الثاني من نوفمبر عام 1541

كان الثاني من نوفمبر آخر يوم يمرّ فيه كلّ شيء بسلام، فمن بين جميع الأيّام حدّد عيداً للموتى، حيث كانت الأجراس قديماً تُقرع في هذا اليوم لساعات في الظلام، حتّى تصل إلى الأرواح المعذبة في البرزخ ، لتخبرها بأنّنا لن نتخلّى عنها ولن نتوقّف عن مناشدة الرب ليستقبلها في ملكوته. لطالما شعرت بأن هذه الأجراس تُقرع لأجلنا نحن الأحياء أيضاً: فقد كانت مناجاة الأموات،الذين يفوقوننا عدداً، بمثابة دعوة ليرمقونا بلمحة سريعة، دعوة لن يتمكّنوا من رفضها ليتسلّلوا ويختلسوا النظر إلينا: نحن، المخلوقات البائسة، الجاهلة بما سيأتي... يتدافعون نحونا بعد حلول الظلام ومع قدوم الليل برغم كل الأبواب الموصدة، يتأرجحون بين دعامات الأسقف الخشبية برغم الشموع المشتعلة، ويتغلغلون عميقاً في زفراتنا التي تسببوا بها في الماضي. لذا في هذه الليلة من كل عام تعبق الأجواء برائحة اليأس واليأس فقط. كنّا في جناح الملكة الخاصّ، عندما شارف عيد الموتى لهذا العام على الانتهاء. وسرعان ما أزحنا عن كاهلنا تأنيب الأموات البائس لنا لعام كامل قادم، واسترجعنا ثانيةً عالماً نستطيع العيش فيه. فحياة القصر الرتيبة لم تناسب يوماً زخم روح الشباب كهذا اليوم الذي أوشك فجره أن يبزغ ونحن حاشية الملكة، الأكثر شباباً بين جميع من في القصر، نرقص , حيث حيانا الملك وصحبته وتركونا لرقصنا وعبثنا. ومع حلول الساعة الحادية عشرة ليلاً، كنا نترنّح، ولم يتبقَّ منّا مع الملكة سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، بعد أن انسحبنا واحداً تلو الآخر إلى جناحها الخاصّ الساحر بدعوة منها، حيث استلقينا على الوسائد الوثيرة المحيطة بمقعدها الذهبيّ الفسيح المظلّل، وأنار وهج الموقد وجوهنا الشاحبة المنهكة، برغم أنّ ما كنّا نرتديه من لآلئ وأحجار كريمة لامعة، طرزت بالمئات في أقمشة الأثواب والأكمام والقبات والحواشي، كان كافياً لإنارة الغرفة. في ذلك الوقت كانت إنكلترا بالنسبة لي: نار الموقد وتوهجه، نبيذ أحمر، وأحجار كريمة لامعة وحبّات اللآلئ، أصواف حريرية الملمس تراها مخضرة حيناً وشاحبة أحياناً أخرى, أقمشة ساتان ناعمة زاهية كليالي الصيف المقمرة أو كتلألؤ شمس شتاء خجولة. مَن يرانا في جناح الملكة هذا لن يخطر له على الإطلاق أنّنا بالكاد نفضنا عن أنفسنا غبار عقد من التدمير والفوضى: نهب الكنائس وتخريب الأديرة وتقييد الرهبان إلى الجدران حتّى الموت، ناهيك عن فصل رأس الملكة بضربة السيف الباتر. حقيقةً، لم يمسسنا أي من تلك الأحداث, فقد حصلت جميعها بعيداً عنّا بينما كنّا منشغلين بالتطريز بجانب مدبّرة منزلنا، رغم أنّ أبرشيّتنا قد هُزمت هزيمة نكراء، وديرنا المحلّيّ قد بيع لرجل ثريّ، كنّا قد أحيينا أعياد بعض القدّيسين، إلاّ أنّ كلّ هذا لم يكن سوى امتدادٍ للأحداث السابقة من وجهة نظري. والآن عقد الاضطرابات قد ولّى، ومضى وقت على رحيل الملكة البروتستانتيّة، وتوقّفت من بعدها الحركة البروتستانتيّة، ما لم نقل إنّها قد حُوربت وانقلب أتباعها عليها. غير أننا هنا في القصر كنّا نحيا وكأنّ شيئاً لم يكن، فما نحن إلاّ فتيات ‘إنكليزيات’ محتشمات متزيّنات بالحلي، فتيات ‘كاثوليكيّات’، أقلّ ما يقال، نصف نائمات متحلّقات حول الملكة ‘الإنكليزيّة الكاثوليكيّة’. صديقتي كيت، الملكة كيت هاورد الصغيرة، صديقة الطفولة، التي لم تكن أفضل من أحد، أضحت اليوم ملكة إنكلترا. مرّ أكثر من عام بقليل على تولّيها العرش، لكنّها بدت وهي تجلس تحت قبة كرسيها الملكيّ كأنّها ولدت له. لم تتجاوز التسعة عشر عاماً، إلاّ أنّها تتقن الدور تماماً. ففي الآونة الأخيرة بدا الملك سعيداً مجدّداً وعادت الحياة المرحة إلى سابق عهدها في القصر مرّة أخرى: وكان ذلك المرح يتنقل على لسان الجميع، حتى بدا الأمر وكأنّنا عدنا عشرين عاماً إلى الوراء، إلى عهد الملكة كاثرين الأولى، أوّل الزوجات، قبل نشوب الاضطرابات، وقبل جميع الزوجات. ومن كان يصدّق أنّ هذا ممكن؟ تطلّعت كيت لتولّي عرش إنكلترا مدى حياتها، فقد كانت حريصة على راحة بال الملك في سنواته اللاحقة قبل أن تحيا كملكة أرملة مَهيبة، وبمشيئة الرب، أمّ لوريث العرش. ولربما كانت كيت فعلاً النهاية السعيدة لتلك الحقبة المؤسفة، لكنّنا حتّى الآن لم نتجاوز البداية فقط. كيت الصغيرة تراها متكئة على مقعدها الذهبي تتشارك وإياه حمرة ثوبها الحريري المزهر المتوهج، بعينين مغلقتين ورأس يرتمي إلى الخلف. حتى الذقن الذي أورثتها إياه عائلة النورفولك، كان متورطاً بإضفاء المكر والدهاء عليها, رغم أن جلستها الوادعة كانت توحي بعكس ذلك تماماً. بينما كانت قدماها المكسوّتان بالحرير ممدّدتان واحدة فوق الأخرى ليفضحا نعل حذائها المصنوع من الجلد الإسبانّي الفاخر والذي أضحى بحاجة للإصلاح بعد أمسية رقصٍ واحدةٍ فقط، ويداها الصغيرتان كانتا مشدودتان إلى ثوبها، اخفتهما جواهرها الضخمة. أما أنا فقد اتّكأت على فرنسيس الذي كان يلفّ خصلة من شعري بين أصابعه، وأنفاسه الساخنة تلفح قمّة رأسي. وفي الجانب الآخر من الغرفة، كانت أليس وماغي؛صديقتا طفولتي، تحدقان بالفحم المحترق في الموقد.كنّا مستغرقين جميعاً بالعزف المتقن لأحدِ عازفي كيت المفضّلين، غلامٌ في السادسة أو السابعة عشرة من العمر، ذو عينين غزلانيّتين ورأس منحنٍ فوق عوده. بدا لي أنّ هذه الليلة الموصوفة كانت البداية الحقيقية لمستقبلنا، لم أملك أيّ سبب لأشكّ في ذلك، لكن –إذا ما قلنا الحقيقة- لطالما ساورتني الشكوك بسرّ نجاحنا المفاجئ وغير المتوقّع.أخيراً في ذلك المساء من تلك الليلة سمحت لنفسي بتصديق كلّ هذا النجاح، وأذنت لهذه الأمسية بأن تسحرني، فسرحت بتفكيري وعيناي تجولان جنبات الغرفة بفرح فها نحن الحاشية المخلصة للملكة الكاملة، آهٍ كم أتمنّى الآن لو نستطيع العودة والمشي بخطا سريعة على السجّاد الفاخر ليربت على أكتافنا ويهمس في آذاننا ونخرج من هناك أحياء. في تلك الليلة لم نكن نعرف إلاّ القليل، فلم نكن سوى أشباح في حياتنا. حالما دقّت الساعة الحادية عشرة ليلاً، دلف توماس كلبيبر مختالاً نحو الباب، ملفوفاً في عباءة الليل والتي لم تخفِ وسامته تحتها. حيث كان هنا من قبل، إلاّ أنّه خرج ليلتقي أحدهم أو ليقوم بشيء ما وها هو هنا ثانية، دخل وتوجّه بانحناءة بسيطة وسريعة لكيت، ما جعلها تنزلق بكرسيّها كي تصل أصابع قدمها إليه، لتلكز ساقه بلمسة لعوب محذّرة - لا تفعل- لأنّ هكذا انحناءة لا مبالية كانت تعدّ استفزازاً. جلس عند رجل كرسيّها، حيث انسابت هالة من ضوء الشموع على شعره الكستنائيّ بينما نظر ليهمس لها قائلاً :"هل أرسل الملك في طلبك؟". هزّت رأسها هزّة طفيفة أوحت بالنفي؛ فإذا لم يرسل الملك في طلبها في هذا الوقت، فإنّه لن يفعل. لربما كان من الغريب ألّا يطلبها الملك هذه الليلة بالذات من دون جميع الليالي، حيث أمضى مساءه مؤدّياً صلاة خاصّة من ابتكاره يشكر من خلالها الربّ على زوجته الرائعة وسعادته الغامرة مؤخّراً. فبعد قضاء أربعة أشهر في التجوال ليريها أنحاء البلاد متباهياً، أقام الملك هذا الحفل، وربما كان من دواعي الاحتشام أن يُبقي الملكة بعيدة عنه هذه الليلة. فإلى الآن لم يرسل في طلبها. لعلّه أراد أن يقضي ليلته يفكّر بها كهبة ربانية، شيء ما يشبه المعجزة، التي يمكن أن يتلذّذ بها. على الرغم من كونه شخصاً استثنائيّاً، إلاّ أنّني لم أره إلا عجوزاً ضخماً، كلّما استدعى كاثرين إلى فراشه، فبالنسبة لي، كان فعلاً عجوزاً ضخماً،حتّى وإن كان فقط في الأربعينات من عمره، ذا هيئة لا بأس بها، فقط بدا ممتلئاً لأنّ عضلاته ترهّلت.كان بضعف عمري، وكذلك حاكماً لفترة تسبق مولدي. فمن وجهة نظري، آنذاك بدا مَن هم أكبر سنّاً مثقلين بخيبات الأمل، وهذا ما يحدو بهم لاستهجاننا نحن الشباب. وكالصورة التي رسمتها للأموات - كرّس شكل الملك اعتقادي: فم مغلق؛ عينان متمحّصتان بارتياب. شكّلت كيت استثناءً بالنسبة له: أشرق كلّما نظر إليها، تغيّرت ملامحه ودبّت فيه الحياة وعلت محيّاه علائم الراحة. شكّلا أغرب ثنائي بكلّ المقاييس، خصوصاً من ناحية اختلاف شكلهما جسديّاً: ففي حين كانت كيت نحيلة ولا يتعدى طولها كتف معظم السيّدات في البلاط، كان الملك بضعف حجمها وأطول من معظم الرجال وأكثر بدانة من نصفهم. كان أبدن من فرنسيس بمرّتين، والذي، أي فرنسيس ، كان يعدّ ناعم العود، كما كان يراه جميع الذين لا يعرفونه مثلي.برزت عظامه التي احتضنتها يداي بوضوح تحت جلده الطفوليّ الحريري. حيث مرّت يداي مستكشفة عبر حافّة شعره خلف أذنيه وصولاً إلى عظام صدره، محيطة بعقد معصمه، ممتدّة إلى وركه، كأنّني أفتح هدية. لم أستطع منع نفسي من التفكير بما تشعره كيت عندما كان يتم استدعاؤها من غرفتها إلى الغرفة المجاورة لجناح الملك، تلك التي تجمعهما في مثل هذه المناسبات، حين يطلبها ويأتي إليها برفقة اثنين من خدمه اللذين ينتظرانه في الخارج. بدا لي كلّ ذلك ثمناً باهظاً تدفعه لقاء جميع الميّزات؛ ثمناً كبيراً لألماس بحجم البيض، وأكرات من القماش والذهب الذي ترتديه وتزيّن به غرفها- تلك الغرف المطلّة على النهر والتي تزخر بالموسيقيّين الشباب الموهوبين والقساوسة المثقّفين والأطباء. لقد استقرّت وصيفاتها وخادماتها في أمكنة متشابهة إلى حدّ كبير، لكن أقل بكثير ممّا يستحقّون، أمّا أنا فلم أهتمّ للأمر لأنّني كنت أنوي الزواج من فرنسيس. فبعد أن أصبح المساعد الخاصّ للملكة صرت واثقة بأنّني سأحظى بمباركة عائلتي. لم تملك كيت خيار رفض الملك مطلقاً. على أنّ الملك لم يأمرها بالزواج منه وحرص على كسب ودّها بحذر - لعلّنا نعزو ذلك إلى مظهره من ناحية وكبريائه من ناحية أخرى. لكن الأمر سيّان بالنسبة لها، فهي لم تكن لتستطيع رفضه على أيّة حال فقد تطلع الملك وعائلة هاورد لإتمام هذا الزواج. في كلّ مرة شاركته غرفة النوم لم أكن أعلم ما أشاهده فعلاً: هل هو إجبار أم تسوية تمّت بينهما. عرفت كيت أن ما كان يدور بينها وبين الملك شغل بال الكثيرين، لذا حرصت على عدم تسريب أيّة معلومة، ولم ترضِ فضولهم أبداً، هذا ما جعلها تستحقّ لقب سيدة السرّ العميق بجدارة. حيث ادّعت الفرح كلّما دخلت الغرفة الخاصة وخرجت منها، وكأنّ الأمر لم يكن يعنيها مثلها مثل الآخرين. لطالما اعتقدت أنّ سلوكها هذا هو ما أعانها على تحمّل هذه العلاقة. في تلك الأمسية أدارت رأسها نحوي وهمست لي :"الغرفة شاغرة الآن". عرضت عليّ أنا وفرنسيس غرفة توماس كلبيبر وسريره لهذه الليلة، كما كانت تفعل دوماً كلّما استطاعت ذلك. توماس كلبيبر كان سيتواجد مع كيت، وأنا وفرنسيس سنكون قادرين على قضاء ليلة كاملة وحدنا في سرير توماس. لكن فرنسيس أصابه التوتر وكأنّه غير راغب في ذلك. علمت لماذا، وعلمت بماذا كان يفكّر: إلا غرفة توماس كلبيبر، غرفة أي شخص عداه.ولكنّني كعادتي كنت أسرع: "هذا جيّد، شكراً". على أيّة حال قدّم العرض لي ولم يقدم لفرنسيس. وبلباقة ابتسمت باتجاه توماس كلبيبر، ولكنّني تحاشيت النظر في عينيه، وهذا لم يكن صعباً، لأنّ النظر إلى مثيلاتي كان دون مستواه. أنا بدوري، كنت أفضّل لو لم تكن غرفة توماس كلبيبر، لكنّ العرض كان سريره وغرفته أو لا شيء. وعلى الرغم من تخمتي على العشاء وإنهاكي من الرقص وحاجتي لإغلاق عينيّ ونسيان كلّ شيء، غير أنّني لم أكن لأضيع فرصة قضاء ليلة كاملة قلّما أحصل عليها مع فرنسيس. ففرص لقائنا باتت قليلة جدّاً حتّى القصيرة منها، خصوصاً خلال الشهور الأربعة الأخيرة، بسبب جولة الملك والملكة في أنحاء البلاد، وما أكثر المرّات التي أحرجنا فيها أنفسنا حين نتوسّل زملاءنا لإخلاء الغرفة لنا أحياناً، وأحياناً أخرى كنّا نخاطر ونلتقي في غرف المستودعات المليئة بتماثيل الحصان الخرافيّ ذي القرن المصنوعة من الورق المقسّى. ولمرّتين جازفنا باللقاء في فجوات النوافذ في آخر رواق الملكة، وكم أخافنا في كلّ مرة وقع الأقدام ولو كان بعيداً. وفي الأحيان القليلة التي كانت فيها كيت تستمتع كثيراً بصحبة حاشيتها، كانت تسمح لنا أنا وفرنسيس بالتسلّل إلى غرفتها لتفوتنا بعض التسلية مقابل وقت نمضيه معاً. نتحدّى متسلّلين صفّاً من الحرس اليقظ حتّى نصل إلى مخدعها - كنّا نتظاهر بأنّنا ننجز مهمّات مختلفة للتحضير لعودة الملكة لجناحها- وبسرعة نعبر من غرفة لأخرى متجاهلين الجميع، وصولاً إلى باب الغرفة الأكثر خصوصيّة على الإطلاق، حيث ننسلّ متواريين عن الأنظار. في أوّل مرّة ندخل فيها الغرفة ذهلنا بالسرير الذي كان يبدو قد أعد نفسه لاستقبالنا، ذلك السرير الضخم المكسوّ بالفراء وتتدلّى منه الأقمشة المذهّبة، وبصعوبة تجرأنا الصعود إليه. ومن ثمّ تسمّرت أعيننا للأعلى ونحن نتمعّن جمالَ السقف ذي الأنجم المطليّة بالذهب. في تلك الليلة؛ ليلة عيد الموتى، نهضت وأمسكت يد فرنسيس لينهض على قدميه، والتوق يملؤني ألا أضيّع شيئاً من الوقت، والقلق يعتريني من أن يسحب العرض لأيّ سبب. دفعته خلف الحرس لينزل الدرج إلى الظلام. مشينا بعجل متحاشين المرور بالفناء الداخليّ في ذلك الوقت المتأخّر، خشية أن يفضح أمرنا، وخصوصاً عند المرور أمام غرف رجال الحاشية المتاخمة للبلاط الرئيسيّ. كنّا نستطيع أن نجد غرفة توماس كلبيبر بأعين مغمضة، ربّما كنّا نجد الطريق إليه أفضل منه فقلّما كان يتواجد فيها، كونه المرافق الشخصي المحبّب في الغرفة الملكية، وكثيراً ما كان يطلب منه النوم بجوار فراش الملك. وإذا لم يكن هناك فقد نجده في جناح الملكة، طبعاً دون علم الملك. أكمل فرنسيس طريقه بينما كنت أجلب الملاءات من بيت السلم المجاور. كان يصعد الدرج بخطوتين أو ثلاث ثمّ غاب عن الأنظار. وبرغم وجود الغرف في الطابق استطعت سماع قرعه للباب وصوت الردّ وفتح الباب. بدا الرجل الموجود في غرفة توماس كلبيبر ساخطاً من تغيير الغرف في مثل هذا الوقت المتأخّر."أأنت هنا الليلة؟"، لم أستطع سماع ردّ فرنسيس؛ لكنّني استطعت تخيّل هزّة كتفيه معتذراً وبسمته المواربة، ما جعلني أبتسم. ومن ثمّ سمعت وقع أقدام عديدة تنزل الدرج على ما يبدو أن الرجل كان يحظى بصحبة لهذه الليلة. كان الرجلان ينزلان محدثين جلبة على الدرج فقام الأبطأ بسحب الرجل الآخر إلى الظلّ وقبّلا بعضهما البعض! كان عناقاً خاطفاً لكنه ذو نكهة مثيرة خاصة ممزوج بشعور غريب، لم أستطع كفّ نفسي عن النظر إليهما، لأنّني كنت أحسدهما بشدّة على شغفهما الذي أراه أمامي. بعد كلّ هذا توجّها إلى البلاط الأساسي والقاعة الرئيسة، وكأنّ شيئاً لم يحدث. لدرجة أنّني تساءلت هل كنت أتخيّل ذلك أم أنه حصل فعلاً. ركضت على الدرج الحجريّ. كان الباب مُوصَداً، ليحفظ الدفء في الداخل حيث كانت النار تخمد لكنّ الحرارة ما تزال قوية. خلعت لا شعورياً ثوبي، ولولا القشعريرة بسبب النسيم القادم من النهر لم أنتبه أنّني فعلت ذلك. كان الباب الداخليّ لغرفة النوم مفتوحاً،ما سمح بوصول الدفء إليها.فقد حظي توماس كلبيبر بغرفتين بالإضافة إلى مكان صغير يتّسع لرجلين بالغين. وجميعها كانت بحاجة ماسّة للتهوية والترتيب، حيث بعثرت أكوام من الثياب والفضّيات في جنبات المكان. على الفور بدأت الترتيب ثمّ تذكرت سبب تواجدي هنا. كنت هنا من أجل فرنسيس، قلبي الخافق كان يقول: فقط نحن، نحن ولا أحد سوانا. هناك حيث وقف فرنسيس أمام الموقد ثمّ بدأ الانحناء كما لو أنّه ساحر أراد أن يختفي. وكيف كان سيفعل ذلك. ضحكت فردّ ضاحكاً بدوره دون أن يعرف السبب. كان عارياً: بدا جذعه متوهّجاً كأنه مكسوٌّ بالكتّان، وشعرُه لامعاً برّاقاً. هنا عاودني شعور بأنّني أعرفه جيّداً أحفظ تضاريسه عن ظهر قلب حتى العظم، فمجدّداً يقدّم إليّ جسده بكامل إغرائه ولطفه وتفاصيله، ومجدّداً أتوه فيه ولا أعرف من أين يجدر بي أن أبدأ. كنت أودّ أن ألمس وجهه بيديّ وأستشعر نعومته المغرية، وأتفحّص بثوره اللامرئيّة التي تظهر بشكل يوميّ. أو أن أضع راحتي يديّ على كتفيه وأتلذّذ بملامسته، لتصعد يداي برفق مروراً إلى شعره المتشابك، لتستريح أصابعي خلف رقبته وأضع ساعدي على عظام صدره وأستمتع بامتدادها. خطوت نحوه،أستنشق وأتنفّس عطره الفاتن كانهمار المطر، عندها قبّلنا بعضنا البعض. لم يسبق أن تذوّق أحد طعم لثم ثغري سوى ولد واحد، لكنّني كنت متأكّدة تماماً أن لا أحد يجيد التقبيل مثل فرنسيس. سمعت قصصاً كثيرة عمّا يدور في فراش الآخرين، وتأكّدت من أنّه كان صاخباً وممتعاً. غير أنّ المختلف في علاقتي بفرنسيس، هو تقرّبنا الناجم عن انهماكنا ببعضنا البعض. ففي كلّ مرّة كان يتغلغل بي، كان يتحرّك ببطء، شاقّاً طريقه نحو رغبتي، مقاوماً أيّ استعجال، رافضاً أن يبدو مترنّحاً حيث يصوّب نظره نحوي بكلّ جرأة. أما أنا فكنت أتعلّق بكلّ حركة يأتي بها وأجاريه بكلّ بوصة في رقصه البطيء، وتشبع انثناءته إحساسي المتجدّد مع كلّ دقّة من دقّات قلبي. وفي كلّ مرّة كان ينجح في ذلك فقد تميّز بتوقيت كامل، فوفقاً لما عرفته- من خلال القصص- كان يتمتّع بقدرة لا يدركه فيها باقي الرجال. ولم يستمتع أحد كما كنّا نحن الاثنين. نعم رغم أنّ فرنسيس كان حبيب فتاة أخرى قبلي، فتاة لامبالية ذات جسد نحيل الخصر وممتلئ المؤخّرة، جامعها لمرّات عديدة، علمت أنّها كانت حماسية ومضحكة، لكنّني واثقة أنّهما لم يتلذّذا بمستوى علاقتي أنا وفرنسيس. فأنا كنت متناسقة العود نحيلة المؤخّرة، وقلبي الطيّب لا يمكن أن يقارن بقلبها، فأنا لا أشبهها قلباً وقالباً.

الثالث من نوفمبر لم أعلم متى أتى الرجال إليه، في اليوم التالي؛ لم أعلم حتّى بحدوث أيّ شيء مشؤوم إلا بعد مرور يوم كامل. من المدهش مدى سرّية التحقيقات منذ البداية وبالنظر إلى السرعة والدقة الموجعة التي تمّت فيها. عند الفجر افترقنا، عندما وصل توماس كلبيبر وفتح باب غرفة النوم. ارتدينا ثيابنا على عجل وغادرنا الغرفة دون أن نشكره،وسلك كلّ منّا طريقاً منفصلة تحسّباً لسماع وقع أقدامنا على الدرج، أمّا كلبيبر فقد شغل نفسه بالموقد خلال غياب مرافقه. عند عودتي لغرفتي، كانت أليس وخادمتنا ذات الوجه الساخط توماسين تغطّان في نوم عميق، وهكذا غفوت تحت غطاء السرير عسى أن أحظى بساعة نوم إضافية. ولم تكن كيت من محبّي الاستيقاظ الباكر، خصوصاً بعد ليلة أمضتها برفقة توماس كلبيبر. لاحقاً في الصباح عندما وصلت إلى جناح كيت، لم تقع عيني على فرنسيس. كما أنّه تغيّب عن عزف موسيقى القداس، وعند مرور الصبح دون أن أعثر عليه ظننت أنّه أرسل في رحلة قصيرة لأداء مهمّة ما. أمّا الملك فلم يكن هو الآخر في المصلى ولاحظت أنّ كيت كانت تفتقده. فليس غيابه بحدّ ذاته مفاجئاً: فقد فضّل من قبل أن يقضي أيّاماً ليست أيام أعياد دينيّة يتعبّد وحيداً في الحجرة الأقرب للمصلى. والعبادة المقصودة هنا إذا ما صحّت الشائعة: هي العمل الورقي وهو نصف مستمع إلى القدّاس. عادة كانت كيت تعلم بحقيقة أو سبب بغيابه، ما لم تكن لأسباب صحّية. فهي لم تكن تشغل رأسها الجميل الصغير بأمور الحكم، وقد تمكّنت من إعطاء انطباعٍ واضحٍ عن عدم اهتمامها بالموضوع. كلّ ما أرادت معرفته هو فقط مكان الملك، وإن لم يكن على وجه التحديد. في الواقع فقط أرادت أن تعلم متى تتوقّع عودته،لا أكثر. وفي كلّ مرّة أتى فيها لغرفتها، تجنّب كرسيّه الملكيّة وفضّل الجلوس في مقعد ثنائيّ، ضامّاً رجليه إلى بعضهما، بحيث تتمكّن من الجلوس بجانبه. كانت تسند رأسها إلى كتفه المغطّى بالفراء وهو يسألها: "ماذا فعلت اليوم؟". والغريب أنّه كان يبدو مهتمّاً بما تقول دون رياء أو تكلّف، أو على الأقلّ بكيفية سردها لما تقول. فقد كان يسمع باهتمام كلّ كلمة. ربّما لم تملك سوى القليل لتحكيه، لكنّها كانت تصنع شيئاً من اللاشيء بفضل عينها المدقّقة الباحثة عن التفاصيل وغنى مفرداتها. ويكمل الملك قائلاً: "ثمّ ماذا؟". لطالما جعلت الأمر ممتعاً من خلال حديثها المتّسم بالواقعية والسخرية، ولطالما جعلته يقهقه؛ نعم جعلت ذلك الرجل الكبير العظيم يقهقه، أو أنّه تصرّف معها فقط كذلك، وبذلك يكون هو الملك الذي حكم البلاد لعقود، قد استمتع بالأحاديث اليومية لفتاة لم تبدِ اهتماماً بشيء أكثر من الثياب. غالباً ما كان يأتي الملك ومعه الجديد ليريها إيّاه، ربما آلة نفخيّة أو وترية، أو آلة نقرية مصنوعة ببراعة، وكان يستطرد بالشرح والتفصيل بينما هي تضحك من حماسته الجلية، غير أنّه لم يبدِ انزعاجاً،حتى أنه جاراها في ضحكها في أي وقت من الأوقات. مراقبته معها أعجزتني عن تخيّل أنّ هذا الرجل المازح المشرق نفسه، هو الذي قام خلال السنوات الخمس الأخيرة بنفي إحدى زوجاته حتّى الموت، وأمر بإعدام الزوجة التي أتت بعدها. تلك الليلة، رفع الطعام عند الساعة الثانية عشرة، ولم يتفوّه الملك بكلمة. أدركت أنّ كيت كانت متردّدة وغير واثقة إذا ما كان عليها البقاء، حتّى أنّها كانت أقلّ قدرة على ذكر شيء حول ساعات تسليتنا. رغم أنّ ذلك اليوم بدا جيّداً ومواتياً للقيام بأي نشاط خارج نطاق غرفها، كاللعب بالكرات الخشبية على المرج الأخضر المحاذي للنهر، أو ربّما مناسباً للقيام برحلة مائيّة. فلم نكن نجزم بأنّ هذا ليس آخر يوم مشرق في هذا العام. نفد صبري من مماطلة كيت في أمسية رائعة كهذه، كنت أتحيّن فرصتي قبل هروبي، وكنت أخطّط للمشي عبر حديقة كيت الخاصة، ومن ثمّ بمحاذاة الساقية ومن خلال بستانها المليء بأشجار الفاكهة المتنوّعة. لم تكن هناك حاجة لي، بل إنّني استطعت التسلّل والجميع معتقدون أنّني في الجوار. لقد برعت في ذلك، كما أن عدد الوصيفات كان كافياً، لذا شككت في إن تتم مساءلتي فقد كنت مجرد وصيفة بالاسم فقط. أما بالنسبة لزميلتي ماغي، كانت تنظر بتأمل إلى كتاب الصلوات، كعادتها في معظم الوقت لم يكن لدي أدنى فكرة ماذا تكتشف في هذا الكتاب في كلّ مرّة، وكانت أليس تتظاهر بأنها تخيط، لكنها في الحقيقة كانت تحدق إلى اللاشيء، كانت تملك القدرة على القيام بهذا الفعل الغريب. في آخر الغرفة، كانت السيدة مارغريت رئيستنا - نحن الخادمات والوصيفات على حد سواء - تخوض نقاشاً مع السيد إدوارد؛ وكيل شؤون جناح كيت، بطلاقة ودون انقطاع، كانت مارغريت تتكلّم وتعبّر عن كلامها بإيماءات رأسها وتعبس وتبتسم في آنٍ معاً، وكأنّها الشخص الوحيد الذي يمتلك هذه الموهبة. السيدة مارغريت ابنة أخت الملك، وكان هذا جليّاً في ملامح شكلها التي تشترك فيها مع أفراد الأسرة المالكة برغم صغر حجمها، حيث كانت امرأة نحيلة غير مرتّبة ذات مظهر رثٍّ على الرغم من ارتدائها الملابس والمجوهرات الثمينة، لم يكن العيب في نحولا وشحوبها وفي شكلها القلق الذي ينعكس على جسمها، إنّما يتعدّى ذلك إلى يديها المحمرّتين بشدّة وبشرتها المشوّهة بالسحجات الظاهرة تحت قبّة ثوبها، والبادية في أعلى ظهرها تحت الربطات التي توثق ثوبها. كان منصبها الكبير متعباً، لفتاة شابة لتتحمّل أعباءه، دون شكّ، فرض عليها هذا المنصب كإعادة اعتبار لها بعد فضيحتها التي جلبت لها العار لعدّة سنوات خلت، بسبب علاقة عاطفية جمعتها برجل أحبّته ولم تتقبّل عائلتها تلك العلاقة، وبعد موت حبيبها في البرج طلبت الغفران من عائلتها، التي عفت عنها بدورها. في جهة الموقد من الغرفة، كانت الأختان بار تقرأان. قد علّمتني أمي القراءة لكن فيما بعد، وخلال نشأتي في منزل الدوقة نورفولك بجانب كيت، رغم توافر التعليم الخاصّ لكنّني لم أحرز تقدماً، بل على العكس تراجعت عمّا كنت أتقنه من قبل. لا مشكلة عندي في قراءة كلمات منفصلة إلا أنّني أضيع إذا حاولت قراءة جمل: كان بإمكاني قراءة رسالة فقط وأعجز عن قراءة كتاب. كانت كيت تسخر من الأختين بار أحياناً بسبب قراءتهما للكتب، حسب ما أعتقد، نظرت في عيني ورفعت حاجبيها خفية بإيماءة منها لتدلّني على إلى وجهيهما المتجهّمين أثناء قراءتهما، إلّا أنّني بالحقيقة كنت أجدهما ثنائيّاً مرحاً. كملكة، كان لكيت كتبها الخاصة بها، التي لم تتعدَّ - بالنسبة لها- كونها أكثر من ديكور، كانت كتباً مجلّدة بالحرير والجلد، خطت عناوينها بماء الذهب وزرّرت بأحجار الفيروز والياقوت. لم أفهم اعتراض كيت الشديد لولع الأختين بار بالكتب، ربما لأنّها اعتبرت ذلك مضيعة للوقت، أو وقاحة منهما، أو الاثنين معاً. أمّا أنا، فقد كنت مفتونة بذلك وتساءلت: كيف يمكن لشخص أن يؤخَذ بكتاب إلى هذا الحدّ؟! وكأنّهما كانتا تصليان دون أية غاية من غايات المصلّين. كانتا تقرأان برأسين منحنيين، وكان واضحاً أنّ حركتهما هذه بمثابة تفاعلهما مع الكلمات المطبوعة بسعادة واستهجان. بعيداً عن القراءة والكتب، في وسط الغرفة، كانت جين روتشفورد تعزف على قيثارتها بمشاعر جوفاء، جعلتني أنتظر كيت لتقول:"هذا كاف الآن، شكراً جين". لكن بدا على جين أنّها لم تسمع ما قالته كيت، أمّا بالنسبة لي، ولسوء الحظ ، كانت هذه الجملة كلّ ما استطعت سماعه. لا يوجد مفرّ من جين روتشفورد بتاتاً، وعلائم الاستياء المختبئة خلف وجهها الذي يوحي بالرضا هو كل ما كنّا نراه دائماً في غرف الملكة. لم تخرج جين خارج القصر أسوة بالآخرين إلا لتنزّه الكلب أو لتقطف الأزهار أو لمشاهدة الكرات الخشبية، ولسبب غير مفهوم لم يطلب منها أحد أن تعزف له. لطالما كانت تجلس في الجوار منتظرة أيّ أحد يمرّ أمامها لتتنهّد بصوت مسموع كمحاولة منها للفت النظر إليها، معطية انطباعاً خاطئاً بالبلادة، ما كان يجعل المشهد كوميدياً، لكن من جهة أخرى لن تجدها تغيب عن العمل أبداً، فلا مكان تذهب إليه خصوصاً أنها لم ترتبط بأحد منذ إعدام زوجها قبل 4 سنوات خلت. كانت كيت تتهادى نحو النافذة، وخيوط الشمس تتكسّر فوق دبّوس صدرها ذي العقدة الألماسية المحبّبة إليها- فقد كان هدية من الملك- وفجأة دارت بسرعة لتجدني أمامها قائلةَ:"آه, انظري". وضعت جانباً الرسالة التي كنت أكتبها لابن خالي، نهضت ومددت رأسي لأشاهد صحبة الملك وراء الساقية، يبدو كأنّه خارج للصيد، لكن لماذا لم يتكلّم؟ لم تكن كيت من هواة الخروج، ومن المحتمل أنّها سترفض الدعوة لو دعاها، لكن أغضبها أنه لم يتم سؤالها قط. أيضاً توماس كلبيبر كان خارجاً طوال اليوم ليس لكونه الرجل المفضّل لدى الملك فقط،بل بصفته صياداً ماهراً، إلّا أنّنا لم نستطع رؤيته من مسافة كهذه، برغم يقيننا أنّه هناك. "أين فرنسيس؟". سألتها. "حسناً، ليس هناك".أجابتني، وهي مشنّفة رأسها باتّجاه الصيادين، مبتسمة بتهكّم لسخافة ما تراه. كان فرنسيس من حاشية الملكة، كما كنت أنا؛ لم نكن معروفين بالنسبة لساكني قصر الملك، لأن فرنسيس، مثلي، يعمل ضمن القصر الملكي، فقد أتينا مع الملكة من منزلها، بمعنى آخر كنّا ملكاً لها ضمن حاشيتها. سألت بإصرار :"إذاً، أين هو فرنسيس؟". لم تكن تعرف. فقالت:"ربما مريض!". أجبت:"كان بحالة جيدة هذا الصباح". رمقتني بنظراتها وأضافت "أعتقد أنه كان كذلك" لكن أسلوبها التهكمي اللامبالي أزعجني. "أنا جادة". رفعت كتفيها مستنكرة، وحضنت نفسها بيديها، ودارت مبتعدة عن النافذة. فيما بعد، باهتمام متزايد مني حول معرفة مكان تواجد فرنسيس، تجاوزت الكرسي الثاني لطاولة العشاء في الصالة الكبرى، بحثاً عن شريك غرفته روب، الذي أخبرني أنّه لم يعد إلى غرفته ذلك الصباح. تذكّرت الآن أن فرنسيس لم يكن مريضاً، لكنّه منشغل بشيء ما. فقد سبق له وأشار إلى نيّته شراء ملابس من شخص ما، ربّما هذا ما كان يشغله، منهمكاً بالمساومة على النقود. بالعودة إلى غرف كيت، قضيت وقتاً طويلاً متوقعة قدومه قبل أن أيْئَس من ذلك وأذهب لنزهتي، سألتني ماغي إذا ما كانت تستطيع مرافقتي، كنت سعيدة لهذه الفرصة التي تساعدني لأتسلّى قليلاً بفضل صحبتها الممتعة. مشت بجانبي طوال الطريق، تثرثر وتتفوّه بكلام بعضه يفهم وبعضه الآخر لا يفهم، كانت تخبرني بسعادة غامرة عما كانت تخيط تهيئة للسنة الجديدة، وتحاول اقناعي بإنجازات ابنها في المعمودية العظيمة، قبل أن تشرع بالبدء في شرح مطوّل، مع الإقرار بأنّي كنت نصف مستمعة، لحديثها الجديد حول الجدل الدائر في أسرتها حول البنّاء الذي يفترض أن يبني قبر جدّها. في الواقع كانت ماغي تصغرني بسنتين لكنها بشكل ما كانت توحي بأنها أكبر مني بكثير. في تلك النزهة كان الضياء يتلألأ على سطح النهر المغطى بالغيوم المتكاثفة في السماء. لم تكن رؤية فرنسيس في طريق عودتي من نزهتي ستفاجئني. لكن حتّى الآن لم يلاحظ أحد غيابه، برغم منصبه كحاجب مسؤول عن غرف كيت، والذي يفرّض عليه أن يبقى في المكان. لقد كان دوماً مخلصاً لكيت، إنّه كذلك فعلاً، لكن هذا لم يمنعه من الاختفاء في غالب الأحيان – لركوب الخيل، أو للعب التنس، أو لارتياد الخمّارات مع أصدقائه أو إخوته-ولم يكن من الصعب عليه أن يتدبّر أمر غيابه معها بعدما يعود. لم أكن مهتمّة بشدّة، لأنّني على ثقة أنّه سيخبرني إذا كان هناك خطب ما. تسلّل المساء إلينا بلطف، صلوات تتلى وعشاء وموسيقى. كانت الساعة السادسة، مثل العادة، حين أتى هينيج محمّلاً بأخبار من الملك إلى كيت، كان رجلاً طريفاً صغير الحجم، أخرق، لا ذقن له، وليس من عادة كيت أن تهتمّ بأمثاله من الرجال. على عكس السيّد توماس الذي شكّل استثناءً، وكثيراً ما قامت بدعوته لتناول الشراب وتجاذب أطراف الحديث، في هذه الجلسة أخبرها توماس أنّ الملك قد غادر إلى لندن، فجأة، مستقلّاً قاربه الصغير، في وقت متأخّر من ظهيرة أحد أيام تشرين الثاني، حدث شيء ما قد نكون توقّعناه، كأن يكون شخص نبيل مثير للمشاكل أو راهب لفّقت له التهم لإبعاده عن قائمة المفضلين لدى الملك مما سيعرّضه للعقاب أو التوبيخ على الأقل. هكذا يبدو الأمر إذا ما فكّرنا به، إلاّ أنّنا لم نفعل. أخيراً، أضحت الأمسية أكثر إمتاعاً. فقط بضعة رجال من رجال الملك رافقوه إلى لندن، وقبل الثامنة مساء، وصلت بقية الحاشية إلى باب غرفة الملكة، وعلى رأسها إخوة الملكة المعتدّين بأنفسهم. كان أفراد المجموعة المرحة يتنافسون لتلقّي الدعوة التي عادة ما تكون متاحة، على الرغم من أنّها تجري تحت رقابة السيّدة مارغريت.كان هؤلاء الرجال توّاقين إلى أن يكونوا ممتعين على الرغم من أنّ موسم الطيور الجارحة ساهم في خفض بعض الحماسة. وفي الختام، جلسات المقامرة التي عقدت بقصد التسلية وصلت إلى نهايتها، انشغل الفرسان بتسجيل نتائج هذه الجلسات.

الرابع من نوفمبر

في الصباح التالي، عاد فرنسيس بين أفراد حاشية الملكة وتصرّف وكأنّه لم يغب أصلاً. عندها شعرت أنّني بحاجة لتفسير. ظلّ فرنسيس مشغولاً مع كيت طوال الوقت بوابل من الأعمال المعتادة. فقد كان موظّفاً بوظيفتين في آن معاً، حاجب لغرفها ومساعدها الخاصّ، لكنهما لم يعملا على انفراد، فقد راعت كيت عدم حدوث ذلك، إلاّ أنّهما انزويا أحياناً في ركن غرفة تجمعنا كلّنا، حيث يقرأ هناك مجموعة الرسائل المتدفقة يومياً إلى كيت بصوت عالي، ويتباحثان في كيفية ردّ فرنسيس عليها باسم الملكة. كما كانا يتناقشان حول تفاصيل تحضير الاجتماعات المزمع عقدها، ليقوم فرنسيس بتنظيم انعقادها. ومن ثمّ هناك رسائل الشكر على الهدايا - من أواني فضية وأقمشة مترفة إلى سلال الفاكهة وجرار المربيات - حيث ينحدر مرسلوها من طبقات اجتماعية مختلفة لمرامٍ مختلفة أيضاً، آملين أن تنال استحسان الملكة وإعجابها. بعد ذلك ربّما يبعثون برسائل رسمية لالتماس رحمتها في أمرٍ ما،تقوم بدورها بنقله على انفراد إلى الملك ليومئ بقبول الشفاعة. لم يسعفني خيالي في تصوّر كم تكون ودودة ورقيقة في تلك الحالة، رغم أنّ الفكرة بحدّ ذاتها، ليس فيها ما يدعو للرقّة. فالحقّ يقال إنّها عجزت عن التفكير في ماهيّة القوانين وطبيعتها الصعبة والمتشددة؛ تلك الطبيعة الراسخة الموضوعية المجرّدة. ما الذي كان يدفعها لإقحام نفسها بهذه القضايا؟ يا ترى ما نوع المشاعر التي كانت تعتريها تجاه هذه المسائل؟ هل كانت تفاصيل الظروف الشخصيّة هي التي تثير حماستها؟ في الواقع كنت أتمتّع بقدرة تخيّلها وهي تجعلهم يبدون مكرهين ومجبرين لتجعل قضاياهم تبدو مؤثرة ومقنعة عندما تعرضها أمام زوجها بطريقتها الخاصة. طوال ذلك الصباح، كان اجتهادهما في العمل؛ هي وفرنسيس، منظراً لافتاً ومثيراً للإعجاب. حيث بدت هي ثابتة وصارمة بشكل متقن، وكلّ بوصة منها تؤكّد أنّها الملكة الشابّة، بجودة الذهب، كما بدا فرنسيس متحمّساً يعرض خدماته، حتّى قبل أن يسأل. عادةً، كان يستمع لها بنصف اهتمامه، مهذّباً إلّا أنّه مغلف بالغموض، لكن في ذلك الصباح بالتحديد كان عابساً مع تلك النظرة المحملقة في اللاشيء. أكثر الاحتمال أنّه كان يحاول أن يريني أنّه بلا قيمة من دونها هي، وأنّه يعزو نجاحه إليها - فهو المساعد الخاص لملكة إنكلترا الآن- لكنّني لم أكن متأكّدة من ذلك. أذكر أوّل مرّة التقيناه فيها، نحن الفتيات، حين كان يعمل خادماً نبيلاً عند دوق عائلة النورفولك، وظيفة يحسد عليها، ولو حافظ عليها لكان قد صنع معروفاً لنفسه، لكنّه اختار إتباع كيت بصعودها الذي يشبه قصص الجنّيات الخرافية بالنسبة له، لكن اعتقد أن الملكة أيضاً اختارته ليكتمل القدر الذي كان لا مفر منه لكليهما. بالنسبة لكيت، كانت حياتها الأولى المهمشة هي الخاطئة بينما التطور الذي حصل لها الآن هو الحياة المتوقعة واللائقة بها، أو لعل ذلك الموقف الذي اتخذته، رغم أنني توقّعت شيئاً مختلفاً منها هي بالتحديد، توقّعت أن تكون متبرّمة وضيّقة الصدر نحو قضايا الآخرين التي تبنت إيصال بعضها إلى الملك طالبة شفاعته فيها. أخيراً وفي وقت متأخّر من العصر- متأخّر جدّاً من وجهة نظري- جاء فرنسيس إلى الرواق باحثاً عنّي، حيث كنت مجبرة على أخذ درس موسيقى، أنا وأليس وآن بست. أتى مختالاً مبتسماً لعلّه يعكس ذلك عليّ ملقياً التحية:"مرحباً". لم أقل شيئاً برغم أنّني أدرت وجهي بعيداً عن قبلته التي هبطت علي وكأنها تلك الإيماءة المشاكسة المتصنعة التي تتظاهر بها كيت أمام الشبان. "أكنت منشغلة؟". قالها توّاقاً لإحداث تحسين يصلح من خلاله موقفه. هل كنت مشغولة فعلاً؟ لكنّه منحني فرصة لن أهدرها لهزيمته، لذا اندفعت بجرأة شديدة أعدّد قائمة النشاطات اليومية الاعتيادية المقرّرة، حيث كتبت الرسائل لابن خالي ولأبي، وعزفت قطعة موسيقية جديدة، ثمّ تمّ طلبي لاختيار فستان وبعض المجوهرات لكيت من حجرة الملابس وحجرة المجوهرات، لأحسم الموقف بفستان ساتان نيلي وعقد من اللؤلؤ وأحجار الزفير الكريمة، وبعد ذلك حاولت التقاء ليز فتزكيرالد؛ الخيّاط المفضل، لأسأله إذا ما كان يستطيع خياطة عباءة لابن عمّي الصغير مع حلول عيد رأس السنة، كما مررت بغرف دوقة ريتشموند لأتأكّد من نموّ الجراء والتي سيصبح أحدها جرو كيت عند فطامه. لقد عددت كلّ هذا بنبرة رتيبة وبتروٍّ، محدّقة إليه مما أجبره على خفض بصره نحو الأرض، وكذلك فعلت أنا. ثم تراجع إلى الخلف وهو يستمع بأدب لما كنت أسرده. فيما بعد، عندما بدأت أمسية الرقص، رقّ قلبي عليه فأخذته جانباً، وأخيراً سألته دون تحفّظ : "إذاً، أين كنت بالأمس؟". فأدار عينيه الكبيرتين نحوي قائلاً:"أمّي لم تكن على ما يرام". "ما خطبها؟". لابدّ أن الخطب جلل ليجبره الذهاب على طول طريق لندن، مجرّد التفكير بما قد يواجهه جعل معدتي تنقبض، ثمّ العودة بنفس الطريق رجوعاً، وما ماهية هذا الخطب الذي لم يبقه هناك طالما أنّه ذهب. "أنا لا أعلم حقيقة" قال فرنسيس. كان وقع ذلك الغموض عليّ صاعقاً، لكنني قلت لنفسي هذا هو فرنسيس الغموض جزء منه. ثم سألته: "إذاً، هل تحسنت؟". أجابني: "قليلاً". وعندها بدأت أشك أنّه يكذب عليّ، لذا استقصيت عن الحقائق بمزيد من الأسئلة:"هل كان أخواك هناك؟". أومئ برأسه مؤكّداً. تابعت استجوابي:"كلاهما؟". "نعم". وبدا متبرّماً كأنّه يقول الآن أجبت عن نفس السؤال أليس كذلك؟ وهنا واجهته: "ألم تخبرني أنّ أخاك الأصغر كان في يورك؟". لقد قال لي إنّ أصغر إخوته ذاهب للعمل في يورك في الأسبوع الماضي وسيبقى شهراً. أغمض عينيه، فقد كان حائراً: "حسناً، لقد عاد". ثمّ استطرد قائلاً: "أنا لم أخبرك بكلّ شيء". تنهّدت: "تماماً يبدو أنك لم تفعل، يا فرنسيس". ذهب إلى يورك وعاد في غضون أسبوع؟ هذا ليس بالوقت الكافي لهذه الرحلة حتّى. كان كاذباً من دون أدنى شكّ. لتفادي المزيد من التناقضات والحجج استبدل أقواله مبرّراً: "انظري... لقد كان لديّ يوم عمل شاقّ فعلاً". وأخيراً رأيت ما أعتبره الحقيقة. بدا فرنسيس مرهقاً، فاعتراني شعور بالحنان لكنّني تركته يتبدّد ويزول.

الخامس من نوفمبر

لم يكن من المفترض أن يبدأ صباحي باكراً هكذا بقبضة تراب تهسهس على الشباك. أيقظتني أنا وتوماسين بينما ظلّت أليس نائمة. كانت توماسين تشغل الطرف الداخليّ للسرير الأقرب إلى الشباك ومع الكثير من البربرة والتذمّر قالت:"يبدو أنّه السيد درهام، علامَ تراهنين..؟ من المؤكّد أنّ هذا السيد درهام." رفعت نفسها وفتحت الشباك بقوّة واختلست النظر قبل أن ترجع وتجذب غطاء السرير إلى رأسها. كنت متلهّفة لوضع حدٍّ لهذا الإزعاج، نهضت وارتديت فستاناً فوق قميص النوم وانتعلت حذائي وهرعت للأسفل. توارى في بيت السلم مختبئاً من الحارس الليليّ. وعلى الرغم من الظلام الدامس، استطعت أن أرى عينيه الكبيرتين وسمعت صوت لهاثه يشقّ الصمت المطبق. لم يقل شيئاً، أدركت أنّه كان مرعوباً، وما أفزعني أنّني لم أره هكذا من قبل خائفاً من شيء أو شخص ما. كان بيت السلم المظلم هذا ملجأه، إلاّ أنّه ليس ملجأً على الإطلاق. لم أقوَ، فعلاً لم أقوَ على أخذه بين ذراعي، شيءٌ ما دفعني للتراجع. لست أدري إذا ما كان خوفي من أن أكشفه وأتسبّب له بمزيد من المتاعب. وبالمثل أمسك نفسه بدوره ولم يحاول الاقتراب وظلّ بعيداً. هكذا وقفنا كلانا ننظر إلى بعضنا البعض في الظلام. لم يكن يقدر على التفوّه بأيّة كلمة. إلاّ أنّني فهمت أنّه لا يستطيع الاعتراف بأنّه كذب عليّ سابقاً. هذا ما بدا جلياً الآن، كما كان كذلك من قبل.كان عليّ كظم غيظي، لأنه لا يتوجب علينا خوض نقاش حول تمثيليّة مرض والدته المزعوم. أخيراً أفضى بسره قائلاً:"لقد كان ريوذيسلي!" بنفس متقطّع وأجش يمخر عباب السكون. حقيقةً كان توماس ريوذيسلي مساعداً خاصّاً للملك، لذا لم أفهم ما الذي عناه بقوله: "لقد كان ريوذيسلي". أكمل فرنسيس:"استدعاني للتحقيق". إلى الآن ما زلت لا أفهم شيئاً، "تحقيق حول ماذا؟"، وما هو الشيء الذي يسأل توماس ريوذيسلي فرنسيس عنه؟ وطوال اليوم؟ وبتلك الطريقة التي سبّبت له الفزع؟ بحق السماء ماذا يريد من فرنسيس الذي لم يكن شخصاً هامّاً على الإطلاق، لا يعرف أيّ شيء عن أيّ موضوع ولا يؤذي أحداً. لست أعرف شخصاً أكثر براءةً منه. ثمّ قال غاضباً: "حيال ما سبق". وكأنّ ذلك كان يعني شيئاً بالنسبة لي. قلت: "ما سبق؟". ردّ: "عندما كنّا نعيش في بيت الدوقة". وماذا كان هناك ليعرفه؟ وما هو ذاك الشيء الذي يحتمل أن يشغل بال رجلٍ من أمثال ريوذيسلي؟ أو حتّى أيّ شخص آخر. فأنا بصعوبة أذكر حياتنا هناك،لم يكن هناك شيء لأتذكّره مطلقاً؛ وهذا كان ما يميّز بيت الدوقة،خلوُّه ممّا يستحقّ الذكرى، بالنسبة لي. فقلت:"ماذا عن بيت الدوقة؟". لم يمنعني الظلام الحالك من الشعور بعينيه الموجّهتين نحوي بنظرة حادّة، وهو يهمس متوخّياً الحذر: "كيت". عجباً لم تكن كيت تتميّز على أيّ أحد عندما كانت تعيش في بيت الدوقة، لم تكن إلاّ فتاة عادية. وهذا ما كان يميّزها. فهي على خلاف جميع الملكات السابقات المعروفات بعلاقاتهنّ المعقّدة. لكن كيت لم تكن كأيّ واحدة منهنّ - هي من عائلة هاورد، نعم، لكنّها قاصر وليس لها أيّ ماضٍ يذكر. "أنا وكيت". قال فرنسيس.حينها فهمت مقصده فجأة، وانقبض قلبي وجاهدت لأبقي نفسي ثابتة. استمرّ بالنظر إليّ - من دون شكّ لم يرفع ناظريه عنّي - ما أثار امتعاضي، وددت لو أنّي لم أكن على مرمى ناظريه، وددت لو كنت بعيدة بمفردي، وحيدة دون رفيق. أكمل فرنسيس هامساً بدهشة: "وعلم كل شيء عنّا". كلّ شيء. حسناً، لم أرد التفكير بذلك، تلك الكلمات القليلة ضايقتني فلم أكن أرغب بتذكر ما كان يجري في تلك الأيام الخوالي. ولطالما تخيّلت أنّنا تركناها بعيداً وراءنا. ثمّ تابع: "لا أعلم كيف؟ لكن كل ما عرفته هو قوله: لدينا معلومات". قلت له:"أنت لم ترتكب أي خطأ". لأنّ هذا الموضوع بسيط وواضح وكان لابدّ أن نبقى في الموضوع الآن. "فهي لم تكن متزوّجة من الملك"، ولو كان كلامي صحيحاً فلماذا إذن يحقّق السيّد ريوذيسلي معه؟ لكنّني أكملت:"أنت لم ترتكب أيّ خطأ، وما من قانون يجرّم ما فعلته".كنت واثقة ممّا أقول ومتأكّدة من ثقتي تماماً، لذا أغاظني شكّ فرنسيس. شعرت بأنّ هذا الشكّ هو نفحة من الهزيمة والانكسار ـ تردّد قليلاً قبل أن يلتقط أنفاسه ويجرؤ على لفظ جملته هذه: " لكن ماذا لو كان هناك أيّ عقد مسبق؟". "لكن لم يكن هناك أيّ اتّفاق". كانت أحشائي تتعقّد. "هل هذا ما سأل عنه السيّد ريوذيسلي؟". "نعم". "حسناً لم يكن هناك أيّ اتّفاق". وقفنا نحدّق إلى بعضنا في الظلام، وعلى مضض أصغيت لصمته؛ استطعت أن أسمع ما كان يفكّر في قوله، عندها قال متردّداً: "ماذا إن قال البعض إنّه كان هناك إتفاق!". ضبطت انفعالي متوجّهة نحوه:"البعض سيقولون ما يشاءون، لكن السيّد ريوذيسلي لن يسألهم، أليس كذلك؟ هو يستجوبك أنت، فما الذي أخبرته به؟". "قلت لا، بالطبع".كان عليّ أن أسأل إذا ما اقترف أمراً يجعله مذنباً الآن. لو أنّ فرنسيس وكيت كانا على عقد مسبق، لو أنّهما نذرا أنفسهما لبعضهما بعضاً، لكان لعلاقتهما قوّة كقوّة رابط الزوجية، كأنّهما متزوّجان من جميع النواحي ما عدا الاسم، ولما كان زواج الملك منها، فيما بعد، زواجاً على الإطلاق. والأسوأ من ذلك أن فرنسيس سيكون متزوّج من الملكة، بل والأشد سوءاً من ذلك أنه على علم بذلك. عندها تكون كيت المضارة ، ولن يكون فرنسيس سوى جزء من المنظر الخدّاع للملك. لذا كان على الإجابة أن تكون "لا". في بيت الدوقة ولوقت طويل، شكّل فرنسيس والملكة ثنائياً، وأغلب الظنّ أنّ جميع من كانوا في ذلك البيت علموا بالأمر. أمّا هنا الآن، فماغي وأليس، زملاء سكننا السابق فقط من يعلم بالأمر. فقد كانا عاشقين، وفرنسيس اعتاد أن يناديها "ويفي" أو "ويفليت" بما معناه الزوجة المحبّبة؛ وتلك كانت دعابة ولم تكن في الوقت نفسه. نصحته في ذلك الوقت: "يجدر بك أن تكون أكثر تحفّظاً".متحسّرة على هذه النصيحة حتّى وقت إسدائها، لأنّها كانت من دون جدوى إلى حدّ سخيف لأنه كان بإمكاني أن استشعر نظراته البائسة نحوي آنذاك. على الفور، غيّرت الموضوع: "كيت لا تعلم، أليس كذلك؟ هي لا تعلم أنّ السيّد ريوذيسلي استدعاك إليه؟". لم أكن أعتقد أنّها تعلم لأنّني كنت واثقة أنّها لو كانت تعلم لعرفت ذلك. قال:"لا". "جيد، انظر، هذا هراء يا فرنسيس. عليهم التأكّد فقط. فإذا ما قال شخص ما أيّ شيء عليهم التأكّد، هذا كلّ ما في الأمر". ومن المؤكّد أنّهم سيتوجّهون إلى الشخص المعنيّ لأنّهم لن يجرؤوا على فتح الأمر مع الملكة نفسها. "ومن يكون إذاً؟". قال مجادلاً: "من يكون ذلك الشخص ولماذا؟ ولماذا في هذا التوقيت؟". هذا ما لم أكن أعرفه ولم أشأ حتى التفكير فيه، حتّى أنّه لم يكن هامّاً بالنسبة لي. فكلّ ما كان يهمّني هو عدم وجود عقد مسبق بينهما، وأن السيد ريوذيسلي قادر على التحقّق من ذلك. نوعاً ما، يا لها من نعمة، فتحقيقه فيما قد حدث بالماضي كان سيشغل انتباهه كثيراً عمّا يدور الآن مع توماس كلبيبر، وهذا كان المخرج الأفضل لكيت، لكن عليها الآن أن تضع حدّاً لعلاقتها بكلبيبر، وأنا الشخص الذي يتوجب عليه إخبارها. قرأ فرنسيس أفكاري واستبق الأمر محذّراً وملحّاً:"إيّاكِ أن تخبريها، لا تتفوّهي بأيّ كلمة. فقد حذرني السيد ريوذيسلي من إخبار أيّ أحد على الإطلاق. ‘هل فهمت؟ وإلّا تحوّل الأمر إلى شيء مغثّ ومؤذٍ جدّاً’. هذا ما قاله لي". "مغثّ ومؤذٍ جدّاً". تفاجأت. مغثّ ومؤذٍ جدّاً. كيف يجرؤ! وفجأة شعرت أنّني أعجز عن تخيّل مدى حدّة نبرة الاستجواب ومضمونه. لكنّ هذا التهديد، من ناحية أخرى،كان تنبيهاً جيّداً، وبالتأكيد لم يكن من المفترض أن تسمع الملكة وتحت أيّ ظرف عن هذا الموضوع. هنا استأنفت مشكلتنا الأساسية: "هل صدّقك ريوذيسلي؟ حول الاتّفاق المسبق وعدم وجوده؟". "لا أعلم". بالطبع هذا لم يكن الجواب الذي انتظره، لكن على الأقلّ كان صادقاً معي:"اسمع فرنسيس عليه أن يصدّقك، عليك إخباره، عليك أن تقنعه بأنّه لم يكن هناك أي شيء، وإنّكما لم تكونا عندئذ إلا طفلين عابثين...". قال:"نعم"، لكنّني توجّست الغضب من نبرة صوته. لعلّ لامبالاتي حيال ما كان بينه وبين كيت في ا

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم