في مواجهة الأدب والرداءة والفساد

في مواجهة الأدب والرداءة والفساد

كريمة أحداد

عندما بدأ شغفي بالأدب في مرحلة المراهقة تحديداً، وتعرّفتُ على أدباء وروائيين من طينة نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف ودوستويفسكي وبلزاك وجورج صاند وجين أوستن وفيكتور هوغو وبودلير، كنتُ أتصوّرُ أن الأدب مجالٌ نقيّ ومترفّعٌ عن الواقع، وأتخيّلُ الأدباء يكرّسون حياتهم للقراءة والإبداع والمعرفة والاكتشاف والدهشة.

عندما كبُرت، وتعرّفت على عالم الأدب أكثر، اكتشفتُ أنه، مثلَ جميع المجالات، معرّضٌ للفساد. انكسرت تلك الصورةُ الحالمةُ عنه والتي علّقتُها في قلبي لسنوات، واستُبدِلت بمشهدٍ يشبه لوحةَ العشاء الأخير لدافينشي، يظهرُ فيه أشخاصٌ متدافعون، وأمامهم أطباق اللحم والدجاج وحلويات كعْب غْزال. يلتهمون الطعام بلا هوادة، ويتملّقون لبعضهم البعض، ويعتقدون في قرارةِ أنفسهم أنهم أدباء، لمجرّد أنهم استيقظوا ذات صباح وقرّروا أن يكونوا كذلك، دون أن يمتلكوا الموهِبةَ التي تؤهلهم لذلك.

حاولتُ مراراً قراءة بعضِ الأعمال التي يسمّي أصحابُها أنفسَهم كتّأباً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكنّ الرداءة كانت تواجهني في كلّ مرّة متّخذةً شكلَ صورٍ نمطية أو مشاهد من أفلامٍ هندية أو شخصياتٍ غير منحوتة بعناية أو حواراتٍ بعيدةً كلّ البعد عن الواقعية وعصيّةً على التصديق، بل تتخذ أيضاً شكل أخطاء لغويةٍ ونحوية ومنطقية فادحة في كثيرٍ من الأحايين، فأتوقّف عند الصفحات الأولى دائماً.

لا يُمكن لبلدانٍ يطال الفساد سياستها ومؤسساتها ومجتمعها وإداراتها وصحافتَها بل ومدارسها وجامعاتها أيضا، أن تمتلك مجالاً ثقافياً غير فاسد. إنه نظامٌ كلّي يصفّق للرداءة والرديئين وغير الأكفاء، يمنحهم السلطة ومراكز القرار، ويعدّ لهم منصّاتٍ لإيصال أصواتهم إلى الناس. ولولا أن التاريخ لا يحتفظ إلا بأولئك الحقيقيين الذين يكتبون بدمائهم، البعيدين عن النفاق والتملّق والزيف، لفقدنا الأمل.

في العصر الفيكتوري، كانت بريطانيا تزخر بالكاتبات الإناث اللواتي كتبن رواياتٍ عاطفية نمطية عن الحبّ والقلوب المنكسرة، لكنّ التاريخ لم يذكر إلا جورج إليوت التي اختارت أن تكون شجاعةً وتكتبَ بدمِها. وقد كتبت عام 1856 مقالاً معنوناً بـ”رواياتٌ سخيفة من تأليف روائيات”، وقسّمت هذه الروايات إلى أربعة أقسام: التافهة والمبتذلة والمرائية والمتحذلقة. أعمالنا الأدبية اليوم تحمل كلّ هذه الصفات، ومجالنا الثقافي يزخر بالتافهين والمتحذلقين، لكنّ التاريخ سيقوم بعملية الفلترة يوماً ما وسيلقي بهم إلى مزابله الضخمة.

من صفحة الكاتبة على الفيسبوك