كريستوف أونو دي بيوت/ ترجمة: بشرى أبو قاسم

ليست الرحلة التالية من أجل هكتور. هناك أشياء أخرى، أشياء كثيرة، لا يمكنني البوح له بكل شيء، يصعب البوح بكل شيءٍ لابنٍ عن أمه، بل الكثير، تقريباً كل شيء ولا شيء. كتبت لأنني يجب أن أذرف كل هذا الحب المضاد وسأقتطع فيما بعد حقيقة كم كرهتها والدته التي وجهت لي تلك الضربة.

اتصلت بي السفارة: "عليك أن تتعرّف عليها". إذاً هم ليسوا واثقين، هناك جواز سفر إلا أنهم غير واثقين. انهارت قواي، أنا أرغب بها حتى الموت. أقسمت يوماً ألا أطأ خارج جغرافيتي الحالية الحميمية وألا أذهب إلى هناك خارج أوروبا، ألا أذهب هناك حيث لا نعرف سبباً للموت. حقدت عليها: يا للورطة!

طلبوا مني فك حزامي، يؤلمني بطني، نفذت المطلوب بإذعان المحكوم وما فعلته إلا من أجله هو، ابني ذاك الذي نسف القواعد التي نظمت حياتي طيلة السنوات الأخيرة.

أنا في المطار، أمام البوابة، يحيط بي موظفي الشركة بياقاتٍ بيضاء وزيّ الشرطة الموحّد كآلهةٍ جامدة. فككت رموز أسمائهما "نيكولا وكريمة". كريمة امرأةٌ جميلةٌ, ظلت ترمقني بنظراتٍ لا يجوز خلطها مع اهتمام شهواني, ربما مجرد فضولٌ لاذع لشخصي بكل بساطة، أولاً لأن الساعة لم تتجاوز السابعة صباحاً بعد ثم لأن قلّة النوم والإنهاك العصبي والدموع عبثت بملامحي. لاحظت كريمة أن هناك خطبٌ ما بينما ظلت نظرات نيكولا أسيرة كريمة.

قالت بنبرة سكان منطقة سين-سان-دوني القاسية: "هذا لا يجوز. سيدي". تسحر عيناها ذات اللون الكستنائي الفاتح إلا أنها غالت بالتبرّج و كذلك شفاهها الممتلئة التي لو شاءت لأهدتك أجمل قبلة.

لم تكن تنظر إليَّ هنا بل تتفحصني. سبرتُ القلق الذي يساورها، أعرف ما يجول بخاطرها، مفهومٌ من كلمةٍ واحدة. ابتلعت لعابي ونظراتها تزداد حدةً وكأنها ضربةُ مخلبٍ.

"أتريد خلع نعليك".

لعله كان سؤالاً لكن نبرة الجملة لم تكن استفهامية، إنه الاستفهام الطلبي. كريمة لا تسأل بل تؤكد، هذا ما تعلّمت فعله. أكدت كريمة أنني أنا أرغب بخلع حذائي. استشطت غضباً، شعرت به يغلي في حلقي. كان بوسعي أن أنفث طوفاناً ولكن لم تخطر لي هذه الصورة. لعل صدمة غضبٍ جارف هي الكلمة الأصح. ردّة فعلٍ غير مناسبة لا لأنني تعرضت بصحيح العبارة لكلامٍ عنيف أو مهين بل لأنه نقطة البداية لهذا.

 أرغب بها حد الموت.

عليَّ أن أستقلّ الطائرة لأتعرّف على جسدها. عثروا على جواز سفرٍ لكنهم غير واثقين من الهوية. حقيبتي الخاكي الصغيرة على يساري، على بعد 50 سنتيمتراً ، حقيبة متجوّل حول العالم، سحبتها ناعس الأهداب حيث ركنتها منذ خمس سنوات, انزلقتْ كدجاجة المطبخ على البساط المتحرك المطاطي. بعد لحظات ستبصق أسرارها البائسة بوجه وابلٍ من أشعة غاما: صورتها وكتابي الوحيدين الذين حملت معي الإلياذة والأوذيسة بالإضافة لجهاز الهاتف الذي يصلني بك، أنت السبب الوحيد الذي أحيا من أجله.

انحنيت وحللت رباط حذائي ووضعته على البساط الملطخ خلف حقيبتي. ارتديت كيسين زرقاوين من البلاستيك مغلقين بالمطاط، لكن شكلها لا يشبه تماماً أقدام إنسان، احترت بين رؤيتين فإما أنها تشبه أقداماً تشوّهت إثر مرضٍ عضال نفخها الماء والدم والتقيح، فتوجب إخفاؤها أو أنها أقدام السنافر المخلوقات الزرقاء ذوي القبعات فريجي([1]) كما في برنامج الأطفال الشهير قديماً، ولكن ألم تكن أرجلها بيضاء؟

آه، إنه النسيان الذي نعاني منه في سن الرشد، أعدك هكتور أن أبذل قصارى جهدي وأن أحاول فهم إشاراتك الثقافية وألا أغلق بابي في وجه عالمك حتى حين تسخر مني.

أشارت إليَّ كريمة بالتقدّم نحو البوابة المرصعة بصمامات ثنائية، اللحظة المحتمة، عضت كريمة على شفتيها، انتابني شعورٌ أنني سأدوّي رنيناً يواجه شكوك كريمة. تكاد تنطق بما أشكّل لها من تهديد سالت قطرات العرق ما بين كتفي، شدّت يدها على جهاز هاتف الخدمة. أغمضت عيني وعبرت، كما نتجرّع كأساً، أدركت خلال جزءٍ من عشر الثانية ما أنا مقدمٌ على تركه، سأترك جمال أوروبا ووجه ابني ووجه مادون ليبي التي تشبه والدتك كثيراً والتي صادفتها قبل خمسة عشر يوماً في أحد القصور قرب حديقة لوكسمبورغ. معرضي الأخير. المعرض الأخير في الأقسام الفنية النافعة لهذه الحضارة التي أفارقها. ما استطعت ردع رعشةٍ سرت في جسدي ولا حلمي بفنجان قهوة يjحول لكرةٍ من السائل تصطدم بجدار معدتي.

فتحت عيني عبرت إلى الطرف الآخر ولكن الجهاز لم يصدر رنيناً، إلا أن هالةً من قلقٍ أكبر أحاطت بأحداق كريمة الجميلة.

ما الذي خلق هذا الحدس؟ ما هي الإشارة التي أساءوا فهمها؟

بسطت كريمة راحة كفّها بينها وبيني كدرعٍ وقالت: "لحظة، سيدي". جالت بنظرها بحثاً عن أحدٍ ما لكنها لم تعثر عليه، فأشارت للرجل الجالس خلف شاشة المراقبة حيث تتعرى الحقائب والأكياس والطرود في عرضٍ آلي. قالت وهي تضع بعصبية خصلة من شعرها المخضب خلف أذنها: "جيروم، هلاّ أتيت لو سمحت". ضغط المدعو جيروم على زرٍ وأوقف حركة البساط. انضم إلينا، تمتمت له شيئاً ما. استدار نحوي وقام بمسحٍ ضوئي لي كالحقائب ثم أومأ لزميلٍ له اتجه نحوي مباشرة.

"أبعد ذراعيك سيدي".

جسَّ ضلوعي وباطن فخذي وربلة ساقي. تراقب كريمة بأنظارها المليئة بالشك. توقف للحظة ليجس قلبي الذي تتعالى خفقاته أكثر فأكثر ثم عاد مجدداً، نهض وهزَّ رأسه نفياً لزميلته. عاد لمكانه وعاد البساط لحركته.

ترددت كريمة ونظرت إلى جهاز الهاتف تحت وطأة أعصابها التي لابد أنها الآن تهتز كأوتار قيثارة، سرت حرارة في جسدها، لابد أن الثقوب التي اخترقت بشرتها استرخت، صار بوسعي أن أشتمّ عطرها العنبري. إنها تعرف الطريقة المتّبعة في حال عبور مسافرٍ مشبوه إلا أنها لم تتوصّل لقرارٍ يعلقه، وددتُ لو أقول لها: "هيا، هيا كريمة، أنت لست مخطئة، عبوري خطرٌ، اتبعي حدسك!".

وددت لو توقفني حالاً، لو تقيّد يداي بالحديد، لو تضمني في أحضانها لمنعي فألتصق بجسدها المتّقد. آه لو ترميني لكلاب الشرطة أو تفقأ عيني بضربات عصي في إحدى المكاتب السرية في أقبية "رواسي", أي شيء عدا أن تتركني أستقل هذه الطائرة.

عندها يمكنني أن أقول لابني: كنت أرغب إلا أنني ما استطعت، منعوني من الذهاب.

جلست على أحد المقاعد المعدنية المغطاة بالسكاي كما هو متعارف عليه في المطارات. مقابلي رجل ذو هيئةٍ نشيطة قديمة، بقلنسوةٍ ولحية يرتدي قميصاً عسكرياً بدون أكمام فوق بنطالِ بلونٍ كريمي يصل حتى الكاهل كصورة النبي في القرن السابع. يجب محاكاته، لم يكن يستقل الطائرة لكنه لا يساوم. خطرت بيروت على بالي واستأت للذكرى التي تعرجت على طول عمودي الفقري.

- اعذرني لما جرى منذ قليل..

إنها كريمة، تبتسم في وجهي كنبعٍ من نورٍ يلوي تجهمي. ابتسامة لا بل هي كلمة لا تحمل معناها، يجدر بنا القول ضحكةٌ خلابة ما دامت تحمل من روحها.

- وعلامَ تعتذرين؟

- بدوت عصبياً جداً، ظننت أنك..

في نبرتها سحر الأشياء المحطمة. ألمس في نبرتها لهجة الضواحي ,النبرة السوقية التي فقدناها نحن أهل باريس منذ أن ابتعدت باريس عن كونها مدينةً شعبية منذ أن ما وطأت شوارعها سوى الفتيات بالغرة والباليرنيا([2]) ويتعاملن بأسلوب مُضجر وممل.

قالت بتردد: "لدينا تعليمات، إلا أنني أضجرتك قليلاً".

أعقبت: "كلا لم تثيري ضجري. قمت بعملك".

استرخت، يا لحماقة أن يطمأن المرء لحجة العمل في حين يؤنبه ضميره بسوء ما اقترف. بل لمن الجنون أن تمنعه من التمرد حتى... ها هي ذا، تجلس بجواري، تصرفٌ غير لائق يصدر عن مندوبةٍ في الأمن. كما لا يمكنني البوح بهذا لك. أخذتْ شهيقاً عميقاً وتنهيدةً، لاح صدرها ما بين أزرار قميصها الأبيض، كانت ترتدي صداراً ذا مربعات من ماركة فيشي لون أبيض وأحمر. لامست عام 60 لأبتعد قليلاً عن "رواسي". إنه غسيل دماغٍ بنعومةٍ تواسيني في غمرة هذه الأفكار القاطعة كحجر الصوان التي قضَّت عقلي منذ الاتصال الذي تلقيته من السفارة. أشحت ناظري فلا أغرق بتخيل جسد كريمة. أخشى أن أعود على عقبي بسحر هذه النعومة الفائقة. لحسن الحظ، أنك لن تقرأ هذا يا هكتور وإلا لثارت حفيظتك وقلت: "ماذا، هل ستتمكن من التخلّي عن مهمة التعرّف إلى والدتي؟" كلا، طبعاً، لذلك أشحت ناظري.

تنهدت مجدداً، سألت: "ألست على ما يرام؟"

قالت:

- أود من كل قلبي أن أقوم بتوقيف أحدهم.

- أحد من؟

- إرهابي. قُتل والدي على أيديهم في الجزائر.

غطت وجهها بيديها، قلت: "أنا آسف" ثم أردفتُ قاصداً اقتحام ما هو شخصي أكثر بما أننا في الواقع لن نلتقي مجدداً.

- يكاد ولدي يخسر أباه بسببهم.

رفعت يديها ثم أمعنت النظر في وجهي وقالت:

- ولكن أب ابنك هو... هو أنت؟

- نعم، أنا.

رمقتني بنظرة عجزت كلياً عن فهم قصدي.

لئلا تحاول فك الرموز، لئلا تمعن "بالقيام بعملها" ربما أيضاً لئلا تفكّر بالموت، نهضتْ وتركتني على مقعدي المغطى بالسكاي دون أن تدر ناظريها نحوي. تداركت نفسها وعادت لعملها، رمقها الملتحي بنظرة سيئة، كم أكرهها.

نفس الكره الذي أكنّه لوالدتك إذ أرغمتني على معاكسة الوعد الذي قطعته على نفسي.


[1] - قبعات فريجي: قبعات نسيجية معقوفة من الأعلى حمراء أو صفراء تعود لأصولٍ إغريقية. مع مطلع 1790 اعتبرت رمزاً للثورة الفرنسية وسمّيت قبّعات الحريّة.

[2] - باليرنيا: حذاء نساء يشبه حذاء راقصات الباليه.

مقطع من رواية الغوص للكاتب كريستوف اونو دي بيوت الحائز على الغونكور الفرنسية عام 2012 وتعد من أجمل روايات الحب حالياً.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم