فصل من رواية "ابنة ليليت".. للروائي أحمد السماري
شعرتُ بسعادةٍ لا توصف حينما رأيت اسمي مسجّلًا ضمن الدفعة الأولى من خرّيجات كليّة الطبّ في جامعة الرياض، والمؤرّخة في العام 1980م «1400هـ». كنّا حينها إحدى وثلاثين طبيبةً، وقد سُجِّلَ في وثائقنا تخصّص الطبّ والجراحة. لم نكن أوْلَيات الطبيبات السعوديّات، فقد سبقتنا طبيباتٌ درسن خارج البلاد في مصرَ، ولبنانَ، والعراق، وبلدانٍ أوروبيّةٍ مختلفةٍ، وفي يوم 17 أغسطس حضرنا حفل التخرّج البسيط من حيث الفقرات تسيطر علينا نشوةٌ وفرحةٌ طافحتان تملأان نفوسنا، في أثناء فقرات الحفل الذي اقتصر على الحضور النسائيّ فقط، وبرعاية حرم أمير منطقة الرياض التي باشرت بتسليم وثائق التخرّج المؤقّتة مع مباركةٍ رقيقةٍ، حضرتْ معظم أمّهات الخرّيجات ما عدا والدتي بسبب بُعد الإقامة، وظروف والدي الصحيّة التي لا تمكّنها من تركه ولو لمدّةٍ قصيرةٍ، وصار متوجّبًا علينا أن نبدأ بعد الإجازة الصيفيّة برنامج التدريب لمدّة سنةٍ كاملةٍ تُسمَّى سنة الامتياز، حتّى نتمكّنَ من استلام الوثيقة الأصليّة أو النهائيّة.
حزمت حقائبي بهدف العودة إلى مدينتي الخُبر في المنطقة الشرقيّة التي تبعد 400 كلم من الرياض، بوساطة خطّ القطار الوحيد في بلادنا حينئذٍ. إنّها رحلةٌ تزيد على أربع ساعاتٍ قضيتها في تصفّح روايةٍ أجنبيّةٍ بعد انقطاع وقتٍ طويلٍ، بسبب الانشغال بالدراسة والمذاكرة للاختبارات النهائيّة، ولكنّ القلق والتفكّر في المستقبل وما بعد التخرّج يشتّتان تركيزي مثل ومضات البرق والرعد، ويذهبان بي بعيدًا في دهاليز المستشفيات وغرف العمليّات الجراحيّة، حتّى وجدت أنّني لم أنجزْ سوى عشرين صفحةً فقط طوال الرحلة كلّها.
وصل القطار إلى محطّته الأخيرة في مدينة الدمّام، وكانت أمّي والسائق الخاصّ بالعائلة في انتظاري. والدتي من الجنسيّة الهنديّة، اسمها باميلا ويعني البريئة، وهي بالفعل إنسانةٌ مسالمةٌ وخدومٌ وبريئةٌ، ربّما إلى حدّ البساطة أو السذاجة أحيانًا، فقد قبلت أن تتزوّج أبي مع أنّه تجاوز الستّين من عمره بعد وفاة زوجه الأولى وأمّ أبنائه وبناته، وكانت تتجاوز العشرين عامًا حينئذٍ. أنجبتني بعد زواجها بسنةٍ واحدةٍ، وقضت بقيّة حياتها ترعى والدي المسنَّ الثريّ الذي بدأت الأمراض والأدوية تتزايد عليه مع كلّ عامٍ يعيشه، فتراجعت حركته تدريجيًّا، حتّى أصبح لا يخرج من البيت إلّا لصلاة الجمعة، ثمّ توقّف عن ذلك بعد أن صاحب السرير معظم وقته في السنتين الأخيرتين. رحّب بي حين وصلت إلى البيت، وهنّأني مازحًا: «كنت أنتظر هذا اليوم الذي تصبحين فيه دكتورةً وتعالجينني من هذه الأمراض التي أتعبتني». قبّلت رأسه وقلت له: «أبشر.. أوّل مريضٍ سأكشف عليه هو أنت.. وأعطيك علاجًا يرجعك شبابًا كما كنت»، فضحك مع دعائه لي بالتوفيق.
منذ تزوّج والدي خليفة بن دعيج فضل - وكنيته أبو دعيج - أمّي استقدمها رسميًّا استنادًا إلى كفالته بصفتها زوجًا، واستقلّ بها في فيلّا متوسّطة المساحة، في جوار بيت العائلة الكبير الذي لا يزال يسكنه إخوتي الخمسة من أبي، أمّا الأختان فقد تزوّجتا وخرجتا إلى بيتَي زوجيهما، وتزوّج الإخوة الخمسة وأقاموا في بيت العائلة، يجلس كلّ واحدٍ منهم في جناحٍ خاصٍّ مكوّنٍ من غرفتين ودورة مياه، ولكنّ هذه الحال لم تطل كثيرًا، فالكلّ ينتظر وفاة الأب حتّى يتمتّع واحدهم بتوسيع مساحته، من خلال بناء مجمّعٍ مشتركٍ فيه خمسُ فللٍ، واستراحةٌ تتضمّن مضافةً مشتركةً للجميع، وبذلك تحتفظ العائلة بسمعتها وهيبتها وموقعها الاجتماعي.
العلاقة التي جمعت أمّي بأبي لا تتجاوز علاقة السيّد بخادمته، فهي تلبّي جميع احتياجاته الشخصيّة، فتطبخ، وتقدّم الأكل، وتساعده على الاستحمام، وتحافظ على النظافة المكانيّة والشخصيّة، وربّما لولا الموانع الدينيّة التي تمنعه من كشف عورته أمام امرأةٍ غريبةٍ لمَا قبلها زوجًا، واكتفى باستقدامها خادمةً. والدتي مسلمةٌ ومن المذهب نفسه، ولكنّها النظرة الفوقيّة التي برزت بعد اكتشاف النفط في منطقتنا، وخصوصًا تجاه الشعوب الآسيويّة والهنديّة. وأجزم أنّ الفقر والحاجة إلى المال هما اللذان دفعا والدتي وأهلها إلى قبول الزواج بالشيخ الخليجي الثريّ، مع أمل أن تتغيّر أحوالهم بعد هذا النّسَب الذهبيّ، غير أنّ الكثير من أحلام الثراء السريع تبخّر، لكون والدي أصبح في خريف عمره، وتوقّف فيه عن متابعة الأعمال والتجارة، وقلّ نشاطه وحركته، وتدرّج في توكيل إخوتي، فاختصّ كلّ واحدٍ منهم بنشاطٍ من الأملاك، صالحٌ مسؤولٌ عن تجارة الموادّ الغذائيّة، وحسَنٌ مسؤولٌ عن قطاع المقاولات، وإبراهيمُ مسؤولٌ عن تجارة الموادّ والأجهزة الكهربائيّة، وعبد الرزاق اهتمّ بمصنع الموادّ البلاستيكيّة، وتبقّى النشاط العقاريّ من عماراتٍ وأراضٍ ليصبح من نصيب الأخ الأكبر دعيج، ومن يكسب ثقةَ الوالد بموجب وكالةٍ شرعيّةٍ عامّةٍ تتوسّعْ صلاحيّته عامًا بعد آخر، وذلك في منحنىً معاكسٍ مع تراجع صحّة والدي التي صارت مثل قرص الشمس عندما يلامس أفق البحر مودّعًا نهاره الطويل، فتمكّن حينها دعيج من السيطرة على كلّ شيءٍ، وأصبح المتصرّفَ الأوّل في كلّ التجارات والممتلكات تقريبًا.
وصلتني تهنئة إخوتي بالتقسيط، فكلّما حضر أحدهم للسّلام على الوالد وصادفني، سلّم عليّ وأطلق مباركةً باردةً لا يصل تأثيرها سوى إلى مسمع أذنيّ دونَ قلبي، حتّى إنّ أحدهم خرج من دون مباركةٍ بداعي النسيان. لم أكن أنتظر الكثير منهم، فقد فترت تلك العلاقة بعد حصولي على شهادة الثانويّة العامّة القسم العلميّ بتقديرٍ ممتازٍ، مع الترتيب الأوّل على طالبات المنطقة الشرقيّة التعليميّة، وهو ما جعل زميلاتي يُطلقْنَ عليّ لقب «الدّافورة»، وهو محلّيٌّ متداولٌ بين الطلاب عمومًا الذين يتميّزون بالذكاء والتفوّق الدراسيّ، وقتها لم يتذكّر أحدٌ منهم أن يهنئّني بذلك، ولم ينطقوا سوى بالاحتجاج، أو لنقُلْ استكثروا التحاقي بكليّة الطبّ في الرياض، ولكنّها معارضةٌ ضعيفةٌ في وجود والدي، ووالدتي التي حرصت على دعمي وتشجيعي، وظلّت تدافع بقوّةٍ عن حقوقي على الرغم من مكانتها الضعيفة في العائلة، ولكنّها تعتقد أنّني مكسبها الأكبر من هذه الزيجة والغربة.
اقترح أخي الأكبر دعيج أبو خليفة أن ألتحق بكليّة التربية للبنات في الدمّام، لأتخرّج معلّمةً وأدرّس في مراحل التعليم العامّ، وهو ما كنت أرفضه إلى درجة المقت، لأنّه أقلّ كثيرًا من طموحي وقدراتي وأحلامي، وقد واكب حينها فتح باب القبول أمام الطالبات في كليّة الطبّ في الرياض، وإلّا وصل الأمر أن أطلب الدراسة خارج الوطن، ولكنّ الأقدار سهّلت الوضع وأضعفت المقاومة، لكون الرياض أقرب من بلدان أوروبّا. وأعترف أنّ الاختلاط النسبيّ، في أثناء الدراسة، مع أعضاء التدريس الذكور لم يشكّل هاجسًا أو ضغطًا عليّ أو على عائلتي حتّى لو علمت بذلك، فنحن من أصولٍ حسّاويّة، وهي منطقةٌ عُرفت بمذهبها المنفتح والمتسامح نسبيًّا بالنّسبة إلى المناطق الأخرى، خصوصًا في ما يخصّ حجاب المرأة وسفرها منفردةً. وللثّراء الماليّ إيجابيّاته الأخرى، إذْ يسهّل السفر إلى الخارج والانفتاح على الثقافات المختلفة، بما في ذلك البحرين البلد القريب الذي أحبَّه والدي كثيرًا، وامتلك فيه فيلّا صغيرةً كان يذهب إليها في سنوات نشاطه ليتابع أعماله التجاريّة، وخصوصًا البنكيّة منها التي تعدُّ متقدّمة هناك، وبقيت تلك الفيلّا وقفًا بموجب وصيّة الوالد لمن يريد من أبنائه أو بناته الإقامة فيها وقت يشاء، وسمّيت ببيت البحرين.
التحقت بمستشفى الدمّام المركزيّ لإكمال سنة الامتياز، ونشطت علاقتي القديمة بصديقات المرحلة الثانويّة بعد تغيّر أوضاعهنّ المهنيّة، فمعظمهنّ أصبحْنَ معلّماتٍ بعد تخرجهنّ من كليّة التربية في الدمّام، وتزوّجت أكثرهنّ، أمّا الباقياتُ فينتظرن النصيب. المنازل هي أماكن اللقاءات، فلم تكن المقاهي أو المطاعم تسمح بمثل تلك الجلسات، إمّا لقلّتها، وإمّا لعدم توافر مكانٍ مخصّصٍ للنساء في جلّها، وحتّى الشباب العازبون لم تكن حالهم أفضل، فلم يستطيعوا إلّا الذهابَ في نهاية الأسبوع إلى شاطئ البحر «شاطئ نصف القمر»، أو إلى دولة البحرين القريبة بوساطة العبّارات البحريّة، واستمرّ الوضع هكذا حتّى اُفتتح جسر الملك فهد بين الدولتين، فتحوّلوا حينها إلى السيّارات كوسيلةٍ أسرعَ وأسهل. وعادت علاقتي مع قطّتي نتاشا الّتي أطلقت عليها أمّي هذا الاسم، أحبّ لطافتها وهدوءها، وحنانها الكبير. صداقتها نقيّةٌ مع من يحبّها ويعتني بها، تبقى قريبةً منّي، وكأنّها تعبر عن الحميميّة المتبادلة بيننا، وكلّما شعرت بالضيق أو الكدر احتضنها، فتتحسّن حالتي، وتعود بعض طاقتي وبهجتي.
انقضت سنة الامتياز وحصلت على وثيقة التّخرّج النهائيّة، فتقدّمت إلى ديوان الخدمة المدنيّة، والمستشفى العسكريّ وغيرهما للحصول على وظيفةٍ، وفي أثناء انتظاري صدورَ قرار التعيين تدهورت صحّة والدي تدهورًا كبيرًا، فدخل عقبها إلى المستشفى، ووُضع في جناح العناية المشدّدة، إذْ تعرّض لجلطةٍ دماغيّةٍ أفقدتْه الوعي تمامًا، ولكنّه لم يصمد طويلًا ففارق الحياةَ، وأقيم له العزاء في بيت العائلة مدّة ثلاثة أيّامٍ لاحظت فيها مفارقةً عجيبةً، فوالدتي ذات الأصل الهنديّ هي فقط من بكت عليه، ولم تظهر على وجوه إخوتي الذكور أيّة مسحةٍ من حزنٍ أو تأثّرٍ، أمّا أختاي من والدي عفاف وزينب فقد استقبلتا المعزّيات بوجهٍ حزينٍ، وملابسَ تليق بالمناسبة الحزينة، وحملتا في أيديهما مناديل لمسح الأنفين النازفين.
بعد مضيّ أيّام العزاء عادت أمّي إلى بيتها لتقضي فيه مدّة الحداد وهي أربعة أشهرٍ وعشرة أيّامٍ، وطلب أخي الأكبر دعيج أبو خليفة اجتماعًا عائليًّا للورثة في بيت العائلة، فحضرتُ أصالةً عن نفسي ونيابةً عن والدتي، عندئذٍ قرأ دعيج الوصيّة التي تفيد أن تبقى الأسرة متماسكةً ومتحابّةً، وألّا ينزغ الشيطان بيننا كما نزغ بين أبناء سيّدنا يعقوب، وختم الوصيّة بأن يكون بيت البحرين وقفًا لمن أراد أن ينتفع به من أبنائه أو بناته، ثمّ طلب أخي مهلة ثلاثة أشهرٍ حتّى يتمكّن من حصر الأملاك المنقولة وغير المنقولة والأموال السائلة وغير السائلة، فحاز على ثقة الجميع من الإخوة والأخوات، وثقتي أيضًا بحكم السنّ، والخبرة التي اكتسبها من والدي، ومعرفته بتفاصيل الحلال، وأوكلَت إليه مَهمّة جمع الميراث وتقسيمه على الورثة، كلٌّ حسب نصيبه الشرعيّ.
صدر قرار تعييني في المستشفى العسكريّ في مدينة الرياض، بمرتّبٍ مُجزٍ، وبدلاتٍ مميّزةٍ مقارنةً بزملائي الأطبّاء الذين يعملون في المستشفيات التابعة لملاك وزارة الصحّة. يميّزه أنّه يدار بوساطة عقد تشغيلٍ مع شركةٍ أميركيّةٍ متخصّصةٍ في إدارة المستشفيات، يشمل العقد برامج تدريب وتطوير الطواقم الطبّيّة المختلفة. استلمت الوظيفة، وتعاون معي قسم الموارد البشريّة بأن سمحوا لي بالسكن مؤقّتًا في سكن الممرّضات التابع للمستشفى، وفي حرم المستشفى الكبير نفسه، وهذا ما وفّر عليّ أمر المواصلات من مكان العمل وإليه، على ألّا تتجاوز المدّة ستّة أشهرٍ، وأتمكّن من إيجاد سكنٍ خاصٍّ في ظلّ أزمة المساكن في مدينة الرياض التي تعيش طفرةً اقتصاديّةً كبيرةً، وتسبّبت في ارتفاع قيمة إيجاراتها أضعافًا. اخترت قسم الجراحة، وتحديدًا جراحة القلب والدورة الدمويّة، وقد استقطبت له إدارة المستشفى العديد من المتخصّصين الأجانب من الأطبّاء والفنّيّين، وجُهِّزَت غرف العمليّات بالمعدّات والأجهزة اللازمة، وعُيِّنْتُ متدرّبةً ضمن الفريق المشكَّل لهذه المهمّة، لكسب الخبرة والتجربة من الأطبّاء الذين سبقوني، يديره اختصاصيّةٌ أميركيّةٌ اسمها إليزابيث، فهي تنسّق عملَ الفريق، وتقوم بالأمور الإداريّة وتحديد المواعيد وغيرهما. بعد مدّةٍ من التعامل معها تعرّفتها من قرب، إنّها خمسينيّةٌ عزباءُ وذات شخصيّةٍ قياديّةٍ، تجمع بين الأدب في التعامل الإنسانيّ والحزم مع الاحترام في تعاملها الرسميّ، تعمل بجدٍّ وإخلاصٍ منقطعَي النظير، ولا أنسى دعمها إيّاي، وضمّي إلى فريقها، وتكليفي ببعض المَهامّ التي تناسب مؤهّلاتي وخبرتي المحدودة. تطوّرت علاقتي مع إليزابيث ذات الأصول الإيرلنديّة، وكانت واسعة الاطّلاع وتمتلك الثقافة العامّة، ثمّ تدريجيًّا توثّقت العلاقة معها أكثر، حتّى أصبحنا نذهب معًا إلى الأسواق والمكتبات وغيره.
انتهت مهلة الأشهر الثلاثة التي طلبها دعيج أو أبو خليفة كما تعوّدنا أن نسمّيَه، فطلب مهلةً أطول ليتمكّن من بيع الأصول البطيئة، مثل الأراضي الكبيرة التي تحتاج إلى رأس مالٍ كبيرٍ، وحدّد موعدًا حضوريًّا مع والدتي إلى دائرة كتابة العدل في الخُبر لتوكيل دعيج بالبيع، واستلام الأموال وصرفها للورثة. خالجني بعض الشكّ أنّنا نسلّم أبا خليفة كلّ شيءٍ من دون أيّة مساءلةٍ، ولكنّي وجدت الجميع مسلّمًا له، وكوني أصغرهم يصبح الأمر أصعب، وكم راودني هاجس مصير بيت والدتي، وظلّ يشغل عقلي ويعجز عن نطقه لساني، ولأنّه أخي الكبير وهو الآن في مقام أبي سكتُّ، فهو لن يتصرّف به إلّا بالرجوع إلينا، أو سوف يحسبه ضمن نصيب والدتي من التركة. استغللت وجود دعيج، وطلبت مساعدته في الحصول على شقّة في الرياض لأنّ إقامتي في سكن الممرّضات مؤقّتةً، فسألني عن اسم الحيّ المرغوب فيه، فقلت: السليمانيّة، قرب المستشفى العسكريّ، فهزّ رأسه وقال: «خيرًا إن شاء الله».
بعد شهرٍ من عودتي إلى الرياض مع هاجسي الذي تمنّيته سوءَ ظنٍّ، اتّصل بي قائلًا: «تواصلي مع صديقي أبي سليمان، فقد وجد الشقّة المطلوبة لك». سجّلت الرقم واتّصلت به، كانت الشقّة التي عرضها أبو سليمان تحقّق المطلوب وأكثر، تقع في عمارةٍ حديثةٍ يوجد فيها خمس شققٍ فقط، وأسفلها محلّ تمويناتٍ من بقّالةٍ متوسّطة الحجم، ومعظم سكّانها عوائل من الجالية اللبنانيّة والفلسطينيّة. رفض أبو سليمان استلام أيّ مبلغٍ مقابل الإيجار قائلًا: «المبلغ وصل من طرف أبي خليفة»، فشكرته، وأعاد هذا التصرّف توازن الثقة في أبي خليفة. انتقلت إلى الشّقة بعد تأثيثها، وأقمت علاقاتٍ طيّبةً مع الجيران الذين يتمتّعون بمستوىً اجتماعيٍّ راقٍ من الأخلاق وحسن الجيرة. كانت الأزواج يرسلنَ إليّ بعض الأطباق اللذيذة التي تشتهر بها بلدانهم، وخصوصًا الحلويّات، وتابعت مسيرتي العمليّة بكلّ سلاسةٍ، وإشراف إليزابيث وكبير الأطبّاء إدوارد ذي الجنسيّة البريطانيّة، فقد اشتهر بلداهما بعمليّات القلب المفتوح. ويأتي في المقدّمة الطبيب المصريّ المشهور مجدي اليعقوبي، لانتشار أسلوبه الجراحي الجديد في كلّ أنحاء العالم.
في زيارة الخُبر التالية وجدت والدتي منزعجةً ومتكدّرةً إلى حدّ الغضب على غير عادتها المتسامحة بعد أن تقبّلت نوائب الدهر، ولمّا سألتها عن سبب ذلك فردّت بلهجتها الهنديّة: «هذا دعيج.. بيع بيت مالنا». هنا أحسست بغصّةٍ في قلبي، وشعورِ مَن خدعه أقرب الناس منه، فقرّرت مواجهته. ذهبت إلى بيت العائلة وسلّمت على من وجدت هناك، وانتظرت دعيج حتّى عاد، سلّمت عليه وقبّلت رأسه كعادةٍ اجتماعيّةٍ تمنح إلى الأب أو من يحلّ محلّه، وجلسنا سويًّا في صالة البيت، وقد لاحظ توتّري باديًا على ملامحي، وفي حركات يديّ المتوتّرتين. تشاغل عنّي قليلًا بطلب القهوة، ثمّ سألني عن سكني الجديد في الرياض، فأعربت له عن امتناني له وصديقه أبي سليمان، وشكري إيّاهما، ثمّ وصفت الشقّة بالتّفصيل لأخفّف من ارتباكي، حتّى قلت: «ويوجد فيها غرفتا نوم...»، هنا قاطعني والتقط خيط الكلام وقال: «جميل.. الغرفة الزائدة مناسبةٌ لوالدتك، عليك أن تأخذيها معك وكلاكما يحتاج إلى الآخر». حينها تأكّد لي صدق حديث والدتي عن البيت، فقلت في نفسي: «لأفضخ البيضة» كما يقال، وأسأله مباشرةً عن الموضوع: «هل صحيحٌ أنّك بعت بيت والدتي؟»، فخرج منه الجواب بسيطًا ومباشرًا: «نعم. البيت باسم الوالد رحمه الله، وهو جزءٌ من الميراث، والوالد لم يوصِ به لأحدٍ، فلا بدَّ من بيعه مثل بقيّة العقارات الأخرى»، ثمّ تابع بنبرةٍ توجيهيّةٍ: «عليك يا جواهر أن تأخذي والدتك إلى الرياض، سوف تؤنسك في وحدتك من جهةٍ، وتساعدك في أمور البيت من جهةٍ أخرى».
سكتُّ ولم أردَّ على كلامه، وشعرت بأنّ ذلك المقترح ذو نبرةٍ وصائيّةٍ، وبداية زلزالٍ مقبلٍ عليّ وعلى والدتي، ويقصد منه إبعادنا من العائلة حتّى يتمّ ما يدبّر له في غيابنا. ما الحلّ؟ لا أعرف، خبرتي في الحياة محدودةٌ، كيف أتصرّف؟ إلى من ألجأ؟ لو أنّ لي أخوالًا حاضرين، أو أعمامًا أحياء، لأمكنني اللجوء إليهم، وسؤالهم أو استشارتهم، ولكنّ أخوالي في الهند ولا أعرفهم، ولم يسبق لي السفر إليهم إلّا في طفولتي، وأعمامي توفّاهم الله قبل والدي، فلم يبقَ سوى أبنائهم وهم من إخوتي أقرب، فرجعت لوالدتي مهزومةً أسحب ذيل الخيبة والهوان مع عجز الحيلة، وفي صباح اليوم التالي قلت لها: «أحتاج إلى مجيئك معي، فلا شيء يربطك بهذا المكان الذي انتهى بوفاة أبي»، فردّت بحزمٍ غير معتادٍ منها: «بابا دعيج يريد أن نخرج من هذا البيت ليأخذ نصيبنا من الميراث، لكن أنا قلت له لن أخرج من هذا البيت خطوةً واحدةً، حتّى يسلّمنا نصيبنا كاملًا، اذهبي يا جواهر إلى عملك، وسأبقى شوكةً في خاصرته حتّى نحصل على حقّنا الشرعيّ». هنا أدركت أنّ هذه الهنديّة ليست تلك الإنسانة البسيطة والساذجة، ولكنّ حسن خلقها وتربيتها أخفيا حقيقة شخصيّتها. ضحكت من هذا الردّ القويّ وقلت: «الله يقويّك».
زارتني سعاد إحدى الجارات من الجالية اللبنانيّة، ولمّا لاحظت قلقي بعد عودتي من زيارتي الأخيرة في الخُبر، أخبرتها عن المشكلة بعد سؤالها، لعليّ أجد عندها ما يساعدني، أو أفضفض لها بعضًا ممّا يضيق به صدري، فأخبرتني عمّا حدث لزوجها مع إخوته بعد وفاة والدهم، لقد حاولوا سرقة حقّه من الميراث، فوالدهم من إقطاعيّي الضيعة التي يسكنونها في لبنان، وكانوا يحسدون أخاهم الذي يعمل في السعوديّة، ويكسب «مصاري كتير»، حينها أوكل الأمر إلى محامٍ، ورفع القضيّة إلى المحكمة المختصّة، واستطاع المحامي أن يكسبها ويعيد إليه حقّه كاملًا، ونصحتني بأن أفعل المثل، وأوكل محاميًا يحفظ لي ولوالدتي حقوقنا. لا أنكر أنّني استحسنت الفكرة، ولكنّي استبعدتها بحجّة أنّنا أهلٌ وإخوةٌ، ولن تصل الأمور إلى المحامين والمحاكم، عندها ختمت سعاد كلامها بمثلٍ مشهور: «الفلوس بتغيّر النفوس»، فوعدتها بأن أفكّر في الموضوع، ولكنّني اتّخذت القرار الخطأ بعدم الاستعانة بمحامٍ أقلّها في ذلك الوقت.
مرّت عشرة شهورٍ منذ وفاة والدي، وعندما علم أخي دعيج بزيارتي أمّي أرسل في طلبنا بعد صلاة المغرب. حضرنا ووجدناه جالسًا في الصالة مع مجموعةٍ من الأوراق يتصفّحها، ودفتر الشيكات البنكيّة موضوعٌ على الطاولة التي أمامه، مدَّ لي ورقةً وقال: «لقد انتهينا بحمد الله من حصر جميع التركة، وبيع ما يتطلّب البيع، وتقدير قيمة بعضها من قبل المثمّنين المختصّين، وبعد الحساب أصبح نصيبكم عشرة ملايين ريال، ستّة ملايين ريال نصيب أمّ جواهر، وأربعة ملايين ريال نصيبك يا جواهر، عليكما توقيع هاتين الورقتين لإثبات استلام نصيبكما كاملًا»، وقفت والدتي مباشرةً محتجّةً ومنزعجةً وقالت: «هذا كلام مو زين.. هذه الفلوس قليلةٌ، أبو دعيج حلاله كثيرٌ». صدمت من المبالغ التي عرضها أخي، فما نعرفه عن ثراء والدي أكبر من ذلك بكثيرٍ. وفيما أنا سارحةٌ في حجم الخيبة، والحيف الذي وقع عليّ وعلى أمّي، استيقظت على صوتها المنزعج يقول لي: «يا الله نروح البيت.. أبو خليفة صار علي بابا»، وتقصد أنّ أخي تحوّل لصًّا.
بقيت عدّة أيّامٍ أشعر بظلم أخي الكبير وطغيانه وجوره، وبأنّنا امرأتان مستضعفتان، بأيّ مبدأٍ يستحلّ فيه أخي أموالنا التي تصونها كلّ الشرائع السماويّة؟ تناوبت على نفسي لمحتان: الأولى تقرّ بالهزيمة والاستسلام لواقعها، والأخرى تستدعي النضال وعدم الانكسار بهذه السهولة، وأدركت كم من المتناقضات في روحي! وكم أنا ضعيفةٌ! وكم أنا قويّةٌ في آنٍ واحدٍ! شجاعةٌ وخوفٌ، وأملٌ ويأسٌ، وسيطرةٌ واستسلامٌ. عرضت فكرة اللجوء إلى محامٍ على أمّي فرفضت وقالت: «الأفضل أن نطلب المساعدة من بعض الأقارب والأصدقاء بالتوسّط مع أبي خليفة، فربّما ذلك يحرجه ويدفعه إلى مراجعة نفسه»، فقلت: «ماذا لو طلبنا من إخوتي الآخرين التدخّل في الأمر؟»، فجاء ردّها سريعًا: «إخوتك يعلمون بكلّ شيءٍ، فلا تضيّعي وقتك معهم».
تذكّرت والد إحدى صديقاتي، وأنّ له علاقةً طيّبةً مع أخي دعيج، وسابقًا مع والدي قبل وفاته، فرفعت السمّاعة وطلبت من صديقتي أن توصلني بوالدها، تفاجأت بطلبي ثمّ اعتذرت لأنّه خارج البيت، وسوف يعود بعد ساعةٍ، وأنّها سوف تخبره. مرّت الساعة وقد هدأت قليلًا، ورتّبت بعض الجمل لشرح الموضوع له، فاتّصل وسمع منّي الموضوع، وردّ بصوتٍ هادئٍ ورزينٍ أنّه سيراجع أخي أبا خليفة، وسوف يبذل أقصى جهدٍ ممكنٍ لإصلاح الخلاف الذي حدث.
سافرت إلى عملي في الرياض من دون أن يصلني أيّ ردٍّ، وبعد مرور أسبوعٍ اتّصلت بصديقتي مرّةً أخرى، ومن حسن الحظّ ردّ والدها مباشرةً، سلّمت عليه وقلت: «بشّرنا.. عسى وصلت إلى شيءٍ مع أبي خليفة؟»، فارتبك قليلًا، وبدأ يخرج كلماته بصعوبةٍ، ثمّ ختم كلامه: «يا بنتي أبو خليفة تغيّر عليّ، ورفض مفاتحته في هذا الأمر، وقال هذا موضوعٌ عائليٌّ ولا يسمح لأحدٍ بأن يتدخّل بين الأهل». أصابني الخرس ولم أعرف ماذا أردّ عليه، وقبل أن أنهي المكالمة استوقفني ثمّ قال: «هناك أمرٌ لا بدّ من أن أنبّهك إليه»، ثمّ أكمل بعد برهةٍ: «أبو خليفة انفعل أمامي، وقال إذا ما تقبل هذه الهنديّة وبنتها بالنصيب الذي عرضته عليهما سوف أبلّغ عنها الجوازات وأخلّيهم يسفرونها لديرتها»، فقلت: «هذا تهديدٌ يا عمّ؟»، فردّ بصوت المعتذر: «أنا لا أقصد إزعاجك أو تهديدك، ولكن أحببت أن أنبّهك، كي تقومي بما يلزم حتّى لا تخسري مالك ووالدتك». شكرته بصوتٍ مخنوقٍ، وأعدت السمّاعة إلى مكانها ويداي ترتجفان، وأصابني ألمٌ في بطني نتيجة الخيبة والخوف، وفقدان الثقة بشخصٍ كنت أظنّ أنّه سيقوم مكان أبي، فالموت يقتل المستقبل وينهيه، أمّا الخيانة وعدم الثقة فيقتلان الماضي والمستقبل وكلّ ذكرى حسنةٍ. لم أستطع الذهاب إلى عملي في اليوم التالي، وبعد الظهر أرسلت في طلب جارتي سعاد، وشرحت لها ما حدث، فقالت: «من اليوم ابحثي عن محامٍ، وهو سيعطّل أيّ إجراءات ضدّ أمّك إذا كان هناك قضيّةٌ قائمةٌ، نحن أجانب ونعرف النظام في مثل هذه الحالات».
تقدّمت بطلب إجازة أسبوعٍ من العمل، وغادرت إلى الخُبر، وفي ثلاثة أيّامٍ وقّعتُ العقد مع المحامي خالد المتخصّص في قضايا الميراث وخلافه بعد بحثٍ لم يطل كثيرًا، ليحصل بموجب العقد على نسبةٍ من المبالغ التي تزيد على ما عرضه أخي علينا، ووكّلته بموجب وكالةٍ شرعيّةٍ من دائرة كتابة العدل في الخُبر. بدأ المحامي التواصل مع أخي دعيج وطلب مقابلته، فوافق وحدّد له موعدًا في مكتبه، وبعد عودة المحامي اتّصل بي مساءً وقال: «أخوك خصمٌ عنيدٌ، وهو يستكثر عليكم الحقّ كاملًا لأنّ أمّك هنديّةٌ، ويعدّ المبلغ المعروض عليها هو أفضل تصفيةٍ ونهاية خدمةٍ لأيّ مدير بنك في البلاد كلّها، وأنت طبيبةٌ ستتزوجين قريبًا، ولست في حاجةٍ كبيرةٍ للمال، ويخاف أن تذهب الأموال الموروثة إلى أشخاصٍ لم يتعبوا في جمعها كما عمل هو وإخوتك الآخرون، ولولا تعبهم وجدّهم وعرقهم ما تجمّعت هذه الثروة»، فرددت بعصبيّةٍ: «ولكن هذا ظلمٌ، هل تقبل كلامه؟»، فقال بهدوءٍ: «لا.. مطلقًا، ولكنّني أشرح لكي صعوبة الأمر، وكيف يفكّر أبو خليفة، وأنّ الحلول الودّيّة شبه معدومةٍ، ولا بدّ من رفع قضيّةٍ في المحكمة، وأنصحك بنقل والدتك من البيت إلى مكانٍ آخر بعيدًا من العائلة، حتّى لا تحدث أمورٌ أو تتطوّر إلى ما لا يحمد عقباه، خصوصًا عندما يصلهم إخطار المحكمة». وهذا ما حصل فعلًا، اقتنعت والدتي بنصيحة المحامي بالانتقال إلى الرياض، والبقاء عندي حتّى تنتهي القضيّة.
جهّزت لوالدتي غرفة النوم الثانية، وبدأنا نتكيّف مع الوضع الجديد، فهو أكثر راحةً لشعورنا بالقرب والتعاضد. تمكّنت والدتي من خلق شبكة علاقاتٍ سريعةٍ مع الجيران، حتّى وصلت إلى بائع البقّالة الهنديّ جافيد خان، وطلبت منه أن يحضر لها جميع الطلبات إلى باب الشقّة، وبذلك استلمت والدتي جميع الأمور الحياتيّة وتركت لي العمل والمذاكرة لامتحان البورد العربيّ، ومتابعة القضيّة مع المحامي بعد كلّ جلسةٍ في المحكمة، ومن تباشيره تمديد إقامة والدتي بأمر المحكمة حتّى نهاية الحكم في القضيّة، لكونها طرفًا أصيلًا في القضيّة.
زارتنا إليزابيث في البيت وتعرّفت إلى والدتي وسألتني مباشرةً: «جي جي ما أهدافك المستقبليّة؟ أين ترين نفسك بعد عشر سنواتٍ؟». خرجت من فمي كلماتٌ خاويةٌ لا تحمل أيّ معنىً سوى أمنياتٍ جميلةٍ فقط، وأن أكسب قضيّتي مع أخي دعيج وأسعد أمّي، ثمّ سكتّ، فقالت: «اسمعي منّي نصيحةً يا جي جي، أنا مثل أختك الكبرى. ليس في الحياة متّسعٌ من الفرص، وعليكِ أن تولدي من جديد، فالحياة فرصةٌ وحيدةٌ ويجب أن تحسني استغلالها. من الضروريّ قيادة الوقت، والتحكّم في تحديد الطريق الذي أمامك، وأيّ خطأٍ في تحديد المَخرج الصحيح سيدفع الإنسان ثمنه غاليًا». غادرت إليزابيث، وبقيت كلماتها ترنّ في عقلي، فكيف سلبتني قضيّة الإرث تركيزي على المستقبل المهنيّ؟ وكيف تحوّلت مع الوقت إلى مجرّد موظّفةٍ ذات نسقٍ روتينيّ، تذهب كلّ يومٍ إلى العمل لتكسب راتبها في نهاية الشهر من دون أهدافٍ، وماذا أنجزت منها؟ وأين سأصل بعدها؟ لقد دقّت ناقوسي بقوّةٍ. أحضرت ورقةً وقلمًا، وكتبتُ: ماذا أريد أن أكون بعد عشر سنواتٍ؟ ومنحت نفسي مهلة أسبوعٍ حتّى أحضّر الإجابة.
أكملنا سنتين هادئتين لم ينغّصهما سوى حدثٍ حصل في المطار الدوليّ، وهو أنّ مسؤول الجوازات رفض سفري خارج البلاد إلّا بوجود محرمٍ، أو موافقةٍ من وليّ أمري، ولم يلتفت إلى محاولتي بإقناعه بأنّي طبيبةٌ، وذاهبةٌ إلى مؤتمرٍ علميٍّ متخصّصٍ في جراحة القلب وليس للسياحة، وأنّ والدي متوفّى، وأهلي في المنطقة الشرقيّة، كلّ ذلك ذهب أدراج الرياح، فاضطررت إلى الاتّصال بأخي عبد الرزاق وطلب مساعدته، فوقّع نماذج عدّة بعدم الممانعة وأرسلها، وتمكّنت من السفر، واحتفظت بالبقيّة لسفريّاتٍ مقبلةٍ.
حصلت على البورد العربيّ كبدايةٍ في مسارٍ طويلٍ من الترقّي في سلّم المهنيّة الطويل، فأصرّت والدتي على إقامة حفلةٍ مصغّرةٍ في البيت، دعونا فيها بعض الجارات، وثلاثَ صديقاتٍ من المستشفى إحداهنّ إليزابيث التي حضرت وفي يدها هديّةٌ، وهي كتابٌ محاطٌ بتغليفٍ ورقيٍّ وشريط سلوفان ووردةٍ ملتصقةٍ في منتصفه، شكرت لها لطفها وكرمها، كما شكرت الأخريات، وسهرنا وتحدّثنا، وأكلنا من الأطباق الهنديّة اللذيذة، وفي نهاية الأسبوع اللاحق نزعت التغليف عن الكتاب فوجدته روايةً لكاتبةٍ أمريكيّةٍ اسمها آين راند، عنوانها ترتيلةٌ من الحجم الصغير، ويمكنك أن تنهيها في جلسةٍ واحدةٍ أو جلستين على الغالب. قرأت ودُهشت من تلك الجمل التي تتحدّث عن الخوف الذي يطوّقنا في كلّ مكانٍ، وأنّه السبب الرئيس في صهرنا حتّى يصير الإنسان عجينةً سهلة التشكيل، ثمّ إدخاله في فرن القناعات المتشابهة بل الموحدة، وأن طريق الإنسان لنيل حرّيّته هو في دوام المحاولة، والبحث عن السرّ الكامن في الذات الإنسانيّة، وعلى الإنسان أن يهرب من رتابة الحياة العاديّة إلى حياته التي يريد، وعليه ملاحقة حلمه كمن يلاحق نورًا كثيفًا يبزغ في روحه كلّما وُلد حلمٌ جديد.
تابعت القراءة مع تظليل تلك الجمل والفقرات باللون الأصفر ليمكنني العودة إليها، حتّى وصلت إلى تلك الصفحة فعلّمتها كاملةً باللون الأصفر، وقلت لنفسي: هذا هو الجواب الذي أبحث عنه لكي أكتب خطّتي المستقبليّة وليس لعشر سنواتٍ فقط، وسيصبح دستور حياتي الجديد، ولن أحيد عنه قيد أنملةٍ:
«أنا لا أُدين بشيءٍ لإخوتي، ولا أحصل على القروض منهم، لا أطلب من أحدهم أن يعيش لأجلي، ولا أعيش لأجل أحدهم، لا أشتهي روح إنسانٍ آخر، وليس لأحد أن يشتهي روحي. أنا لست عدوًّا لإخوتي، ولست مواليتهم، ولكن فيّ من الاثنين لهم بقدر ما يستحقّون منّي. ولا يكفي أن يُولد إخوتي في هذه الدنيا كي يستحقّوا حبّي. أنا لا أمنح حبّي من دون سببٍ، ولا أمنحه أيَّ عابر سبيلٍ يرجو أن يستحوذ على قلبي. أنا أشرّف البشر بحبّي، والشرف مكتسبٌ لا مُهدى. إنِ اتّخذت من بين البشر أخلّاء لي فلن يكونوا أسيادي، ولن يكونوا عبيدي. ولن أتخيّر منهم إلّا من طاب لي معشره، وإليهم أصرف حبّي واحترامي، ولكن ليس لهم أمري وليس عليهم طاعتي. وإن أردنا ضممنا أيدينا، وإن أحببنا مشى كلٌّ في طريقٍ. في مكنون كلّ روح برج، وليس لأحد غير صاحبه أن يدخله، يجب على كلّ فردٍ أن يحمي برجه، لا يمسه آخر، ولا يدنّسه آخر، فإن أراد أن يشدّ يده بأيدي الآخرين فله ذلك، على أن يكون هذا بعيدًا من برجه المقدّس».
وفي صفحتها الأخيرة سطّرت أعظم حكمةٍ لمعنى أن تعيش في الحياة: «الكلمة التي لا يمكن أن تفنى من هذه الأرض، لأنّها محورها وأساسها وسرّ عظمتها، الكلمة المقدّسة: ذات».
قلبتْ تلك الرواية القصيرة كياني، وعجبت لفعل تلك الكلمات والأفكار في روايةٍ صغيرةٍ، فهي كبيرةٌ وعظيمةٌ على الرغم من ذلك، بما أحدثته في نفسي وربّما في نفس كلّ من قرأها قبلي، وخصوصًا من النساء. شيءٌ أشبه بالزلزال، لم تتمكّن كلّ مناهج الدراسة الرسميّة والجامعيّة الطويلة والكتب الأخرى التي قرأتها سابقًا أن تحدّث ربع أثرها في وجداني.
وصلني اتّصال من المحامي خالد بصوتٍ مخذولٍ: «مع الأسف صدر الحكم اليوم وخسرنا القضيّة»، فقلت: «بماذا حكم القاضي؟»، فردّ: «بمبلغ يزيد قليلًا على عرض أخيك دعيج، عشرة ملايين ريال لوالدتك، وثلاثة ملايين ومئتا ألف ريال هو نصيبك مع الأسف، لقد نقل دعيج، بموجب الوكالة العامّة التي لديه من والدك، معظمَ الأملاك إلى اسمه واسم إخوتك الآخرين، فمثلًا شركة الموادّ الغذائيّة نقل ملكيتها إلى اسم أخيك صالح، وفعل المثل بكلّ الشركات والمصانع مع بقيّة الإخوة، كلّ ذلك في تواريخ قبل تاريخ وفاة والدك يرحمه الله، ويدّعي أنّ ذلك كان بأوامرَ وتنازلٍ رسميٍّ من والدك، ولم يبقَ من الثروة الضخمة سوى العشر فقط، وقد طلبت من الشيخ «القاضي» أن نلجأ إلى اليمين، فقبل دعيج وأقسم على المصحف، فانتهى بعدها كلّ شيءٍ وحكم القاضي بما ذكرته لك». توقّف عن الكلام ينتظر ردّي فلم أقل شيئًا، فأكمل حديثه: «هناك أمرٌ آخر أرجو أن تتقبّليه بهدوءٍ، على والدتك أن تغادر البلاد في موعدٍ أقصاه شهرٌ من تاريخ استلامها المبلغ من المحكمة بموجب النظام، ويمكنك استقدامها مرّةً أخرى على كفالة جهةٍ أو فردٍ بحسب المهنة المناسبة لها». هنا قلت له بعصبيّةٍ غير مبرّرةٍ: «مهنة خادمةٍ مثلًا؟!»، لم يردّ واعتذر عمّا حصل وأقفل السمّاعة، وضعتها جانبًا وجلست وحدي في صالة الشقّة، كانت والدتي في الخارج، فكّرت ثمّ أعدت التفكير حتّى وصلت إلى القرار الأخير، على والدتي أن تغادر إلى أهلها في الهند، وتعيش كما تحبّ أن تعيش، وتعوّض أكثر من أربعة وعشرين عامًا قضتها في خدمة والدي، والمبلغ الذي ورثته ستكون به ملكة هناك، فلا خوف عليها من الحاجة في المستقبل، وبعد أن تغادر سوف أرتّب أوضاعي، وأسافر إلى بلدٍ آخر ولن أعود مرّةً أخرى.
استلمنا المبالغ من المحكمة وأودعتها في حسابين مستقلّين في أحد البنوك، وفي المطار سلّمت والدتي ظرفًا فيه تذكرة الطيران، وشيكًا مصرفيًّا فيه قيمة نصيبها كاملًا محوّلًا إلى الدولار الأمريكيّ، وألف دولار أخرى نقدًا. ودّعتها، وعند مدخل بوّابات الجوازات اِلتحم جسدانا معًا في انتفاضةٍ من الحزن والوداع والفقد بدمعٍ يفيض ببرق حسراته، وغصّةٍ متوقّفةٍ في منتصف الحنجرة ابتلعتها في حرجٍ بالغٍ، وشعورٍ مؤلمٍ لاحتمال أن تكون هذه النظرة الأخيرة في وجهها.
قابلت إليزابيث، وطلبت مساعدتها في البحث عن أفضل الجامعات أو كليّات الطبّ المتخصّصة في جراحة القلب، وعادت بالردّ بعد أسبوعٍ، بعد البحث واستشارة بعض الأطبّاء المتخصّصين في جراحة القلب، قائلة: «كليّة ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك»، وبرّرت الاختيار بتفوّقها وسمعتها العلميّة أوّلًا، وأنّها غير هادفةٍ إلى الربح، وغير طائفيّةٍ، وهذا مهمٌّ بالنسبة إلى الأجانب. بدأت بمساعدتي في إرسال طلب الالتحاق، وجاء الردّ بعد شهرٍ بالموافقة على قبولي طالبةً في الدراسات العليا الطبّيّة في تخصّص جراحة القلب والدورة الدمويّة، مع إشعارٍ بدفع رسوم دراسة السنة الأولى بخمسين ألف دولار. حوّلت المبلغ إلى حسابهم من طريق أحد البنوك المحليّة، وقدّمت استقالتي من العمل وصُفِّيَت مستحقّاتي، ثمّ أخذت تأشيرة الدخول من السفارة الأمريكيّة في الرياض، وحجزت موعد السفر، وسلّمت الشقّة إلى صاحبها أبي سليمان، وتركت له الأثاث هديّةً على حسن تعامله معنا في المدّة السابقة. ودّعت جاراتي وأصدقائي وزملائي في المستشفى، وقبل خروجي سلّمتني إليزابيث مفتاح بيتها في نيويورك وقالت: «اسكني هناك حتّى تجدي سكنًا مناسبًا لك»، مع رقم هاتف شركة الأمن والصيانة التي تتولّى حراسة البيت إلى حين عودتها، وأبلغتني أنّها أرسلت لهم فاكسًا بذلك. شكرتها وقبّلت وجنتيها، ونزلت دمعاتٌ حارّةٌ من عينيّ وغادرت. كان ذلك في أغسطس من العام 1984.
0 تعليقات