كان ثقيلاً وأبى أن يتحرَّك داخل فمي، خرس صوتي، حاولت رفع أصبعي، لأشير إلى الزائر والكيس الذي يحمله، لكنّ يديَّ رفضتا الاستجابة.

بقيت أحدِّقُ به وبالكيس الأزرق، وأنا ألحظ أنّ كميّة الأكسجين الداخلة إلى جوفي في تناقصٍ مستمرٍّ.

لم أستطع حساب وقت زيارة ذلك الجاثوم الرهيب، ولكن أعتقد أنّها استمرّت لأقلّ من دقيقةٍ، فقهوتي لم تبرد بعد، عاد بعدها للحياة إيقاعُها المعتاد، وأنا حاولت التصرُّف بطريقةٍ طبيعيّةٍ قدر الإمكان.

لطالما اعتقدت أنّي نجوت بمجرّد وصولي سالمة إلى تركيّا، فالحرب أخذت قربانها منّي "زوجي". لذا، لا بدّ من أن تمنحني فرصةً ما جديدةً.

توتّري من الصوت المرتفع، كرهي للّون الخاكيِّ، ولكلّ ما هو مرتبطٌ بالسلاح والعسكرة، حالات الهلع، وشلل النوم المتكرّر، كلّها أشياءُ عرضيّةٌ، ستزول مع الوقت، سأشفى من الحرب، هكذا كنت أمنّي نفسي، إلى أن أدركت أنّي قد أُصبت بداء "ما بعد الحرب"، وهو مرضٌ يصيب الشعوب التي لم تدخل بعد عصر الحداثة، والتي ما تزال تحارب نفسها، فيختبئ العنف داخلها، ويصير جزءاً منها، يتنفّس ويأكل ويشرب وينام في جوفها، "ما بعد الحرب" لعنةً أبديّةً لا يمكن الشفاء منها.

أنا ياسمين، حوّلتني الحرب إلى أرملةٍ ولاجئةٍ غير مرئيّةٍ، وحرمتني من نعمة السكينة، غدا عقلي متيقّظاً بطريقةٍ رهيبةٍ، إذ يرسم خيالاتٍ ويعيش معها في عوالمَ موازيةٍ، ربّما بسبب هذا بتُّ كثيرة الصمت، بل دائمته، فكلّ خليّةٍ في عقلي تحتاج لطاقةٍ هائلةٍ حتّى تستطيع التعامل مع المعارك التي تدور فيها.

إن نجوت من القصف والبراميل المتفجّرة التي تمطرها سماء وطني، قد تكون نهايتي على يد الحواجز الأمنيّة، التي تفتّش حتّى نوايا المواطنين وأحلامهم. وإذا جلست في المساء لأشاهدَ مسلسلاً تركيّاً مدبلجاً - كأيّ مواطنٍ طبيعيٍّ في بلدٍ ما في هذا الكوكب - قد تقتحم جحافل مخابرات الزومبي باب بيتي وتقودني إلى اللامكان. هذه بعض المخاطر، التي بفضلها تطوَّرَ عقل الإنسان السوريّ ليصبح قادراً على التكيُّف مع الحرب، وكالعادة البقاء للأصلح، والأصلح هنا هو الذي يتحوّل من مواطنٍ غير آمنٍ في بلده إلى لاجئٍ هلاميٍّ، قادرٍ على الانخراط في عالمه الجديد وتمويه التشوُّه الذي أصاب عقله وقلبه. أمّا عن تكيّفي، فيمكنني القول: إنّه أفرغ حضوري من ثقله، وحوّلني إلى ظلٍّ، ينحني ويتشكّل وفق المكان الذي ينعكس عليه.

خلال الأسابيع التالية، طوى النسيانُ أصلان بيه بالنسبة للجميع، وبَهُتَ الحديث عن حياته ومماته، خاصّةً بعدما انشغل سكّان الحيّ بالمشكلة التي نشبت بين الحلّاقة ملاك هانم ودينيز هانم. والقصّة باختصارٍ: هي أنّ دينيز هانم تضع عند باب المشغل طعاماً للقطط والكلاب المشرّدة، ما حوّل الرصيف الملاصق للمشغل وصالون الحلاقة إلى مرتعٍ للحيوانات، التي تتشاجر باستمرارٍ بعضُها مع بعض من جهةٍ ومع القطّة دومان التي تعتقد اعتقاداً راسخاً بملكيّتها المطلقة للرصيف من جهةٍ ثانيةٍ، فدومان مستعدّةٌ للقتال والموت في سبيل فرض سيطرتها على الرصيف، وكأنّ جدَّها الأكبر اشتراه من البلديّة وطوّبه باسمها. وبسبب هذه المشاجرات المستمرّة، صارت القطط تهرب من الكلاب إلى داخل صالون ملاك هانم، حيث تركض بين أقدام الزبائن، وتقفز فوق رأس الصبيّة المختصّة بدهن طلاء الأظافر، والتي يحتاج عملها إلى الكثير من التركيز، كونها ترسم لوحاتٍ دقيقةً على مساحةٍ بحجم الظفر. وبحسب ادّعاء ملاك هانم، فإنّها بسبب فوضى القطط والكلاب صبغت شعر إحدى زبائنها باللون الأسود، على الرّغم من أنّها كانت تريده كستنائيّاً! بعد ارتفاع حدّة الشكاوى، طالبت دينيز هانم بمهلةٍ حتّى تتمكّن من إبعاد الحيوانات إلى الرصيف المقابل، بيد أنّ ملاك هانم اتّصلت بالبلديّة وطلبت منها التدخّل موضّحةً أنّها ستضطرّ إلى إغلاق الصالون بسبب القطط والكلاب، وأنّها تحمّلهم مسؤوليّة قطع رزقها.

لو كان فيلسوف حقوق الحيوان بيتر سنجر[1] حَكَماً في هذه المشاجرة، فمن كان سينصف برأيكم؟  الحيوانات أم ملاك هانم وزبائنها؟

تنهض فلسفة سنجر على قاعدةٍ بسيطةٍ، وهي: "أعظم فائدةٍ لأكبر عددٍ ممكنٍ، والحيوانات - ذلك المصطلح الذي يشمل الإنسان - متساوية كلّها"، إذن، سنجر كان سيقضي بترك الرصيف للقطط والكلاب، كون عددها يزيد عن عدد العاملات في صالون ملاك هانم وزبائنه، وكون منفعة الإنسان غير مقدّمةٍ على منفعة الحيوان. وأنا أضمّ صوتي إلى صوت فيلسوف الأخلاقيّات وأؤيّد حكمه العادل، خاصّةً أنّ ملاك هانم عنصريّةٌ لا مع الحيوانات فحسب، بل مع البشر أيضاً، إذ سمعتها تتكلّم أمامي عدّة مرّاتٍ عن الزحمة، والفوضى، والانهيار الاقتصاديّ، وانعدام الأمان في الشوارع، وغيرها من المشاكل التي عمّت البلاد بسبب اللاجئين السوريّين، الذين حسب رأيها لا يمكن اعتبارهم بشراً. هل كانت إسطنبول المدينة الفاضلة قبل مجيئنا!

على أيّة حالٍ، حرب البس بوس لم تنتهِ وفق شريعة سنجر، بل انتهت بقدوم سيّارةٍ فان مزيّنة بصور قططٍ وكلاب سعيد، مكتوبٌ عليها عبارة: "تبنَّ ولا تشترِ"، نزل منها رجلان ضخمان، أمسكا بالقطط والكلاب من حيث تيسَّرَ لهما، ورموها دونما مراعاةٍ في أقفاصٍ داخل السيّارة، التي توحي زينتها بأنّها سيّارةٌ صديقةٌ للحيوانات.

ترافق بكاء الكلاب والقطط وصراخها مع بكاء دينيز هانم ودعائها على ملاك وذرّيّتها بالتشرّد.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم