على مضضٍ مرّ شهران ،وفي الأثناء كان الألم فجًّا عميقًا وملحميّا ، الهول أيضًا كان صادمًا على معتقد الناس بشكلٍ لا يمكن استيعابه ، لا سيما "كاراجالي" .

مراسم دفن المُسنّين لا تنقطع بتةً واحدة ، لا يكاد يمر يومان إلا وفي المقبرة قبر جديد .

تنوعت المقابر ومن أطياف "كاراجالي" جُلّها.

مسِنّو عائلة "سلي" والعديد من كهول عائلة " آل بدرخان" وبعض شيوخ عائلة إبراهيم ، وبعض العامة من المزارعين ، ولا سيما كبار العمر من تصل بينهم وبين عائلة اللواء "حكمت" قرابة قريبة أو بعيدة .

إتسعت المقبرة وبات لها مساحةٌ مدَّ العين حتى لأنها تظهر للناظر  لا كأنها مقبرة هذه الضيعة الصغيرة ، إتسعت حتى أنها تتضح لوهلةٍ كمقبرة مدينة شبه مكتظة.

في جنازةٍ لِعَمّ زوجة اللواء "حكمت" زوجته التي تدعى "نازلي" اجتمعت الوفود عند المقبرة ، حيث الكمامات ولا شيء سواها يخفي تقلب الأفواه ونعوتها، إجتمعت حول المقبرة عرباتٌ مدججة بالسواد ، أطقمٌ رسمية ، فساتين سوداء يظهر على سيداتها وقارٌ فاضح ورصانةٌ كيدية وجديّةٌ عديمة الملامح.

بِدَلٌ عسكرية ، ضباطٌ ونياشينٌ تزين الصدور ، باقات ورودٍ تهل من كل صوب ، تخرج حتى غدا المكان حديقة.

البعض من الحضور ذوي الشأن كان رفقته مرافق ليقوم عنه بمهامٍ تغنيه عن الارتباك وسط جوٍّ مليءٍ بالترقب والتشنج وانتظار الهفوات ، الكاميرات تتوزع ، بعض المحطات تنقل ، والمأتم في أوجه لكأنّ المكان ساحة عرضٍ عسكري مليءٍ بالأوسمة والشخصيات.

يبعد الحراس الخاصون والمرافقات أهل كاراجالي بعيدًا كي لا يعكروا صفو الحدث ، فالشكل لا يمكن العبث به في هكذا مقام .

لا يحلو لأيّ منهم أن يظهر فلاحٌ بزيٍّ  رث وقد بات هنالك في خلفية الصورة ، أقسم إن ذلك ليخدش المهابة وينزع السمعة ، لا بد من الأبّهةِ ها هنا.

حتى "سانريه" كان عليه حفر القبر قبل ذلك بساعات ، يتم تنميق المكان وإخفاء المعيبات بعدها من قبل المنظمين الذين يُنسقون الزهور ومدخل المقبرة ومكان الدفن بعنايةٍ فائقة الملاحظة ، لا يتسع المكان لأدنى غلطة.

هنا يكون دومًا لمراسم دفن موتى عائلة اللواء حكمت مكانة خاصة وبروتوكولٌ منمق ، أما عائلة بدرخان فتذهب مراسم دفناهم للبذخ أكثر المذهب ، يهتم الشيخ "لقمان" كبير عائلة بدرخان بالكرم أكثر الاهتمام ، الولائم لا تُفضى، يعلم الجميع برائحة لحمه وجوقةِ كرمه ، إلا أن "مزكين" لا توفر أي فرصةٍ في تملق العائلتين ، ولا سيما "لقمان" لأن في طبعه كرمًا يفوق حد المتفق عليه حتى ، وهو من عادته أنه يدفع مقدمًا مما يجعله أقرب لقلب الأرملة من "حكمت" ، فتتودد كل الود صارخةً:

تعالو هنا ولبوا دعوة الشيخ "لقمان" خذوا الخير من صاحب الخير ، التقفوا من يد هذا السخي اللحم والخبز والأرُز.

لا يعدو الشيخ "لقمان" مهما حاول من الانضباط والتنسيق والترتيب في مراسمه أن يضاهي مهابة هذه الجنازة، جنازة وقُداس دفن يشهق الناس هنالك من خلف الأسوار أنفاسهم من فظاعة المشهد ورسميته ، يقولون على خفية :

أرأيتِ تلك السيدة وما يتّقد وجهها من جمال ! أرأيتِ ذاك الذي يلازمها المظلة كي يقيها حبّات المطر !

يقول آخرون هناك في شمال السور خلف الأسلاك:

انظروا الضابط هناك ، بجانب اللواء "حكمت" رأيته عديد المرات على شاشة التلفاز ، ينادي أحدهم في الخلف :

أنا ... أنا ، رأيته في عروضٍ عسكرية عدة .

تقول مجموعة نساءٍ غابرة :

انظرن تلك الخاتونة إنها -أقسم بأيماني المغلظة- تكبرني بعشرين سنة ، وهي تلبس ما تلبس ، لا يخجلن ، هؤلاء النسوة لا يخجلن ، كيف تتوسطين الرجال في منسك الدفن وأنتِ هكذا! ساقاك مكشوفة أعلى الركبة، ونصف ثدييك ظاهر! لا يبردن، تلك النسوة لا تبردن .

لا ... لا ... لا ... لا تقول النسوة مجتمعاتٍ:

هذا معيبٌ مهما كان ، تقول إحداهنّ حاملةً ابنها، وهي تتصف بوجهٍ مذعورٍ يسوده التجعّد والقسوة:

لمَ لا أيتها الطاعنات ، لم لا تظهر أصغر منكن ! هل تقطف الزيتون مثلكن ؟ تجيب النسوة.

لا.

هل تفلح مثل إحداكن مع زوجها فجرًا !

فترد النسوة :

لا طبعًا.

تعيش في قصر ، لديها خادمتان وربما ثلاث ، ربما أقول وأنا صادقةٌ من داخل كياني ، ربما لا تعرف هذه السيدة طريقًا للمطبخ .

هل حمل زوج إحداكن يومًا لها المظلة كي يقيها شمسًا ! دعكن من ذلك ، لتقيها مطرًا؟

قلن جميعًا وفي صوتهن ظهر طابع قهر:

لا البتّةَ.

تدخلت إحداهن فاستهلّت ضاحكةً تضيف:

حين تُمطِر أهمُّ خارجًا كي أحمي أسمالي المنشورة من البلل ، فأفلح في ذلك إلا أني أغدو خرقةً غاطسةً في البلل.

فتضحك النسوة ضحكةً عارمةً يتنبه لها بعض الحضور هناك.

فتلجم النسوة ضحكتهن في قهرٍ متقع خلف الهباري.

يمتزج ها هنا عند كل من يملك عينين مشهدان ، لا يقوى أيّ من الحاضرين التغاضي عن أيٍّ منهما مهما بلغ من ثبات انفعاله ، مشهد المهابة وحضور كل تلك الشخصيّات ومشهدٌ آخر هناك في الخلف ، حيث تزخر على مقابر الأرملة – مقابرها الأربعة- رونق ألوانٍ لزهراتِ توليبٍ فاتنة ، توليبٌ أبيض ، توليب أحمر ، توليبٌ برتقاليٌ وأصفر ، كانت النظرات تخطف واربةً نحو هذا الجمال الفتان الذي كان يضاهي كثيرًا باقات الورد المنمق المرصوص هناك خلف الحاضرين ، وقد خطف ذلك اهتمام عديد المعزين ، لا سيما "نازلي" وزوجها اللواء، كانت في كل لفتةٍ ترمي ببصرها نحو التوليب هناك – وهي السيدة المرموقة التي تعلم كل شيءٍ عن التوليب- مواسمه، ألوانه ، موطنه، تعلم جيدًا كيف تنبت وتتذكر على الدوام كم بصيلةً منها تحوي جُنينتها ، تَعلم وبِثقتها العمياء أن هذه الزهرة لا بد وأنها زرعت هنالك لشأنٍ ذا بال .

هي تعلم أن مقدمة مدخل قصرها وفي جانبي البوابة المعدنية المزركشة كرسمٍ هندسيٍّ أندلسي ، في الربوة اليمينية سبعة وثلاثون بُصيلة ، على البهو الأيسر خمسة وثلاثون ، ترزح بألوانٍ فاتنة ، في البهو الأمامي قبل درج صعود القصر ما يقارب الستة والخمسين توليبة ، أما في فنائها الخلفي فثلاث ثللٍ هائلة ، يجتمع في إحداهن ما لا يقل عن ثمانين توليبةٍ يانعة ، هي من خلف نظّارتها الشمسية تبادل النظر ، فينةً نحو التوليب متسائلةً كيف أينع ونحن في كانونٍ الثاني ، وفينةً نحو عمها الذي بدأوا يهلّون عليه التراب وقد لمعت في عينها دمعة عبر ذكرى أثارها الحنين والحزن مجتمعين ، وفينةً لأكاليل زهورها التي لا تفضي في أحسن أحوالها لمكانة تلك التوليبات الباهرات، لم يقطع تواتر نظرتها تلك إلا حين  نادا بعض الرجال:

 ترحموا عليه ، فتعالت الأصوات حتى انفضَّ من بعدها كل شيء.

قضت التشييعة وانفكَّت الحشود ، ومن بعدها تحلق أهل القرية بعد أن رحل الضباط والمشيعون وذوو المرحوم رفقة مرافقيهم ، ثارت في الأرجاء فسحة ، اختفت المظلات وعربات الدفع الرباعي من قبيل "الهمر" وال "يوكون دينالي"

المزودةٍ بوامضات أمنٍ حمراء وزرقاء مخفية ، اختفت المهابة وعادت الضيعة لما كانت عليه ، ظهرت آثار الأُطر غائرة في الأطيان المحيطة بالمقبرة وبات كل شيءٍ عاديًّا أكثر من ذي قبلٍ حتى ، إلا لمحة زوجة "حكمت" للتوليبات ، لذا طفقت تُلمِّح للواء وهم في طريق عودتهم :

هل لك أن تدلني على أصحاب المقبرة ، ثم استذكرت تقول ، كنتَ تُحدثني أمس عن شراء مساحةِ قبر عمي ، من تلك السيدة ! صاحبة المقبرة؟

يرد "حكمت" بعد أن تنحنح مرتين :

هي "مزكين" الأرملة زوجةُ قجب هي من اقتسم أهل القرية بقعة من أرضها كمقبرة بعد أن هرع فيضانٌ قبل عديد السنوات فاضمحلت مقبرة كاراجالي القديمة وباتت مجرى فيضانٍ حتى لم يتبقى للمقابر من بعدها أي أثر، سوى بعض العظام التي تناثرت على شاطئيه، هكذا قالوا .

كانت "نازلي" وهي تسمع حكاية المقبرة وصاحبتها تسهو بعينيها، عابرةً شكل الشتاء في الدرب الريفي وسط صوت مهابةٍ خافت يهدر من احتكاك الريح مع هيئة هذه السيارة الفارهة "جيمس يوكون دينالي" التي تسير كبساط ريحٍ متوازن .

تقوس حاجبيها في تعجبٍ ثم تسأل السائق :

"أوصمان" حدثني عن تلك السيدة ، ماذا تعرف عنها ؟

سيدتي إنها من عائلة النقشبندي تقطن الضيعة منذ زواجها ، راح زوجها وبنتاها ، وابنها ، كلهم راحوا ضحية مسلحي الجبال ، وفي استنشاقةٍ يضيف حكمت :

لذلك تحضى بأرشيفٍ أحمر عند الجهات الأمنية .

في ثلةِ تساؤلاتٍ زاخرة تبدأ "نازلي" أولها:

وهل كانت تلك المقابر المكتسية بالورد قبورهم هم ؟

يجيب "أوصمان" وهو يغمس كتفيه في مقعد الجلد التايواني:

إنها كذلك سيدتي ، هي مقابرهم الأربعة .

توجهت "نازلي" وهي تمرر يدها المرمرية فوق ركبتها البارزة من تحت تنورتها السوداء وهي تلتف كف زوجها التي بات واضحًا الفارق بين ضخامتها ونعومة يدها ، لكأن الكفين هاتين تبدوان للناظر "لؤلؤةً وصَدَفة" ومن مفهومٍ أنثوي قد تبدوان "حبة عنبٍ وصخرة" أما من منظور رجلِ دولةٍ وضابطٍ كردي يعمل في سلك العسكرة التركي فهي "مسدسٌ وجيبه" لتقول :

أيها القائد ! هل لهذه العقيلة أن تطلب منك طلباً ذا قيمة ؟

يستجيب "حكمت" لرهافتها وقد أفسح لها المجال بلفتةٍ من حاجبيه مع إغماضةٍ طفيفة.

خطر لي أثناء مرسم الدفن أن نشتري مساحة واسعة لتغدو قطعةً خاصة بنا هناك فلا يختلط مع جموع مراقدنا قبرٌ آخر .

في نظرته الخاطفة نحو اتجاه سيّر المركبة كان "حكمت" يقلب الفكرة في أبعادها فبدت له خطوةً سديدة وبالأخص ما يتزاحم من هيمنةٍ بينه وبين آل بدرخان في أذهان سكان "كاراجالي" ، يجيب :

هذا ما يُشعِرُ رتبةً مثلي بالرضا عمن سواه ، هكذا يُحسد الأزواج على زوجاتهم ، الحق ربما كل الحق لمن يرتأي لهم عيشي بعين حاسدةٍ متلائمة كي ينعم بما أنعمه علي الرب لأمتلك هذه الزوجة "نازلي" سيدة نساء أنقرة وراعيتهم.

ها ها ها ها ، ضحكت "نازلي" صاعدةً رأسها نحو السقف البانورامي الذي يتخلل مشهده غيومُ كانون الشاهقة المترامية بلا حدودٍ ، غيومٌ أخذت ب"مزكين" حدَّ الاستعجال وهي تساوم "نجدت" خادم بيت اللواء "حكمت" :

كما اتفقنا يا "نجدت" دومًا يكون حساب المقبرة للواء حكمت خمسةٌ وسبعين ألفًا ، ولم يساومني على ذلك أبدًا .

"نجدت" وقد رسم على شفتيه ابتسامة خبث :

جميعنا يعلم أنكِ تبيعين أهل "كاراجالي" مساحة قبرٍ ب خمسةٍ وعشرين ألفًا ، لذلك يبدو جليًّا كم من الطمع تحملين حين يكون الأمر يخص سيدي اللواء.

مزكين وهي تحمي رأسها:

بدأت تمطر يا فتى القصر النحيل ، لا بد وأنك تساوم على ما قد تظفر به لنفسك من مكسب ، ربما لا بد لي من التواصل شخصيًّا مع سعادة اللواء ، ربما هكذا يكون قد تأكد لي حقي ! ما رأيك يا "نجدت" ؟

بدا على "نجدت" بعض الارتباك على أنه أخفى ذلك من خلال استسلامه لحالة المطر ، سلم المبلغ المرصوص في ظرفٍ مغلفٍ بعناية ثمّ فتح باب السيارة ، صعد وقد تندى زجاج السيارة مشبّعًا بالمطر ، انطلق في اندفاعٍ جنوني وقد أطلق زمام ماسحات الزجاج في حركة واضحة عبرت عن نفوره وعدم فوزه أيما فوز في صفقته هذه .

سرعان ما لحق "سانريه بالأرملة حتى لقيها عند عريشة العنب لا كأنها عريشة بل كأنها مظلةٌ ترقى لأن تكونَ سقيفةً للتعاقدات.

أستلم قيمة أتعاب حفر القبر "ألفي ليرة" ثم درملَ وهو يحتمي ببزة نايلون خاصةٍ بفريق "فنر بخشة" وقد طُبع على ظهره بمستديرة كبيرة شعار الفريق تتوسطه نبتة، يختفي بين الدغول وهو يتمتم جملةً فلوكلوريةً لا تفارق أحبال صوته منذ يومين .

يلمح المشهد "قجب" ثم ينادي "أمينة" :

أمينة ... أمينة ... يا مُدِرّة الحليب ... انظري ذاك الرديء والممتلئ خسةً ونذالة ، "سانريه" لم يلفت في باله حتى أن يبرم على صاحبه السلام ، يا لفظاعة البشر!

تتشدق "أمينة" وهي شاردةٌ في فراشة دون أن تنبس ولو بخورةٍ واحدة.

يتهكم البغل وهو يهز راسه نافضًا أذنيه:

أفضل ما يندر منكِ يا "أمينة" هو أن تصمتي ، أصمتي ، ذلك هو أفضل ما تفعليه!

تتقدم النعجتان عند "أمينة" في مواساةٍ لكمدها وهُنَّ في تؤدةٍ من عُسرهن يتبادلن نظراتِ حسرةٍ لا يمكن لأفطَنِ البغال استيعابها.

تلقت أم جميل جارة الأرملة وعجوز القرية كل ما يمكن تقديمه من عناية لتتجنب حتفها إلا أن هذا لم يكن كافيًا وكان لا بد لها من أن تهدي جارتها وحدةً فوق وحدتها . ولا بد حينها من واجب الجارة إزاء جارتها ، فالنساء كريماتٌ لا تبخل إحداهن قط في افتداء صاحبتها بكل ما تملك لا لشيءٍ إنما الود كل الود أن ترد الحياة عليها حسن تصرفها وتبدأ في انتظار صدى كارمتها.

لم تملك "مزكين" دموعًا كافية كي تملأ كأس فقدها مونستها ، فقد زال الحنين وانحلّت البركة ومات في الجوار صوت عشرةٍ لن تعوضه الأرملة بأي شكلٍ من أشكال السهولة.

حتى دجاجات "مزكين" حنَّت للعجوز التي كانت تطأطئ دانية من الأرض حتى تخطوا خُطاها ، تسير في لعبكةٍ مضنية كي تتسم وجنتاها فرحًا حين تُقبل على عريشة جارتها وإقبالة دارها ، تتألم لكن، لن تفي كل الفضفضات الأنثوية بأن تداوي جروح كفها وندوب زندها وتقرحات ساقها وتشنج فخدها ، تتداخل عظامها وفي رجفةٍ نائية تطلق العنان لراحتها كي تُلَقّن تلك الآلام درس أدب وتوشيحةً مرنمةً بالتحافيز .

ماتت العجوز ، لا رجعة في الموت ، غابت العجوز ، من ذا الذي يملأ الغياب ، من ذا يملأ مقعد إفطارها ، بيضتاها في الصباح ، ونصف خبزتها تلك .

ينحي البغل سحنته يمينٍا وهو يكابد غياب جارة الأرملة ، حتى "قجب" بغل البغال وقاطع الفيافي كمد من غياب العجوزة ، تفضي "أمينة" ونعجتاها ألما بطعم التيه في صحراء ، دون عشب ، سوا عشبةٍ قشيةٍ شوكية كل ماءةِ متر .

في المدافن اختارت الأرملة لجارتها قبرًا يفضي بينه وبين قبر زوجها مسافة قبر ، هيأت لنفسها هي قبرًا حيث قالت ل "سانريه":

هذا قبر "قجب" زوجي ، عليك أن تفصل بينه وبين قبر أم جميل بما يقدر بأربعةِ أمتار ، حيث أود لجارتي أن تبقى معي ، جارتي حتى هناك ،

المؤلم حدّ الشفقة يا أحبّتي فارق الصلة ما بين جنازة عم نازلي وهذه المنحدرة من شمال "كاراجالي" جارة "مزكين" وخليلتها ، لا يكاد للحضور أن تجاوزوا العشرة أنفار ، إذا ما أخذنا سانريه الحفار بعين اعتبارنا فسيرقى ذلك لتعداد أحد عشر مُعزّي ، أحد عشر مُئاجرٍ ، أحد عشر متألمٍ .

هناك ، غير آبهٍ "قجب" ينظر من بعيد بحزن لعادة الدفن ، لذا ، إذا ما أعتبرنا  البغل "قجب" أيضا فسيعدوا الجمع كونه أحد عشر شخصًا وبغل ، أحد عشر مُعَزٍّ وبغلًا ، أحد عشر مُئاجرٍ وبغل.

انتهت المراسم تلك ، المراسم المتواضعة التي لم يعدوا المشاركون فيها فوق أحد عشر بشريٍّ ، من بينهم ابن أم جميل وأخوها، كان بخيلًا هذا الواجب، عقيمًا كان هذا الواجب، إلا أن أرملتنا لم تبخل بيد ذلك أبدًا ، فقد نثرت فوق ترابها بذور توليبٍ أضعاف ما بذرته فوق قبر "أمينة" أحب بناتها إليها.

لم يخلو الأمر من القهر والعسرة والضيق حيث شتّان، شتّان، شتّانَ بين الدَفنَين.

بقيت أرملة كاراجالي في وحدتها تلك المتقعة ، لا يراعي قساوة وحشتها سوى بغلها وبقرتها، و لا يُهدّء من روعها إلا النعجتان ونقنقة دجاجاتها، و ما تبقى من حكاية التوليب.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم