دخلت البيت بخطوات حذرة بعد أن خف مفعول تلك الحبة المهدئة أو المنومة أو المنشطة , لا أعرف وظيفتها بالضبط , دخلت غرفتي وأغلقت الباب والستارة وأنا أشعر بخوف غريب , حاولت النوم ولم أستطع , بعد ساعة غفوت غفوة مرتبكة , موجزة ومكثفة , الأحلام تتداخل , والدخان لايزال في رأسي , والحب أشعر أنها لازالت في فمي , في حين يحاول حلم اليقظة الجنسي أن يبعد النوم كثيرا , ويجعل المنطقة التي أسفل بطني تؤلمني , لهذا دائما ما أحول موجة حلم اليقظة إلى السينما, حاولت تأليف فيلم عن حياتي مع نادية التي خذلتني , بدأت تأليف الفيلم وخلال دقيقتين كان الفيلم جاهزا للعرض , فجأة ينقطع التفكير , فتتحول الموجة إلى كرة القدم , لكن لماذا هذه العلاقة بين الحبوب والأفلام والنساء و كرة القدم , لماذا هذا الرابط بينهما مغروسا في العقل الباطن والظاهر , وهنا عاد الصوت الغامض الخفي الملعون الذي يهز روحي , كأنه يؤنبني, صوت كأنه يأتي من تلك الأعماق القديمة في روحي , يأتي في لحظة سريعة , يهزني ويصيبني بلحظة رعب سريعة ويمضي , فأشعر بعده بصعوبة في التنفس وحالة رعب صغيرة , عادت أيضا الرائحة المزمنة , رائحة الدخان , شممتها وهي تنبعث من صدري , شيء يشبه شواء شعر الماعز مثلا , شعرت أنني كائن على وشك الاحتراق , ركضت إلى الحمام , دخلت و خلعت ملابسي , وقفت تحت الدش وفتحت الحنفية , اندفع الماء باردا لذيذا على رأسي , وبدأت أنظر من خلال المرآة الكبيرة في جسمي , جسدي الذي لازلت أشعر بالفخر كلما رأيته عاريا هكذا , لهذا لم استطع طرد فكرة أو أتخيل أن يكون بجواري الآن امرأة عارية تقاسمني مساحة هذا الحمام الدافيئ والرطب والمغري, وربما هذا أفضل من التفكير في أوضاع الأمة , فهذه الأوضاع حين تحاول الاقتراب منها بفوضاها المزمنة قد تصيبك بصداع مزمن مثلا , أو حتى وضعك الذي لا يحتاج الى دراسات لكي تفهمه , لكن الى القليل من المال , نعم امرأة جميلة , ثم تطلق أغنيتك عاليا , تسير خلفك وأنت تمضي بهدوء في هذا الطريق الموحي والعذب , موسيقى هادئة لذكرى أو ميادة أو أصالة أو غادة رجب , لكي تضيف على هذا الجو الشاعري كثافة وعمقا وشحنات من شجن, أو لنقل امرأة بدأ جسدها ينهض , بنت تليق بشاب طيب مثلي , لكن فكرة تصور أو تخيل جسد فتاة نهض من أرضه الخصبة الآن , تبدو مسلية وممتعة, وقد أفصح هذا الجسد عن رائحة دافئة ولذيذة , وعن نهدين صغيرين , وجسد ترغب أن تمرر أصابع يدك الباردة على كامل تضاريسه , بدءا من العنق نزولا الى مساحة الصدر, ثم النزول الى ... وهنا توقفت , فالمشكلة أن الخيال سوف يظل خيالا , لهذا لابد أن يرتطم رأسك بحائط الواقع أو حائط هذا الحمام الماثل أمامك , في هذه اللحظة , رأيت الماء داكنا تحتي , فأصابتني رجفة قوية من هذا المنظر , ماء داكن فعلا له لون التراب , كأنه ماء غدير سيل في البراري , أنة لون عشر سنوات مضت من حياة أشبه بالفلم السوريالي , حياة لم تكن جادة تماما ولم تكن هازلة تماما , ربما كانت تدعي الجدية , قلت وأنا أنظر في الماء الداكن الذي أصبح جسدي يعوم فيه : ربما هذا لون أثآمي , قلت إنني لم أؤذ أحدا في حياتي ولم أكل مالا فاسدا ولم ... , وسرعان ما تغير كل شيء , حين رفعت غطاء تصريف الماء في المغطس فانطلق الماء الداكن يتجمع قريبا منها حتى نظف المغطس تماما , أغلقت فتحة التصريف ثم فتحت الماء الدافئ , الذي غمرني بعد ثوان بلون صاف لا شك فيه , فارتحت مستلقيا داخل الحوض , وبدأت احصي مكاسبي وخسائري القديمة من حياة الغموض واللهو والعبث , وحين هدأت أكثر وارتحت لكل النتائج الجميلة التي توصلت إليها , والتي هي في الحقيقة واضحة جدا , مثل : تورد خدي وارتياح نفسي, كل هذه نتائج لا تحتاج إلى شك على أن هناك شيء ممتاز يحدث في حياتي وأنا غافل عنه , الآن أعود إلى مائي الدافئ مرة أخرى متحررا من كل شيء مع الشعور المتجدد والمتكرر بأني إنسان جديد , الآن هذا هو الحمام الذي لعبت فيه طفلا ومراهقا , وارتحت في مائة ليال طويلة أيام الطفولة , لهذا أتذكر ذلك المساء الحزين المؤلم الذي خرجت فيه من الحمام عاريا , خرجت حين شعرت أن القدر قذفني مثل رصاصة خارج الحمام بكامل جسدي المراهق , والماء يقطر من جسدي , وقد كان من المفترض أن ألبس شيئا يسترني , أو أخطف فوطة وأنا أركض خارجا , في طريقي إلى الصالة , هذا ما كان مفترضا , لكن الواقع يأتي خلاف ما نفترض , حيث أن صرخة قوية من أختي , حين أغمي على والدي , نزلت كالصاعقة على رأسي , وكنت أظن أن نارا اشتعلت في ملابسها , والمؤسف أننا نظن دائما أننا نجيد التصرف في المواقف الصعبة , لكن حين تدهمنا هذه المواقف على حين غرة , نكتشف أن عقولنا قد طارت من رؤوسنا , ونتصرف على أساس أننا بلا عقول , وهذا ما حدث لي في تلك الأمسية الملعونة , فبينما كنت كعادتي, أستمتع بقطرات الماء وهي تنساب على جسدي, سمعت صرخة أختى , وفي تلك الثانية من عمر الزمن , توقف تفكيري وصرت جسدا يتحرك بلا دليل , فخرجت من الحمام عاريا أركض للصالة , وجدت والدي على الأرض , فركضت لثلاجة صغيرة في ركن الصالة , أخذت قارورة ماء كبيرة , فتحتها وسكبت مابها على وجهه ورأسه , وحين وجدت أنه بدأ يفتح عينيه ويتنفس , اكتشفت أن والدتي تطوق وسطي بفوطة حمراء كبيرة , فحضنت والدي وأجلسته في حضني , ثم استلمته أمي بمساعدة أختي , وأنا ركضت الى غرفتي أستر عورتي . هنا انقطع تفكيري فجاة أيضا محاولا الهرب من الذكريات السوداء , وبدأت أفكر بهدوء وعمق في حياتي وأحوالي , وفي ظروفي وفي ترددي , ومن منا لم يفكر في الحمام في وضعه المادي وأحواله وأحوال أهله , من منا لم يرتكب هذا الفعل غير المخل بالأداب , صحيح أنني حين أفكر في هذا الأمر سوف أكون عاريا كما ولدتني أمي , لكن بين جدران أربعه لا يراني سوى الرب سبحانه وتعالى , ولهذا فليس من الجرم أن أفكر في أحوالي المتدهورة أو الجميله مثلا , أو أن تخطر في بالنا جميعا وخيالاتنا صورا لذيذة نستمتع بها في أوقاتنا السيئة . خرجت من الحمام مرتاحا بعد هذه التخاريف المعتادة , وجدت أنني غير جاهز للنوم, كنت أشعر كالعادة , أنني في حاجة إلى فعل شيء ما، كنت غامضاً حتى التعب, بالأحرى, تائهاً, وكنت على يقين كبير , بأن أية خطوة خارج البيت للبحث عن وظيفة تساعدني في ظروفي هي خطوة بائسة وتعسة , ومحض عبث , وقلت في نفسي أن العمل في مكتبة داوود يكفيني الآن , لكنني لست بليداً لأنني أبارك ساعاتي , وأتلو عليها أغنياتي , أشعلت الموسيقى وبدأت في عمل أشياء كثيرة , نظفت غرفتي وراجعت أوراقاً قديمة , لكنه يتعذر علي آلا أكون متعباً وقانطا ومكسورا , رغم أني أستطيع إقناع نفسي بجدوى أي عمل أقوم به , وكنت أهجس بالعمل , الذي صار مثل الحلم التعس , كتبت وقرأت وأشعلت نار التاريخ , للغة المخنوقة الأنفاس , ذررت رماد الأشياء , فالتمعت شهباً وأقماراً , بينما تصدح موسيقى , وكنت أبدو كما لو أنني أريد أن أجلد نفسي بالتعب , عقاب ذاتي موصول صحيح وعميق حتى النسيان, كانت إيقاعات الموسيقى ترتفع عذبة وغامضة , ذراعي تتركان كل شيء تتمايلان ببطء , صوتي بنبرة واهنة يرتفع قليلاً مع إيقاعات الموسيقى, رفعت الصوت متجاوباً مع هذه الحالة الجديدة , وسرعان ما بدأ جسدي وأطرافي , كما لو أنها ترقص , رأيت ذراعيَّ تتمايلان , تعانقان فضاء الغرفة بنزق , وأطراف أقدامي في حركات دائرية موصولة , وكنت كلما أتم دورة , أبدأ في أخرى , مقنعاً نفسي أنه ربما حان الوقت , بعد هذا الانتظار للرقص , وارتفعت حدة كل شيء, بدأ جسدي ينزف العرق , وبدأت أشعر بنشوة الفعل , أذرع فراغات الغرفة , أتمايل بشكل جاد , وصريح , مع إيقاعات موسيقية غامضة وأصابع قدمي تلامس بخفة ورشاقة أرضية الغرفة , وجسدي يتثنى بفرح جاد , شعرت أنني أريد أن أعيش هكذا, متمتعاً بهذا الوقت ببذخ شديد , حتى سمعت صوتاً في الخارج , ولكنني , في ذروة المجد , أتظاهر كما لو أني لا أسمع سوى الموسيقى , الموسيقى فقط , كنت أغني في ظلام خفيف ، دون بهجة ، ومصحوبا بخوف شفيف ، لم أكن أستطيع التخلص من تلك الحالة الموسيقية ، لذلك قلت لنادية , أريد أن أحبك هكذا بكل بساطة، بكلمات لم تقل حتى الآن ، وبنار لم تشتعل حتى الآن ، وبرسالة لم تصل من أحد , ثم أنني غنيّت بكلمات غامضة , الظلام يلف الغرفة ، لا يهم إذا كان الظلام ظلامي أو ظلام الأغنية أو ظلام الخوف القديم الذي يربض في صدري, لكن الحجرة ، هكذا بلا مقدمات ، سقطت بجدرانها الو رقية على كلمات الأغنية ، في مشهد سينمائي مؤثر ، وأنا استسلمت لنوم أبدي ، موت مبكر ، محروماً من كل ذكرياتي ، ومنذ ذلك الوقت تركت عادة الغناء في الظلام , قررت الإفصاح عن مشاعري دائماً في الهواء الطلق ، أمام الناس، حتى لا أموت مرة أخرى ميتة مجانية، بلا جماهير ، فلماذا أحبس أنفاسي وخوفي في صدري ، وأنا أشعر أن الكرة الأرضية بكامل تفاصيلها ، تسكن في صدري .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهد بن عبدالرحمن بن ابراهيم العتيق

قاص وروائي سعودي / ولد في الرياض 1960م – السعودية

تُرجمت قصصه إلى الانجليزية والفرنسية عام 1993م ، عن طريق مجلة (لوتس ) مجلة اتحاد كتاب أسيا وإفريقيا , ،كما تم ترجمة فصول من روايته كائن مؤجل عام 2008م الى الانجليزية من طريق مجلة (بانيبال) وهي مجلة الأدب العربي الحديث وتصدر من لندن .. كما ترجمت الجامعة الامريكية بالقاهرة روايته كائن مؤجل الى اللغة الانجليزية عام 2012م وكتب بعض الأدباء والنقاد العرب عن قصص (إذعان صغير) و (أظافر صغيرة)ورواية (كائن مؤجل) في الصحف العربية ، باعتبارها من التجارب السردية الناضجة على المستوى العربي...

الكتب التي صدرت:

9) الملك الجاهلي يتقاعد .. رواية / 2014 م / عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

8) life on hold ... وهو الترجمة الانجليزية لرواية كائن مؤجل .. وصدر الكتاب عام 2012 عن الجامعة الامريكية بالقاهرة .

7) كمين الجاذبية /المجموعة القصصية السادسة, قصص قصيرة جدا ونصوص , عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر /بيروت2007 م

6) هي قالت هذا/ المجموعة القصصية الخامسة , وتضم أيضا مختارات من الكتب السابقة ولحظات نقدية , عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر /بيروت2007 م .

5) كائن مؤجل / رواية, 2004 م, المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت .

4) أظافر صغيرة وناعمة/ المجموعة القصصية الرابعة, عن النادي الأدبي بجدة عام 1997م, وعن مختارات فصول بالقاهرة عام 2000م

3) إذعان صغير/ المجموعة القصصية الثالثة, عن مختارات فصول بالقاهرة / الهيئة المصرية العامة للكتاب, عام 92م

2) عرض موجز/ المجموعة القصصية الثانية, إصدار خاص بالرياض عام 90م

1) مسافات للمطر/ المجموعة القصصية الأولى, جمعية الثقافة والفنون بالرياض عام 85

الرياض fahdateq@windowslive.com

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم