فصل من رواية "الموسوس".. للكاتب آلان كيكاني
غلّقَ صُهيب أكرم العطّار باب غرفته على نفسه ومدَّ سجّادته باتّجاه القبلة ينوي أداء فريضة العصر. وقبل أن يرفع يديه إلى محاذاة أذنيه ويكبّر تكبيرة الإحرام، خامره الشكّ في أنّه يولّي وجهه شطر المسجد الحرام، فارتدَّ خطوةً إلى الوراء وانحنى يغيّر اتّجاه السجّادة مركّزاً نظره إلى نقطةٍ افتراضيّةٍ على الحائط المقابل، وكأنَّه قنّاصٌ يصوّب فوّهة بارودته إلى قلب الهدف.
لكنّه صعب الارتضاء، وعند كلّ مرّةٍ حرّك فيها السجّادة إلى هذه الجهة أو تلك اعتقد أنّها باتت أبعد عن الوضع المطلوب. وظلّ هكذا زهاء نصف ساعةٍ ظهرت خلالها قطراتٌ غزيرةٌ من العرق على جبينه، وأنفه، وتحت عينيه، وأخذ يلهث، كأنّه ينوء تحت حملٍ ثقيلٍ، حتّى راودته فكرة الاستعانة بهاتفه الذكيّ، ففتح تطبيق بوصلة القبلة وراح يقارن المؤشّر على الشاشة مع اتّجاه سجّادته، وينقر بأنامله بين الحين والآخر على طرف السجّادة، علّه يقتنع بأنّها توازي المؤشّر تماماً. وعندما عجز عن الاقتناع، وقف حائراً يتأفّف، كاد ينشج كاد يصيح من شدّة الإحباط لكنّه تمالك نفسه أخيراً، وابتكر في قرارة نفسه طريقةً جديدةً لمعرفة جهة الكعبة بصورةٍ دقيقةٍ بأن وضع الهاتف أمام السجّادة، ورجع بضع خطواتٍ إلى الوراء يراقب الوضع عن بعدٍ، محاولاً التأكّد فيما إذا كان مؤشّر التطبيق واتّجاه السجّادة يقعان على خطٍّ مستقيمٍ واحدٍ، أم أنّ أحدهما يميل عن الآخر ولو بقيد أنملةٍ!
ولم يزل صُهيب في صراعٍ مريرٍ مع نفسه حتّى سمع صوت أذان المغرب. عندذاك أطلق صرخةً مدوّيةً، وارتمى على سريره، وانفجر بالبكاء، متجاهلاً طرقات أمّه العنيفة على الباب وتوسّلاتها إليه بأن يفتح الباب كي تطمئنَّ على سلامته.
لقد فاتته صلاةٌ! كيف سيواجه ربّه غداً، وماذا سيقول له يوم الحساب، وهو الذي تعهّد أمامه، قبل زمنٍ طويلٍ، بأن يقيم صلواته في أوقاتها، مهما كانت الظروف. وظلّ منذ ذلك العهد يغالي في أدائه لواجباته الدينيّة، ويتوخّى الدقّة في أوقاتها، حتّى بلغ به الأمر إلى أن يكبّر تكبيرة الإحرام في كلّ صلاة، عند اللحظة التي ينتهي فيها المؤذّن من الأذان، وإلّا هيمن عليه شعورٌ بالذنب ظلَّ يؤنّبه لأيّامٍ وليالي.
أمّا في صلاته هذه فلا يعرف ماذا جرى، ولماذا خامره الشكّ في اتّجاه الكعبة، على الرغم من أنّ السجّادة لم تتحرّك من مكانها منذ آخر مرّةٍ شطفت فيها أمّه البيت، وكان ذلك قبل نحو أسبوعٍ. ناهيك عن أنّه يصلّي على ذات السجّادة، منذ ثماني سنواتٍ، ويتوجّه صوب ذات الجهة.
فعندما بلغ السابعة من العمر وكان في الصفّ الثاني الابتدائيّ، جرَّه جدّه سعيد العطّار، ذات جمعةٍ، بقسوةٍ إلى المسجد ليستمع معه إلى الخطبة، ويؤدّي فريضة الظهر، لكنّه استغلّ انشغال جدّه بقراءة القرآن، وتسلّل من بين المصلّين، وخرج إلى باحة المسجد قبل أن تبدأ الخطبة، وراح يلعب مع قطّةٍ كانت هناك. وبعد انتهاء الصلاة، أدركه جدّه وصفعه صفعتين مؤلمتين مهدّداً إيّاه بالمزيد، إن لم يلتزم في المرّات القادمة بمواقيت الصلاة، غير عابئٍ بدموعه وتوسّلاته. وظلّ يبكي في طريق العودة إلى البيت حتّى رقّ له قلب جدّه وقال له يجبر خاطره:
"عيبٌ عليك أن تبكي يا ولدي في زمننا كانت الخيزرانة تلهب مؤخّراتنا دون أن نبكي، وأنت تبكي بسبب صفعتين صغيرتين! ثق يا بنيّ أنَّ هذه العقوبة ستضعك على السكّة الصحيحة إلى آخر يومٍ في حياتك، وستظلّ تدْعو لي بسببها ما دمت حيّاً".
وعندما أراد أن يبيّن لجدّه أنّه انشغل عن الصلاة بسبب القطّة، سأله الجدّ:
"وما كان لون القطّة؟".
فأجابه وهو يمسح دموعه بكم قميصه:
"كانت سوداء".
"أرأيت يا ولدي؟! أرأيت يا صهيب توقّعت ذلك".
وتابع:
"كانت الشيطان ذاته نعم كانت الشيطان وكان، لعنه الله، يريد أن يلهيك عن صلاتك ويقودك إلى الضلال لا تنسَ يا ولدي أنّ كلّ قطّةٍ سوداءَ، وكلّ كلبٍ أسودَ هو الشيطان بعيّنةٍ إنّما في لبوسِ حيوانٍ وعليك أن تدرك هذه الحقيقة!".
ومن تلك اللحظة شعر صُهيبٌ أنّ شيئاً ما قد بدأ يموت في أعماقه، هو الطفولة، هو البراءة، هو الميل إلى اللهو. وأنّ شيئاً آخرَ بدأ ينمو في مكانه، هو الجَدُّ، هو الالتزام الدقيق بالواجب، مهما كانت الظروف. ومن هنا شرع يصلّي صلواته الخمس في أوقاتها. وإذا وجد قطّاً أو كلباً أسودَ كان الحيوانُ مرمىً لحجارته ولعناته.
لكنّ ما يحصل له منذ فترةٍ أمرٌ فاق قدرته على التحمّل. إذ يلاحظ أنّ ثمّة قوّةً كبيرةً تهيمن عليه من أعماقه، وتدفعه إلى الشكّ بكلّ ما يقوم به تجاه دينه، تدفعه إلى الاعتقاد بأنّه لا يؤدّي فرائضه كما ينبغي. وهذه القوّة تتعاظم يوماً بعد يومٍ حتّى بات يشكّ في أنّه يؤدّي صلاته وهو لا يزال قائماً عليها. ويشكّ في قراءة الآية وهو لم ينتهِ منها. ويشكّ في قيامه بمسح رأسه تارةً، وغسل وجهه تارةً أخرى، قبل الانتهاء من وضوئه. وها هو يشكّ باتّجاه القبلة! ويعتقد جازماً أنّ صلاته لن تُقبل منه مالم يوليَ وجهه شطر المسجد الحرام بدقّةٍ عاليةٍ.
وكان قد أخفى سلوكه الغريب هذا عن أمّه، لعلمه أنّه لامنطقيٌّ وباعثٌ على السخرية. أمّا الآن فما من مندوحةٍ لإخفاء الأمر عنها. لقد سمعتْ صراخه الجنونيّ المرعب. وها هي تبكي، وتخبط على الباب بقوّةٍ، وتصرخ بأعلى صوتها طالبةً منه أن يفتح الباب، فأين المفرّ؟
نهض أخيراً، ومسح دموعه، وفتح الباب كان وجهه وجه حيوانٍ مفترسٍ، لا معالمَ للألفة فيه، وكأنّه من حجرٍ وليس من لحمٍ وبصوتٍ مرتعشٍ سألته أمّه وهي تهمُّ بعناقه:
"ماذا جرى لك يا صهيب؟ لقد أرعبتني يا ولدي!".
"لا شيء"؟ غمغم.
"لا شيء؟!"
"نعم لا شيء".
"أتظنّ أنّني غبيّةٌ؟".
"كفى يا أمّي، لا تزعجيني أريد أن أنام قليلاً أقول لك لا شيء، يعني لا شيء".
صاح، ثمّ حرّر نفسه من أحضان أمّه، وأدار ظهره إليها، وكأنّه يطلب منها الخروج. فأمسكت أمّه بطرف كمّه وصرخت:
"ولمن كان ذلك الصوت المرعب الذي سمعه الحيّ كلّه؟ ولماذا قفلت الباب على نفسك؟ انظر إليَّ يا صُهيْب، منذ فترةٍ ووضعك لا يعجبني، أراك مكتئباً طوال الوقت، حتّى أنّني لا أتذكّر آخر مرّةٍ ابتسمت فيها، وآخر مرّةٍ بادرت فيها بالحديث معي، وعندما أبادرك أنا بالحديث أجدك صامتاً لا تردّ عليَّ، وهذا يؤلمني كثيراً يا ولدي تفيق الصباح وأنت حزينٌ، ثمّ تعود من المدرسة وأنت أكثر حزناً ثمّ تدخل غرفتك وتقفل الباب على نفسك! وحتّى تحيّة الصباح لا تلقيها عليّ وليس لي أحدٌ في هذا البيت سواك ألستُ أمّك التي تحبّك؟ فلماذا تعاملني بهذا الجفاء يا صغيري؟".
وأجهشت بالبكاء، ثمّ تابعت:
"عليك أن تعرف أنّ هذه الحالة غير صحّيّةٍ يا صُهيْب، ولو أنّك شرحت لي الأسباب لعرفت كيف أعاملك. وإلّا سأضطرُّ إلى إخبار أبيك وأنت تعرف ماذا يعني إخبار أبيك بخبرٍ من هذا النوع أنا متأكّدةٌ من أنّه سيترك جامعته، ويعود للاهتمام بك بعد أن شارفت دراسته على النهاية".
ثمّ مدّت يدها لتمسح على رأسه وسألته بصوتٍ حنونٍ:
"بالله عليك، قل يا صغيري، ما الذي يضايقك؟".
تابع صمته، ودفع يدها بعيداً عن رأسه، ثمّ عاد إلى سريره واستلقى عليه. فتبعته وجلست بجانبه تتأمّل في هيئته. هيئة زومبيٍّ خارج للتوّ من قبره. قرأت في وجهه ملامح خاله عصام، أخيها الأصغر، قبل عشرين سنةً عندما داهمته نوبة اكتئابٍ شديدةٌ، وبات معها بليداً لا يبكيه حزنٌ، ولا يضحكه فرحٌ. ثمّ سرعان ما أخذت تراوده وساوسُ غريبةٌ بشأن الصحّة والطهارة، معتقداً أنّ كلّ ما حوله هو قذرٌ ونجسٌ لا ينبغي لمسه، وإذا اضطرّ إلى لمسه هرع إلى أقرب حنفيّةٍ. وظلّت علّته تتفاقم إلى أن راح يستهلك برميلاً كاملاً من الماء لغسل يديه، ويحتاج إلى ستّ ساعاتٍ لينتهي من الاستحمام. وفي ذروة مرضه بدأ جلده يتقشّر وينزف دماً من شدّة الفرك، ومع ذلك لم يكن ليقتنع أنّ جسمه قد بات نظيفاً، إنّما كان يتصوّر أنّ الأوساخ والبكتريا تتراكم على جلده فور خروجه من الحمّام، فيعود إليه مجدّداً في جولةٍ أخرى، أكثر قسوةً، من الفرك والدعك. وذات مرّةٍ خافوا عليه من الموت جوعاً وعطشاً عندما مكث ثماني ساعاتٍ متواصلةٍ في الحمّام متجاهلاً توسّلات أمّه وتهديدات أبيه، فكسروا عليه الباب ووجدوه يسبح في بحرٍ من الرغوة. وإلى جانبه ستّ علبٍ فارغةٍ من الشامبو وكومةٌ من أكياس الحمّام مهترئةٍ من شدّة الفرك.
تأمّلت زهرة الشيحان، أمّ صُهيْب، في هيئة ابنها جيّداً. إنّها بالفعل تشبه هيئة أخيها عصام في تلك الحقبة السوداء من تاريخ عائلتها الزغابات النابتة على نهاية ذقنه وأعلى شفتيه والتي أبى أن يحلقها رغم توسّلاتها، هي نفس الزغابات التي نبتت على ذقن عصام وأعلى شفتيه يوم داهمه مرضه، والذي بدوره أبى أن يحلقها عندما طلب منه أبوه ذلك. وكذلك وجهه المقطّب الخالي من التعابير. وقصر المسافة بين حاجبيه. وعيناه الذابلتان. ولمسة الإرهاق البادية على محيّاه. إضافةً إلى التدنّي المفاجئ في مستوى أدائه الدراسيّ في مدرسته وحتّى صوته الذي يَرِدُ إلى أذن السامع على وتيرةٍ واحدةٍ، كأنّه صوت روبوت، يشبه صوت خاله عشيّة مرضه. فهل ابنها قد أصيب بنفس مرض خاله، والذي سماه الأطبّاء حينها باضطراب الوسواس القهريّ؟
سقطت دمعتان من عيني زهرةَ وهي تمسح على رأس ابنها الممدّد على السرير دائراً ظهره إليها. حاولت أن تكلّمه مرّةً أخرى لكنّه ثابر على صمته، وأومأ لها بحركةٍ فظّةٍ أن تتركه لوحده، فقبَّلت رأسه، وخرجت إلى صالة الجلوس، قلقةً تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً لأوّل مرّةٍ تحوَّل البيت الذي شهد فرحة زواجها، وفرحة ولادة ابنها، وفرحة نجاح زوجها بامتيازٍ ونيله شرف الابتعاث إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، إلى قبرٍ مظلمٍ.
كانت كلّ جوارحها تقول لها: استعدّي للكارثة يا زهرة. ألم يكن مرض أخيها كارثةً على أمّها وأبيها، وعليها هي نفسها؟ لقد ظلّ يتشدّد في النظافة والطهارة إلى أن ضمّ إليهما التزاماته الدينيّة، سادّاً مسامعه عن نصائح أبيه، ودائراً ظهره للخطط العلاجيّة التي وضعها له الأطبّاء. وفي الأخير انتهى به المطاف إلى أفغانستان مجاهداً، غداة احتلال الروس لهذا البلد. وحتّى هذه اللحظة لا أحد يعرف عنه شيئاً، منهم من قال: أنَّه قُتل ودفن هناك. وآخرون أكّدوا أنّ الروس أسروه ومات في سجونهم من شدّة البرد. وطائفةٌ ثالثةٌ ادَّعت أنَّ الإقامة راقت له في أفغانستان بعد أن تعذّرت عليه العودة، لخوفه من الاعتقال والسجن وربّما التغييب الأبديّ في سجن صيدنايا سيّئ الصيت، فتزوّج في قندهار واتّخذها وطناً بديلاً. وهكذا غاب عصام غياباً محفوفاً بالمأساة، ملقياً بقلوب أفراد أسرته في أتون الحزن الأسود. وتاركاً وراءه أمّاً ما انفكّت تنوح إلى أن قضى عليها الحزن، وأباً هائماً على وجهه في الطرقات، ينتظر خبراً لم يأتِ حتّى الآن.
شعرت زهرة أنّها تختنق فجلست تبكي وتبكي. وعند المغرب توضّأت، وصلّت، وشرعت تقرأ القرآن، وتتوسّل إلى الله أن يرأف بها وبابنها الوحيد.
0 تعليقات