ناصر السيد النور: مشكلة النقد من مشكلة الإبداع

ناصر السيد النور: مشكلة النقد من مشكلة الإبداع

الرواية نت – لندن

يصرّح الناقد والمترجم السوداني ناصر السيد نور أنّ الرواية العربية ما تزال في تجربة تكوينية تبحث عن صيغها السردية ضمن الرواية العالمية، وأنّ الأعمال الجيدة تأخذ موقعها وهذا لا يعني بحال وجود أعمال أخرى أقل درجة.

وفي حواره مع الرواية نت، يرىصاحب “رواية تيتانيكات أفريقية: دراسة في البنية السردية والهوية ورؤيا العالم”، والحائز على جائزة الطيب صالح في الترجمة، أنّه لابدّ ولابد للخطاب السردي العربي أن يخلق الحساسية التي من شأنها تفعيل الحوار الإبداعي بين الروائي والقارئ.

– ما رأيك بما يسود من اعتقاد لدى عدد كبير من الروائيين أنّ النقد في العالم العربيّ معدوم، أو شبه معدوم، أو أنّه ليس هنالك نقّاد، أو أنّ النقّاد يكتبون بناء على محسوبيات، وهم مستقطبون في شلل أدبية يروّجون لأعمال أصدقائهم أو مَن تربطهم بهم مصالح، سواء دور نشر أو مؤسّسات صحافية؟ 

إنّ شيوع مثل هذا التقييم – الاتهام- لا يخلو من وجاهة، ولكن السؤال نفسه يشير إلى غياب لمنهجية بحثية تؤسس لمجابهة السؤال فيما يتصل بالنقد كممارسة منهجية تتأثر بالخلفيات تعليمية وثقافية وسياسية وأيدولوجية تدخل في تكوين الرؤية النقدية. فالغياب الكلي أو الجزئي للفعل النقدي لا يقتصر على تشريح النصَّ الأدبي حصراً دون المساس بالأبنية الفلسفية والمفاهيمية المتعلقة بتصورات ما يُفهم منه نقداً. وهنا تكمن ما يطلق عليه (أزمة، غياب، قصور نقدي). وفي سياق المنظومة الإعلامية العربية؛ عادة ما تسود ظروف تحيط بالناقد ومؤسسته -إنْ وجدت- تفضي إلى اصطفاف (لوبي) من ناشرين بقوة تعمل على ممارسة سياسة الاحتكار والاستجابة المذعنة لقوانين وسياسات بعض البلدان العربية. فإذا غاب النقد أو تحيزِّت اتجاهات المؤسسات الثقافية وليست المفاهيمية، فإنّ المسؤولية تشمل منظومة معرفية كاملة ومعقدة لا تخرج عن مجمل أزمات الثقافة العربية في جميع مناحيها ومن بينها تلك المنتجة للنص الروائي. وهو ما يمكن وصفه بالإشكالية Problématique تلك الصفة الملازمة في تشريح الواقع الثقافي العربي، نجد أنّ مشكلة النقد من مشكلة الإبداع ومساحة الحرِّية في ممارسة النقد في واقع تتصلَّب فيه عوازل الثقافة المجتمعية والدينية في رؤيتها للنصوص وبالتالي إخضاعها لغير معاييرها.

– هل ساهم غياب النقد الأكاديميّ في الصحافة، واقتصاره على أروقة الجامعات بنسبة كبيرة، في ترويج نوع من التسطيح والتمييع لمفهوم النقد الأدبي والروائيّ عربيّاً؟

النقد الذي تتبناه الجامعات العربية في مناهجها لا يفيد على المستوى العام، بعضها قد تخطاه الزمن وكثيراً منها بحاجة إلى تحديث. فالاتجاهات في الفكر النقدي فيما يسمى بالنقد الأكاديمي. فالنقد تعريفاً ومفهوماً قد اتسعت دائرته بما لا يدعه مضمراً عند حدود التعريفات المعجمية اللغوية واصطلاحات مفاهيمية تستفيض في شرحها الموسوعات النقدية واللغوية المتخصِّصة وغير المتخصصة على السواء، إلا أنّ ظاهرة النقد في السياق المعرفي والفلسفي تطابق الاستدلال المنطقي كالأداة التي تستخدم في الحكم على ما يُراد معالجته نقدياً وبالتالي تمييزه بالدخول إلى أعمق مكوناته. والتمييز أو الصراع بين اتجاهين في النقد (الأكاديمي والصحافي) تعبير صريح عن فجوة مركبة أربكت المشهد الثقافي عموماً، وما يغيب في واقع الحال النقد دون تقييد بين ما هو أكاديمي وصحافي. وبالنظر إلى تاريخ النقد بالمقارنة مع الرواية العربية، دائماً ما كانت الفجوة التأريخية بين النقد في مفهومه الموروث والنقد الروائي المقترن بحداثة وجدة الرواية في الكتابة العربية، والرواية بشكلٍ عام منذ ظهورها في العالم العربي كما يؤرخ لها مؤرخو الأدب ببدايات القرن العشرين لم تكن معروفة في الآداب العربية، ولكن كما في آداب العالم كان النقد في الثقافة العربية كبنية مسبقة في نتاجات النصوص العربية.

– لاحظنا في سلسلة حوارات الرواية نت مع عدد من الروائيين والروائيات العرب تقاطع معظم الإجابات عن غياب النقد الروائيّ، أو تهميشه لأعمالهم أو قصوره عن متابعتهم، أو بقاء النقد اسير شلل ومجاملات ومحسوبيات، وأنّ أعمالهم لم تنل ما تستحقّ من نقد.. ما رأيك بهذه الآراء؟

قطعاً تتقاطع رؤية الناقد والروائي والخلط بين النص الروائي وشخص الروائي يحرف من حيِّدة النقد، والروائي العربي مثقف في تنازع مستمر بين متطلبات واقعه وضغوطاته وطموحه. وكثيراً ما يشكو النقاد والروائيون العرب على السواء من قلة الكتابات النقدية الجادة أو ما يطلقون عليه التصحر النقدي أو (مجاعة نقد) بتعبير الناقد علي الراعي. وقضية (غياب النقد) تتشعب عواملها من مواريث العقلية النقدية العربية إلى سياسات الدولة ونسقها المجتمعي في تعصب الجماعات والآراء والتحيزات المختلفة، وأرى أنّ هذه العوائق لا يمكن نفيها فهي سائدة في الدوائر الثقافية وغيرها من مؤسسات الأدب والثقافة.

– ما أسباب تحامل أغلب الروائيّين على النقّاد، واعتبار إبداعهم النقدي قاصراً أو تابعاً للإبداع الروائيّ؟

غموض في التعريف وغبش في الرؤية وهذا من قصر المعنى النقدي، ألم نقل إنّ النقد تشوبه أوجه قصور بنيوي، فإذًا رأي الروائيين النقاد وفق هذا الوصف تكون النظرية السردية العربية محكوم عليها بقصر النظر وهذا التعسف في الحكم. وبالتالي الروائي الذي تغيب عنه مفاهيم النقد لابد أنْ يشكل هذا خللاً في تصوره للرواية ابتداءً. كل من النقد والرواية يحتاجان إلى إعادة تعريف علمي يبسط البديهيات حتى لا تكون الفجوة عميقة بما يعيق أسس المعرفة النقدية. فإذا ما فهم النقد وقيد بالنقد الروائي فقد تكون الحاجة إلى دعوة مثل هؤلاء الروائيين للتفكير مجدداً في ماهية النقد مجددا. ثمة ضروب من السرد والنتاجات المعرفية الإنسانية الأخرى يتعاطى معها النقد، وإنْ تجذر مفهوم النقد في حدود السرد الروائي.   

– هل حلّ العرض الصحافي السريع، أو القراءات الانطباعية الصحافية، محلّ النقد الروائيّ في العالم العربيّ؟

العرض الصحافي لا غنى عنه! وفي وجود ثورة الاتصالات التقنية المعلومات ربما ازدادت الحاجة اليه، وبما أنّ مثل هذا العرض يمتلك كثافة انتشار إلا أنه لن يزيح النقد الآخر (المدرسي)؛ واختلاف المعايير بينهما في التحليل والتفسير عادة ما يسم كلاهما بميزة تحول دون طغيان أحدهما على الآخر. والملاحظ أنّ العرض الصحافي يسود على ما عداه من اتجاهات نقدية محكمة.  

– هنالك كمّ كبير من الأعمال الروائية تصدر كلّ سنة، هل بات الكم سمة طاغية على حساب النوع؟

في سياق سيسيولوجي تعد دائرة القراءة العربية ضمن معدل انتشار الأمية في العالم العربي، والنشر المكثف مفيد قياساً على دائرة التأثير ومن ثَّم تبقى المعايير الفنية – النقدية- للأعمال الروائية مقيدة بأسس القراءة النقدية. ولأن الرواية العربية ما تزال في تجربة تكوينية تبحث عن صيغها السردية ضمن الرواية العالمية. فإنّ الأعمال الجيدة تأخذ موقعها وهذا لا يعني بحال وجود أعمال أخرى أقل درجة. وفي مقابل هذا الاضطراد في النشر الروائي الذي لم تصحبه اهتمامات نقدية يرجع النقاد والدارسون العرب الأمر إلى أزمة تطال النظام التعليمي والبحثي والإبداعي والمؤسسي مما نتج عنه ركود وتبعثر الجهود النقدية الفردية على قلتها. ولا تفهم هذه الظاهرة إلا ببحثها في إطار علم اجتماع المعرفة Sociology of Knowledge بحثاً لصيغة تفاعلية بين الجهد الفردي للمبدع والرعاية المؤسسية.  

– إلى أيّ حدّ لعبت الجوائز المخصّصة للرواية دوراً في تشجيع الكُتّاب للتوجّه إلى حقل الرواية؟

في حوار سابق ليِّ مع المستشرق الإنكليزي بيتر كلارك عضو جائزة البوكر في نسختها العربية حول الضجة التي أثارتها الجائزة في المحيط العربي فكان رده: “الناس يتأثرون بدرجة كبيرة بالأدب -وهذا بدوره جيّد والناس أيضاً لديهم ولاء للكتاب”. وقد تبنت عدة دول وجهات جوائز بغض النظر ما وراء الأهداف والنوايا ولكنها بوجه من القول دفعت الروائيين في تسابق محموم لاغتنامها. وبالقدر الذي شجعت فيه – هذه الجوائز- الروائيين أثرت على قيمة العمل المنتج، فمن حيث الشكل العام أصحبت الرواية رواية الجائزة وفق شروط الجائزة نفسها وبالتالي انتقص هذا من قيمتها الإبداعية، وأفقدها عامل المبادرة.

– ما الذي تودّ توجيهه للروائيين والقرّاء؟

لازمت الرواية العربية مؤخراً ظاهرة استعادة قراءة التراث – شخوصاً وموضوعات – سردياً بما يعني التركيز على البعد التاريخي واللغوي وتقلص التجربة الروائية في ارتيادها لفضاءات سردية تأخذ بلحظتها التأريخية. وعلى مدار عقود اتجه خط الرواية العربية مجرباً ومقلداً في أحايين أخرى ولكنه مضطرد وينبغي المحافظة على الاستمرار. ولابد للخطاب السردي العربي أن يخلق الحساسية التي من شأنها تفعيل الحوار الإبداعي بين الروائي والقارئ.