فصل من: هيلدا.. نَوْرَّسَة النَّهر، وأُنْثَىٰ الأَبَنُّوْسْ والنَّخِيْلْ

فصل من: هيلدا.. نَوْرَّسَة النَّهر، وأُنْثَىٰ الأَبَنُّوْسْ والنَّخِيْلْ

أحمد ضحية

تحرَّكت الباخرَّة. تعمَّقت في مجاهيل النِّيل الأبيض الهادِّر. صَّوت دوائرِ الماء الموجيَّة وهي تتكسَّر على جسمها المتمايل، يأتي عنيفاً عُنف الخوف من التيّه في الصحراء والبحر والغابة، الذي تتعبأ به ذخيرَّة المدافع الطائشة، والجلالات والهُتاف!

هدير الأمواج يعلو على صوتِ المُحرِّكات، وأصوات الرُكاب وصرخات الدواخل تطغىٰ على كل صَّوت.. حنين جارِف للدفءِ والشَّوق والرِّيد المستفيض، إلى جلساتِ القهوَّة النَّهارية.. حَفنَّة من أحلامٍ مجلوَّة بالفضَّة، وقوارِّير من النَّدىٰ لا يُعكِّرها العرَّق الصدئ.. الصابئ من الذكرياتِ المبهمَّة. سطح الباخرَّة، السياج. المقاعد المتناثرة على السطح. الذِّكريات..

التابوت المتحرِّك، المنفِّي وسط النَّهر الغاضب.. تلك النُقطة يَعرَفُها جيداً، ذاتها التي انطلق منها الطائر النَّهري. تُرَّىٰ أيخرج مرَّةً أُخرَّىٰ من الأعماق البارِّدة؟!.. يُحلِّق، يَسْقُطْ، يُحلِّق، يَسْقُطْ، يُحلِّق شاقاً بجناحيه عباب الرِّيح والأنواء، فتنهزم أمامه البداياتِ والنهاياتِ.

يخترق الأُفق إلى عُمقٍ سحيق، إلى مدى يلتقي فيه النَّهْر بالشمس، الغابة بالصحراء. تلفت انتباهه جزيرَّةً لم يرَّها من قبل. تبدو صغيرَّة، نائية. تُقاوِّم الموج بضعفٍ، كالأُنثى تَتِيّْهُ تِيّْهَاً، وتمنح جسدها لفحولة هذا النَّهرالزِّنجيِّ المجنون!

تحسِر شهوَّته عنها وهي رَاغبة، في الفناء على حُضن مُويجَة تتجشأ التوتر الأزَّلي للمدِّ والجزّْر.. أنوار الموانئ والمدُنِ البعيدَّة، تبدو متلألئة كحزنه البِّكر لكنها باهتة كأعقاب السجائر.

تنبثقُ أشعَّة الشمس البُرتقاليَّة خلَّل السُّحُبِ السُّهبية. سوريَّال يتشكَّل وسط النِّيْلِ الأبيض المجنون.. تقوده عوالمه إلى المجهول في تداخلٍ غامض ولكن حميم. لم تكن الشَّمس هيٰ الشَّمس. اختفت بعض شُعاعاتِها خلف نتؤاتِ الغيوم الشرنقيَّة، وغابت داخله!

أدنَّت سوزَّان وجهها.. شوق مسحوق الخاطر، تتجدد فيه دماء ألف شَهْرَّزَّاد شبِقَّة. صبَّت رِّدَّتِهٓا علىٰ المسيح، والمساحة الواسعة من الصَّبار بيننا ينسحب عنها ضُّل الضُّحىٰ فنرتعش من أدنانا إلى أقصانا، وتنتفض سلسلتينا الفقاريتين، في لحظة هائمَّة في أرواح عشاق أُسطورِّيين، تسلَّلوا خلسة من طروادة بليل أليَّل!

وكالمصابين بصرعة صرخنا صرختنا الأخيرَّة، قبل أن نخمد كبركان منطَّفي!.. نمنا غائبين عن الوَّعي، وفي الصبَّاح كانت لا تزال بقايا الويسكي البوربون، والبيرَّة والصودا على المنضدَّة. ورَّماد سجائر وأعقاب كثيرَّة، متناثرة على الأرضية، المُغطَّاة بالسجاد العجمِّي.

منفضة عاجية تبدو ملامحها فارغة، إلا من خيوط العنكبوت. منضدَّة أبنوسية أنيقة تراصت عليها كؤوس فارِّغة، وأُخرَّىٰ نصف ممتلئة. أورَّاق من شجرَّة المانجو المعمرَّة حملها الهواء خلسة، فتساقطت على السجاد الفاخر. شجرَّة المانجو المتكئة على النَّافذة، لا تمهل الرِّيح أوراقها.. في كل فصل تخوض معركتها الأزَّلية، فتتجدد أُسطورَّة الالٰه الآتِ من إفريقيا جنوب الصحراء، عند الشروق في يومٍ مشَّمِس، غائظ بالمغامرَّةِ والجنون، بعد عراك مستميت مع الصحراء والغابة، في طريقهِ للخروج من الامبراطورية، التي لا تغيب عنها الشمس.

ضوء الفجر يطل متمدداً من بعيد.. متسللاً خلَّل الأغصان الجرداء، إلا قليلاً لشجرَّة المانجو متشابكة الفروع، ثم متكوراً على النَّافذة وهو يتمطىٰ علىٰ الغُرفة، مشيعاً فيها شيئاً من روحه الصبَّاحية النزِّقة.

الغُرفة كما هي مُنذ عام، لم يتغيَّر شيء: غزَّال محنط على الجدارالأيسَّر، تبدو عليه علائم الموت حديثاً، ينتصب قربه تمثال لغُردون باشا في رحلته الثالثة، نظرات الغزَّال باردة، مشنوقة، لكنها عاشقة رغم كل شيء!.. تُرىٰ أيحن للحيَّاة في هذه الغابات المتفحمَّة، وبين أكوام الجماجم والعظام؟

احتوت الغُرفة التابوتية عبد الله المُنْدُّكُوُّرُوْ تماماً. أثارت فيه ملامحها السحرِّية أشواقه لسوزَّان المتمدِدَّة جواره، بعد أن يئس تماما من ابعادها عنه، كأنها بملامحها الذائبة في حُضنِ المدىٰ البعيد، تُحاوِّل إشعال نيران الجحيم، التي يدَّخِرها لوقت ما!

“لايزال عبد الله يقاوِّم الموت على طريقته!”

وسوزَّان تستمر في ملاحقتهِ بعرِّيها في كل مكان، لا تنام إلا وقد قتلها اليأس!.. كان يَقْسُو علىٰ نفسهِ بِشِدَّة، حين يُلامِس جسمه المديد، جسد سوزان العارِّي. مُحتملاً عبء قرون من الرَّهق الجنوني لظمأ الربع الخالي.

دَوَّامة من الأحلام السريَّالية التي لا مُنتهىٰ لها، تتمدد بداخلهِ، مختلطةً بحُلُمِ العَودَّة، لرؤىٰ قد لا تستقبله.. دائرة من عشق مرفوض. مرفوض!

تتشنج أنامل سوزَّان، وتنغرس أظافرها في لحمه، وأنفها يتحسس صدرَّه في جنون.. والمَدىٰ الذي بينهما تتسع فيه ذِّكريات البحث عن دُرِّيَّة، بكل القلق الأزَّلي للبحث المحمُّوم، والهروب المسكون بالتوتر، والإحساس باللاجدوىٰ.

كان البحث عن نقيض النقيض: هنا حيثُ الأدغالِ تفتقد اتجاه البوصلَّة.. لم تكن أزِّمة مكان فحسب. كانت أزِّمة النَّفي الوجودي للمكان وإنسانه!

أصوَّات اللُّغات المختلطة تزكُم خلاياه بالغموض والتعب. يحس فيها اليومي المُعاش، وتفاصيله المقيتَّة المُهْلِّكَة.. أصوَّات مُشرَّبة بالاغتراب والغُربة والتغرُّب، لا تُرجع سوى صدىٰ الأُغنيات القديمَّة والبعيدَّة واليتيمَّة عن الشوق والريد، ولمسة يد سوزان من طرف الحبيب!

أُغنيات الحنِّين الجارِّف، والحرب التي تعلو سُقُوف البيوت الواطئة، وتطأ النَّاس العُزَّاز.. بعيداً، بعيداً عن العمارَّاتِ التي سمقت دون مرؤة!

خواطر البارحة –الآن– لم يزول عنها تأثير النيكوتين بعد والسُكر، والتعبيرَّات هي ذاتها، لا تزال مشبعَّة برائحة الخمر وتعتعته، أنه الواقع black out يُفرِز مخلفاته على النَّاس والأشياء والمكان والزَّمن: الواقع..

النيل وبحر الهواء والغابات الجافة، التي تُحيط برِسغِ المُدن. التهيؤات جميعها تشير إلى إنفجارٍ ما، لا يُبقي ولا يَذَر.. قالت سوزان:

“من أنتَ يا عَبد الله؟”

“… … …”

“الحُزن الذي لا يفارق عينيك”

“لا شيء سوى دُرِّيَّة”

“أُحبك؟”

“لا أكرَّهك. لماذا لك اسمان؟”

“سوزَّان هو إسمي الذي منحني له العالم المتحضِّر”

“وهيلدا”

“أنه إسم ينتمي لجذُّوري هنا، مألوف في ثقافة قومي المحلِّية”

“هيلدا مألوف؟ أنه إسم أوروبي!”

“وماذا في ذلك؟”

“طالما أنتِ مُغرَّمة بجذُّورك فلتتخذي إسماً ينتمي حقا لهذه الجذُّور”

“لا تُغيِّر الموضوع”

“أي موضوع؟”

“حقيقة حبنا”

“حبنا؟”

“سأنتصر عليك في النِّهاية، بالحبِ والحب وحده، مهماً طال جفاءك، ورغم أنف كل هذا الغموض، الذي يُغلِّف صمتك” الملامح هنا.. في جوبا عاطلة عن الفرَّح؛ خلية نحل مرَّ بها التتار؛ ولم يمر بها سُليمان الحكيم، فلم تتكرر حدوتة النَّملَّة، وبقى السيد الهُدْهُدْ وإبن عمه الأرقم، شعاراً رَّسمياً لثقافة تحتفي بالجواسيس وأجهزة الأمن!..

ضد من؟!

النَّمل الذي يسكِن الخلايا والأنسجة، يُمارِس بياته اليومي. ثمَّة نكهة خاصة لحياة متضادَّة، تتجذَّر في الوجدان، أجاد أنكل سام تكريسها، وثمَّة حُزن مقيم!

جاء صوت سوزَّان عميقا، لا يخلو من اللَّوعات والأسىٰ:

“عبد الله.. عبد الله”

“………..”

“كم أُحبك.. كم أُحبك”

لكنه كان لا يسمع؛ سوى زرقةِ الغَصَّة التي في الحلق، لا تفتأ تخزَّه.

سوزَّان هذه الأُنثىٰ الخِلاَسيّة الجميلة، تُحبُك أنت الآخر.. المُختلِف، القادِم من هُناك على صَهَوَّات الرِّياح العَاتِية والبرق العبادي.. أتيت لتركب معها الثَّور الذي يحمل الكُرَّة الأرضية على عاتقه، قالت:

“لطالما أمسك قومي ببقرَّة التبوسا من قرونها، وظلَّ الفضائيون المزروعون في هذه الأرض، يحلبونها.. فلم يحصد قومي سوىٰ قبض الرِّيح، ونطح البقرَّة”

وتتحد فيك.. أنتَ وسوزَّان. تتحدان على ظهر بقرَّة التبوسا المقدسة، وثور (اللُّوَّة) الأسطوري، تموتان وقوفا كفرسان (التبوسة). مقاتلان يحترق نيرون أمام أعينهما.. يموت، وتبقى (روما) حيَّة كفرسان التبوسة! هذه الأُنثىٰ الخِلاَسيّة.. هجين (المورَّلي) وأنكل سام. هذه الأُنثىٰ القادِمة مع أفواج الإغاثات والمنظمَّات الطوعيَّة، تُحبك أنت؟!

تأمل جسد سوزَّان الفارِّع، المتمدِّد جواره وتنهد. تسلَّل ببصره النَّافذة المُغطَّاة بأغصانِ المانجو، محاولاً إحتواء ملامح (جوبا) من النَّافذة.

كانت جوبا تبدو كنقشٍ في القلب.. كدُرِّيَّة.. اختلجت خواطره وهي تصطدِّم بسقفِ السماء. قال مخاطباً سوزَّان:

“يبدو أنها تشعر بالغثيان”

“عبدالله”

“الحُب مثل البطولة؛ أكذوبة محض”

“آخيرا”

“.. … …”

“هل تُهت في خواطرك النَّهِمّة مرَّةً أُخرَّىٰ؟”

“لم أتُه بعد”

المُدن المتورِّمة في البلاد الكبيرَّة الأسيرَّة، تأخذ خواطر عبد الله بأحلامها السرَّابية، الضبابيَّة..

“كم أُحبك عبدالله”

أزاح شفتيها المثقلتين بجمرٍ لا يخمَّد..

“لا زلت محملاً بأشواقِ سنوات عجاف، لخرائف مثمرة”

“لماذا تبعدني كلما اقتربت؟!”

“سأرحل يا سوزَّان.. سأرحل”

لا تزال دُرِّيَّة بعيدة عنِّي. بعيدةً بُعد مدائن البُهار والمَّن والسّلوىٰ. بُعد مدائن الحنطَّة، التي هبطت بنا إلى الأرض! رَمى بنظّرهِ خلَّل أغصانِ المانجو، المتكئة على النافذة المشرَّعة.. بنايات عالية تُطل بين السُحب المتكاثِفَّة، عبر قطار يقطع السكك الحديدية دون توقف، وحين يخرج القطار عن مساره في 1956 يغني النَّاس سِفر الغُربة والحنين. والسكك الحديدية تجرفها السيول والفيضانات، ووريح الهبباي والأمطار الغزيرَّة تقتلع البيوت من جذورها، ليفترش الجميع العرَّاء:

وطن بكامله في العرَّاء!..

حتى ما تبقى من أسلاكِ التِلغرَّاف التي قطعها الأنصار، لم ترحمها السيول، وظلت الهجانَّة هجانَّة.. حصاد لضبابٍ متوحش، يُشرِّع النَّوافذ وأبوابَ المُدنِ والقُرىٰ والفِرقان لحروب الرؤى الطاحنة، حول سؤال يتيم:

من نحن؟!..

فتتسع دائرَّةِ الفرَّاغ.. و…

وسوزَّان، تعرُّجات لسحبٍ رَّملية مشحونة بالهجير. تختفي ملامحها الغائرَّة بين تلافيف الأُفق الشفقي، المشقق بأخاديد الدَّم.. تؤدي الصَّلاة الأخيرَّة، مُنذرَّةً نفسها لأول قادم من كواكب التاريخ المجهولة، الكواكب التي ليس لشعوبها أشجار نسب! فاشترى لها أحد الهمباتة شجرَّة نسب من شريف مكة، فمدت كأبي حنيفة قدميها الأبنوسيتين، على جذع النخلة اليتيمة في قلب البلاد الأسيرة!

تذوب الحدود بين الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشَّمس، فلا تشمل الغابات والمنَّافي فحسب، بل أكوان أُخرَّىٰ غامضة، مليئة بالفضائيين العجيبين، الذين يعيشون بيننا وفي دَّمنا!

المسيح لا يأتي وود النَّمير لا يزال يقطع بسيفه سواعد العِربان ليعطيها للحكامات، كي يضرِّبن بها على الدلوكة، ثم يفرش على الدَّم الحرير.. وما الدنيا يا سوزَّان سوىٰ جحر ضب خرِّب، و(المشي بالبيوت والكلام بالخيوط) والجلابة جلابة وشين ودشن، تور الخلا المكَّادي، كاشف المقانع، وآكل عشا البايتات، أنه زمن الجنجويد!

صدر سوزَّان على كتفه، ورائحة البُّهار الإفريقي والبخور، تهمس في العَرق المطعم ببخور أزمنَّة الرَّحيل!

تترىٰ على خواطرِه ذَاكرَّة المكان، وهو يغِّذ في السير مُخترقاً زقاقاً تلو آخر، إلى أن تراءى له بيت الشيخ وَلِّيٰ الدِّين الغرِّيق في نهاية الدرب، يُلقي عليه الفجر ضياء أشبه بظلال أشباح قتلى الحروب الأهليَّة الطاحنة في البلاد الأسيرَّة!

بَكّرَ سُعود بالمجيء خشية الزِّحام على بابِ الشيخ. دخل من الباب الموارَّب للدَّار، وتوقف بخشوع لدىٰ سماعه صَوت الشيخ، يأتي من داخل غرفته التي يستقبل فيها الضيوف:

“باسم الله الأعظم.. بحق آج، أهوج، جلجلوت، هلهلت، صمصام، طمطام.. وبحق مِهْرَّاش الذي به النَّار أُخمدت.. بحق شماخ وأشمخ..”

كان ضوءً شفيفاً يتسرَّب دواخل سُعود، فيما أُذنيه ترتخيان.. تتحسسان طقوس الشَّيخ. تلاشى عن سُعود الحذّر فيما الشَّيخ يُكمِّل توسلاته.. استأذنه. فأشار له الشَّيخ برأسه إيجاباً دون أن ينطِّق بحرف. فتقدم سُعود ووقف بناحية قصِيَّة من الغُرفة، ذات الإضاءة الشاحبة!

كانت الغُرفة تتوشح بظلالٍ رَمادِيَّة كثيفة، تشكلَّت من الأبخرَّة مُختلفة الروائح –صندل، مزيج من القرفة والقرنفل.. طلح– التي كانت تتصاعد في شكلٍ لولبي. يرتد على الجدران، التي توزَع على جنباتها الأربعة، في نظام فوضوي غريب، جسد دراكولا المُحنَّط، وجلد أصلة طاعنَّة في السن يُغطي منحوتة لفخذي الدّون جوان، ومُصلاة من جِلدِ القنفذ أبوشوك، ثبتت في منتصف جلد تمساح برِّي مُعلَق على قرنِ خرتيت جبلي متوحش، ورأس ورَّل مخنث.. وقدح سلحفاة بدىٰ واضحاً أنها كانت عذراء عندنا أسرت وأغتصبت، وديناصور مخنث متناهي الصغر.

فيما كان يقعي كالكلب طفل تنين شقي محنط حديثا، إذ كانت لا تزال ثمة أبخرَّة للهبٍ ذَّاوٍ تنبعِثُ من فمهِ وعينيه ومنخرَّيه، اللذان بدوا كفوهتين معتمتين، أشبه بعتمَّة ثُقبٍ أسود!

وفيما كان سُعود في العلَن يُقدِم نفسه في برنامجه الديني التلفزيوني، كمجدد صاحب رؤى جريئة، جعلت الآلاف من شباب وشابات البلاد الأسيرَّة المحبطين، والذين أنسدَّت أمامهم آفاق المستقبل، معجبين به ومتحمسين له، لدرجة الاعتقاد في أنه صاحب كرامات خارقة، كانت حياته السرِّيَّة على النقيض تماما!

ورُغم الستار الحديدي، الذي علَّمه الغَرِيقْ كيف يُحيط به حياتهِ الخاصَة، إلا أن قُدرَّاتِ عُتاة الفضوليين، الذين تجذرَّت أُنوفِهم في تاريخ هذه المَدينة الضَّالة، لم يكن ثمَّة ستار بقادرعلى حجب حساسية شهوَّة الشَّم الأسطورية لأُنوفِهم، التي أنِفَت مِنها الأُنوف!

ولذلك لم يكن غريباً أن تتسرَّب شائعات مجهولة المصدر من آن لآخر، تُلقي بصيص ضوء على واقعة بطلها الغَرِيقْ، أو حادثة كومبارسها سُعود ذات نفسه!

حتى أن بعض المعاشيين المصابين بالزهايمر –الذين يَحِنُون بصورةٍ غامضة، إلى ماضيهم الذي يبدو كثيفا، في غمرَّة معاناتهم أمراض الضغط والسكري والمصرَّان– من جلساء وندماء أولئك الفضوليين العُتَاة، كانوا يتجرأون دون حَذَر على السُخرِية المُرَّة من سُعود والغَرِيقْ، عندما يَرون الأول يستضيف الثاني، في غالب حلقات برنامجه التلفزيوني البائس! وهم يتسآلون عما يُخفِيه هذا التكرَّار المُمِل، من أجندة، لا مُحالة ستُغطِّس حجر البلاد الأسِيرَّة الآخير، بعد أن شيد الغَرِيقْ، قصره العشوائي الفاخر، من أنقاض الحجارة تلك نفسها، التي شُيِدت بها البلاد الأسيرة، عبر تاريخها الطويل الضَّال المضلِّل!

سارا تجاه البحر ليلاً، وسلمىٰ تُضيء كنجمةِ سُّهْبُ تُرشد السارِّي. حبها معالم لطريقٍ موحش، وبلسم لجراحاتٍ متعددَّة!

تتعرىٰ سوالف سلمىٰ، تُغطيها برائحة طين الجروف وعشب النِّيل!.. كان حديثها كرزاز.. حبات مطر شارد.. يحكي عن ظمأ المفاوز وقلق الوِّديان في (المشيش) ليروي قلبه بالحنين.. ينسىٰ عذاباتهِ.. جراحاتهِ.. وقلبه الذي كالنَّافذة المغلفة بالعتَّمة ينفتح لوجهها المنوِّر.. تفتح قفله الصديء.. تُشرِع أدرَافه على مصراعيها، لتعبُر الرِّيح، فيطلان معاً على عوالم تسبح في بحر من النُّور!

كان همس سلمىٰ كوقعِ الأُنشودات الربيعية.. وكانت حياته معها في ميلاد هذا الحب، حُلُم لا أول له ولا آخر! ينطلقان متشابكي الأيدي، والحي الشَّعبي البائس يختفي خلفهما.. تتلاشى معه ملامح البلاد الأسيرَّة فلا يبقى إلا وجه النِّيل ذو الايحاءات والشجن!..

القمر المُترَّع بالصفاء، والاحساس الرَّخوِ بالليّٓالي المخمليَّة! ومتوكل وسلمى/ هِبَة الآلهة.. هذا الطائِر مهيض الجناح.. ويبرز وِليَّم صديق الداخلية القدِّيم، خارجاً من دمعةِ البوح الحانية، التي تسللَّت من عينَّي الرَّث باناو خلسةً، متكورةً على جفنيهِ، منطوِّية على بوح الأبَنُوْسْ والنَخِيْلْ، في هذا العالم المجروح!

“ترى كيف بدأ كل شيء يا وِليَّم!”

كان ليل أفريقيا الآسي لحظتها، بكل ما يَعتمِل في إفريقيا من عتَّمة وغرّبة، يفيض من أعماق باناو، ليُحاصر لانجور، فتتداخل فيه علاقة شائكة بمشاعرها الغامضة، وتنمو كنباتات السدود والمستنقعات في أرخبيل جونقلي..

كيف يصحو كل هذا الألم الدفين، الناتج عن إحساس طفل فقد أمه –بيدبا التي هربت أو أُختطفت أو قُتلت: سيان– هكذا فجأة دون مقدمات، يكتشف –الطفل– وعلى نحوٍّ مباغت بعد وقت طويل، أن كل قطرَّة حليب رضعها، لم تكن من صدر أمه! وأن من كان يظنها أمه هي زوجة الأب!

تنهد لانجور بعمق:

أُمي ماتت في مجزَّرَةِ جيش الحكومة ضد أهلي.. أنها حكايتي انا –لانجور إبن الرَّثْ باناو.. عندما أعود بذاكرتي الآن، إلى تلك السنوات البعيدة، أرى كل شئ بوضوح، حيث تنهض سلوىٰ في قلب مخيلتي، منداحة عن حكايا عالم طفل، وأصدقاء خلفتهم وراءها، كأنها لا تزال تركض هربا من (اليَمَنِّيْ) صاحب الطاحونة، بجلبابه (الدَّمورِّيَة) الذي لا يُغَيِّرْه أبداً!

هذه الحكايا التي حدَدَّتها بلدة (وادي النِّحاس) وأمكنة أُخرى، تتجدد في أسى ولوعة!.. عوالم عديدة عشتها كأنها حُلُم، وربما لم أعشها، لكنها انتقلت إليَّ تواتراً.. ربما من ذَّاكرَّة مستر واطسون أستاذ التاريخ الأوروبي.. ربما من ذَّاكرَّة الرَّثْ باناو، التي تداخلت فيها ذَّاكِرّات عدة تعود لآلاف السنين!

وكذلك ذَّاكرَّة عبد الله المَنْدَكوُرُوْ، التي صاغت الوجود الحَيْ لكتلة الشمال، داخل المقاومة الجنوبسودانية، فغيرَّت مسار القضية: قضية البلاد الأسيرَّة!

المَنْدَكوُرُوْ ذاك رجلٌ استثنائي غير مجرىٰ حياتي، بزجه لي في عوالمه المدهشة! التي يصعب الامسَاك بتلافِيفِها، إذ تتفلت كلما أحكمت عليها الحصار..

هذه العوالم الجريحة والمنهوبة.. عوالم البلاد الكبيرة الأسِيرَّة التي تتبدىٰ طاردة، غريبة، لا ينتمي إليها أحد! لكأن من يولد فيها ويعيش، في كل يوم يَمُر، كأنه يراها للمرَّة الأولىٰ. فينزوي على نفسه وهو يَنزلِق إلىٰ قاعها، الذي لا قرَّار له! أنها عوالم المَنْدَكوُرُوْ وزوجته سوزي –أعني هيلدا– اللذان شكلا معاً قصة الحب والحرب -أو السياسة في البلاد الأسيرَّة– الحب والحرب.. بمعناهما الإنساني الكوني الأزلي!

المَنْدَكوُرُوْ هذا الرجل الذي كنت أشعر به دائماً، يُخفي بين جنباته أسراراً تنوء الجبال عن حملها، فسعيت لأعرف هذه الأسرار، مدفوعا بقوى خفية تشدني إليها شداً!.. وقادني سعيي إلى ذَّاكِرّاتٍ عِدة..

حكيتُ لها عن المَنْدَكوُرُوْ، الذي عرفته طفولتي، فحكت لي عن عبد الله الذي عرفته صبياً ومناضلاً وتاجراً وعاشقاً، تعذبه مأساة تشتبك فيها قصة البحث عن مكان.. عن وطن! هذا المكان/ الحب الذي حملته (ابودوك) على هدَّبِ الخوف، والقطار يرحل بها إلى مُدنٍ تنام على العتَّمة والمخاوف والهواجس والظنون!

هذه التراجيديا الكونِّية، التي لطالما حاول الإنسان بقوة فعله الانساني السيطرة عليها، خاتماً رسالته إلى الطبيعة: ها أنا أضع قوانيني المستقلة ها هنا!

نعم –ومع ذلك– انفتحت على تراجيديا كونِّية كبيرة، قلبت حياتي رأسا على عقب، ولم أعد أعرف هل أنا.. أنا لانجور إبن الرَّث باناو. أو أنني شخص آخر يدعى المَنْدَكوُرُوْ، أم أنني فكرة بين بين، تحاول أن تُهدَئ خاطر الأحلام والكوابيس، التي لا تفتأ تطارد كل الذين كُتبت عليهم أقداراً عظيمة، فكانت عزائمهم تشتد وتضعف، في اللحظات الإنسانية الفارقة؟!

قادني بحثي في حياة المَنْدَكوُرُوْ إلى عوالم أُخرَّىٰ، ارتبطت به جذرِّياً.. عالم عامر الذي دَارىٰ طعم إحساسه بالخيانة، بالغُربة الطويلة عن النَّاس والأهل والوطن..

عالم (مولانا الغريق) الذي مثَّلَ نقطة تحوُّل كبيرة إلى الخلف، في تاريخ البلاد الأسيرة، إذ أعاد عقارب ساعتها مئات السنوات إلى الوراء!..

و(تقي ود زهرة) ذراعه الأيمن الذي تولىٰ مهام الأمن، مسترداً من غور التاريخ، أساليب القرون الوسطىٰ، وأسوأ عناصر التعذيب في عصور الظلام..

وسلوى.. هذا الطائر الغرِّيب الذي يُحلق في الذِّكريات، ملاذاً من فداحة الواقع البائس الرَّث! عالم سُعود..

عالم وادي النِّحاس، الذي انفتح فجأةً كرعدة تحطم حصون المعاناة، لتضمد جُرحاً قديماً في الآن ذاته!.. فالتقى سُعود بسلمىٰ على أنقاض حبه الذبيح لسلوىٰ، فكان الميلاد لخرائف مثمرة على الأرض، التي أجدَبَها طول الإنتظار والمحل!

تنمو في علاقتي الخاصة بباناو ووليم، لتشكل حزننا المشترك.. تتسلل الصمت المشوَّه بالصمت! وتذوب كالنغم المضاد للغم، فتبدأ رحلتنا معا في اللانهاية!

أحيانا أحاول استرداد نفسي من هذه الذَّاكرة المعذِّبة: المَنْدَكوُرُوْ فابدأ في استرداد طفولتي، التي تفتح وعيها الأول على اللحظة التي أصبح فيها أبي رثاً..

هؤلاء الذين تشابكت مصائرهم المأساوية، مع مصيرالمَنْدَكوُرُوْ الغامض:

“كيف؟!”

“لا أدري”..

أصبحوا كالقدر الذي قاد حياتي!

منذ إغتيال باناو (للرَّث) السابق، أثناء الإحتفال بعودته من الحج في (فشودَّة) وموجة الحُزن والأسى، التي عمَّت شعب القرية، لم تفارق ملامح النَّاس وقسماتهم!

كان جُثمان الرَّث السابق قد بقى مُسجىً في عُشته الخاصة، إلى أن أُقيمت طقوس الجنَّازة، بعد ذلك، ونُقل من عُشته إلى عُشةٍ أخرى، حيث دفن وأغلق عليه باب العالم الآخر، إلى الأبد!..

ومن ثم صارت عُشته القديمَّة قُبةً مقدسة.. ثم أخذ النَّاس يستعدون لتنصيب باناو رَثاً!

تنهد الشيخ وَليٰ الدِّين الغَرِّيق، وهو يحكي لأنصاره الملتفين حوله في خشوع مهيب.. كنت دون الأربعين، في ذلك الزَّمان الموغِل في البُعد، عندما أخذتني تلك الحورِّية إلى مُدُنٍ مائية ساحرَّة، ما أن رأيتها حتى غِبتُ عن الوَّعي، ولم ُيرَدْ لي وعيِّي، إلا وأنا أعي به كل شيء حولي. خاصةً سلطة الجسد! فللجَسد سلطته التي تبدأ منها الأشياء، وتنتهي إليها.

الجسد –جسدي.. جسد تلك الحورِّية. جسد المكان والزَّمان والأشياء، و.. وعندما كنت غائباً عن الوَّعي، كان ثمَّة إحساس خفي بسرَّيان الرُّوح في جزيئات دماغي، تستوطن مُخي وتتجاوزه تسرِّي في دَمي!

أطياف شفيفة أحسست بها تسكن خلاياي، تُحيِّ الجُمود الذي ظل حيناً من الدَهر جاثماً على كياني!.. عطَّست على نحوٍ أراحني، فأدركت أن الرُوح تجاوزت اليافوخ إلى الأنف. وكان صدري قد بدأ يشهق.

حرَّكت يديٰ وأعلاي حيث بدأت تنتظم الحيَّاة.. أغمضت عينَّاي.. وكرَّرت فتحهما وإغلاقهما على نحو آلي، أشعرني بالإرهاق والتعب.

أرخيت جزئي الأعلىٰ برفقٍ، واتكأت على جذع شجرَّة مُرجانية، ذات أثداءٍ نافرَّة. كُنت قد شاهدتها قبلاً باحساسي القُزحي..

بَدت لي الشجرَّة متقوسة على نفسها، وظلالها تُلقي عليّٰ نُوَّارات وردية.. دافئة ولزجة!.. ثم رأيتُ فيما يرىٰ الغافي شيئا يشبهني. لكنه كان أروع.. إنها الحورِّية!

أحسست بألم خفيف في جانبي الأيسر يحولُ بيني وبين النَّوم، كأن شيئاً ما قد أُنتزع من جسدي انتزاعا! حرَّكت جسمي المستلقي تحت الشجرَّة، ليأخذ جانبي الأيمن مكان الأيسر، ففوجئت بالحورِّية التي رأيتها في غفوتي ماثلةً قُربي، تتأملني في ارتباك!

كانت فاتنَّةً أكثر مما قدَّرت، وكنت مَسجياً على عرائشٍ من الألوَّان البحرِّية الفضفاضة.

اعتدلت في استلقائي، ولاحظت أن تبدلاً قد طرأ عليّ!.. أنها المعرِّفة!.. كانت المعرِّفة.. المعرِّفة تتوالى على ذِهنِّي، مُشرِّعةً نَوَّافِذَهَا كلها.. فاتحةً أدرَّاف عقلي دَرفاً دَرفاً ومتدفقة كسيل عارِّم..

رأيت فيما يرى الغافي أبنائي جميعهم. أخيَارَّهم وأشرَّارهم، ولم يؤرقني بينهم سِوَّىٰ النخَاسة والجنجويد، فسيكونون الأحب إلى نفسي، لكنهم مارقون!

انتبهت إلى سني.. لم أعد دون الأربعين.. هِمتُ في وَجهِهَا، وأنا لا زلت أتأمل سِحرُّها:

“أنت حورِّية جميلة!”

حملقت في وجهي بدهشة:

“أنا ضلعٌ منك”

تحسست جانبي الأيسَّر، حيث شَعرتُ بذلك الألم الطفيف. أحنيت رأسي، وركنت إلى الصمت. لم يهاجمني إحساس بالجوع أو العطش أو الإرهاق. كنت قد عدت نشيطا، ولكن مذهولاً حتى النُّخاع!

“لابد أنك..”

سألتني، فأجَبت بسرعة:

“لا. لست مريضا.. أنني..”

لم تترك لي الفرصة لأُكمل. إذ مدَّت يدها تتحسس فروَّة رأسي في رفق. تشنجت أعصابي وأنا أشعر بخيوط رفيعة سوداء تنمو على فروَّة رأسي الأقرع. قالت غاضبة:

“ألا تريدني أن ألمس رأسك؟”

اصطدمت راحة كفها المتشنج بفخذي، فمددت إحدى يدي بخوف وأنا أُشير باليد الأخرى إلى رأسي:

“لا ستَنمو خيوط كهذه..”

لكن رِدَّة فعلها كانت أسرع. فقد مَسَّت راحتها الفخذ والنِّهايات الدَافئَّة، الرَّطبَة. أبعدتُ يدها بسرعة، وأنا أتراجع إلى الخلف. التقطت شعرَّة سقطت من شعرِها الأليل الطويل –كانت في شعرِها الغزِّير حالك السوَّاد، أجمل مما كانت عليه– تعاظم انبهاري بها. فتلاشى الصداع! وارتخَت ملامحها الغاضبة!

بدت سعيدة. سقطت شعرَّة على حِجرِها، فامتلأ ما بين فخذيها بالشَّعر.. رفعت يدها تُتكئ راحتها على خدِّها. سقطت شعرَّة أُخرَّىٰ أعلا عينيها، تبعتها أخرى فنَمىٰ لها قوسان جميلان أعلى العينين. رفعت رأسها إلى أعلا، فرأت وجهها على صفحةِ الفضاء اللامتناهي الزُّرقة!

أحسست بها أروع شيء تراه عيناي في الوجود، الذي بدأتُ أُدركه حولي! مسَّت وجهي على نحوٍ مفاجئ، فتغطىٰ وجهي بشعرٍ كثْ..

“ماذا تريدين مني؟”

“منك؟!”

رَدت باستنكار، والأطياف التي تمتد من ذوائب شعرِها إلى الشجرَّة، تتناسل فتنمو للشجرَّة أورَّاق عريضة بحجم الكف. لاحظت أن خيوطاً قزُّحية شفيفة تتماوَّج في حلقةٍ هَندسِيَّة مُتشابِكَة، تصل بين جَسدِها والشجرَّة ورأسي فقلت:

“لابد أن التَغيُرَّات التي حدثت لنا، بسببِ الشجرَّة. أنها زيتونة مُهجنَّة بالتِّين”

فضحكت.. أردفَت:

“علينا أن نشكرها”

“وكيف نشكرها؟”

“أن نشرب من عصير ثمرِّها.. أن نأكل منها”

“نشرب.. نأكُل؟!”

اصدمَت نظرَاتي بصدرِها. فأطرَّقت في حياءٍ ماكر..

“رُبما هي شجرَّة سِدّرٍ أو حرَّاز!”

ثُم التفتت نحو الشجرَّة، وهي تُلقِّي برأسها بعيداً.. رَفعت عَقيرَتِها بصوتٍ كانطلاقِ العصَافيرِ في الصباحاتِ الحَالِمَة، الحَافِلَة بالظِّلال الملوَّنة. صَعدت من بين أنغامِها نَوْرَّسَة وحمائِم وهُدْهُدْ. تسلقت ساق الشَجرَّة، فصرَّخت فيها:

“ماذا تفعلين؟!”

فأخذت تبكي بحُرقة. فبدأ النَّهر يفور وتصطرع أمواجه في عنف! كانت لا تَدرِّي أن بإمكانِها أن تجعل هذا النِّيل، ينكفئ على ظَهرِّهِ! وكُنتُ أُرَاقبهَا إلىٰ أن كَفَّت دموعها عن الجرَّيَان، بعد أن شَكَّلَّت في المَدىٰ اللانهائي غضب النَّهر!

“يجب أن نشرَّبَ من عَصِيرِهَا!”

قالت، وكنتُ أخشىٰ تَجَدُدَ صِرَاخهَا، فقلت:

“على شرط أن تشرَّبي أنت أولاً!”

قطفت ثمرَّة. ضغطت عليها بحنوٍّ مُحدِثَةً فيها ثُقباً رَفيعاً.. وضعت شفتيها على الثُقبِ تمتصُ العَصِّير.. ثم مدَّتها لي.. وضعتُ شفتيٰ على شفتيها المُرتسمتين على الثُقْبْ. لم يكن هناك عَصِيرٍ كاف، فأدخلتُ لِسانِّي ولَعَقْتْ. شَعَرَّت بجُزئي الأسفل يَتنَّمَّلْ ثم يَصحُو، وتسرِّي فيه الحَيَاة!

كلانا لحظتها كان يشعر بدوارٍ خفيف وغَليَّان في عُروقِهِ.. شيئاً فشيئاً تقلَّصَت أعصَابنا، مشدودَّة كالوَتر.. هتفت بإحساس أُنثوي حالم:

“ألم أقل لك!”

وَقفت قِبالتها كالمسحور:

“أنت أُنثىٰ رائعة!”

“أنا منك”

قالت بلهجةٍ قاطعة، وتلاقينا. كنا نرتفع وتلامس أقدامنا سطح النِّيل الهَادِر.. وكانت تلك هي المَرَّة الأولىٰ التي تطأ فيها قدماي (أرض البلاد الكبيرة).

اكتملت استعدادات حفل التَتوِّيج. ثَمَّة جَيشين رَمزِّيين: جيش (الرَّث باناو)، وجيش (نِيْكَانْجْ).. كانت مُقدمة الجَيش تحمل تمثال نِيْكَانْجْ وإبنه (دَاَّكْ)، وقد مضىٰ علىٰ جَيشِ نِيْكَانْجْ الرَّمزي أيام وهو يسير، والنَّاس يتراكضون على جانبيه بحِرَابهم في صفين، خِشيَّة ألا يعود الرَّث حتى يموت. وفي كل نُقطة من النِّقاط الأربعَة، التي أرتاح فيها الجَيش ذُبح ثوراً أسوداً.

وكان النَّاس آخيراً بجرِهم للثَّور الأسود الآخر من ذَنبهِ، قد أعلَنوا بذلك وصولِهم إلىٰ مَحطتهِ الآخيرَّة! حيث ستبدأ المعرَّكة الرَّمزِّية بين الجَيشين. التي يُعلِّن عَنها كالعَادَة، ببطحِ الثَّور علىٰ الأرض، ليتخطاه الرَّث باناو، مُلاقياً في شجَاعةِ جَيش نِيْكَانْجْ الذِّي يَستهِّل المَعرِّكة، بضربِ جَيش باناو بسعَفِ النَّخِيل، لينفض جَيشِه عنه!

ومن ثم تدوِّي الطُبول، ويَرفع المحاربون عقائِرهم بغناءٍ حمَّاسي عذب:

“أجاك أقرع الطبل ليدوِّي،

على أرواح أجدادنا..

والطبل يدوِّي عنيفاً يا رفاقي،

وهأنذا أُلَوِّحُ برُمحي في يدِي،

وأرفعُ الصَّوت جهوراً، ثُم أُصلي..

وقُلْ، لقد عَادَ الرَّثُ إلينا..

وقُلْ، لقد عَادَ الرَّثُ إلينا..

لقد نجا الرَّثُ وعَادت البهجة..

وأنا أرفع ساعِدي قوياً..

فتولني إلٰٓهي وقوِّي ساعدي..”

ومن ثَمَّ تتقدمُ مفرَّزةً من جَيشِ نِيْكَانْجْ لإعتقالِ الرَّث باناو، وهكذا يُصبِح باناو منذ هذه اللحظة جُندياً في جَيشِ نِيْكَانْجْ، فيما يستمر جُزءٍ من جَيشِ نِيْكَانْجْ في تَعقُبِ ما تَبقىٰ من جَيشِ باناو، الذي تفرَّق وتبدد تحت ضربات السَعَف!

ذهب الرَّث باناو بعد إنتهاء مَرَّاسِم التَتوِّيج، إلىٰ البُحيرَّة الجَافة، ليدور حولها أربعة مَرَّات، بصُحبةِ تمثال نِيْكَانْجْ الذِّي يَحمِله علىٰ كتفهِ. وقبل أن يرتد رَاجعاً، تبعته الفتاتان الجميلتان (يينادي) و(أوديت) لتصيرَّان زوجتيهِ المُحبتين إلىٰ الأبد!

تَنفست البِلاد الأسِيرَّة نَسيم الصَّباح البَاكِر مع الآذان، وَسط تَسكُعَات النَّاس الكسالىٰ، وصِياحِ الدَّيكة التي تناهبها الأرَّق، والعصَّافير التي خَلِدَت إلىٰ وَكنَّاتِها مُبَكِراً، واستيقظتُ قبل أن يُسفِرَ الفَجْرُ عَن نَفسهِ، ليحمِل في زَقزَقاتِهَا أشِعَّة شَمسِ الصّبَاح الهَادِئة.

فيمَا كانَت وَقتئذٍ، الفَضَّاءات الرِّيفيَّة للبلادِ الأسِيرَّة، مُنذ حلَّ بها الشَّيخ وَلِيِّ الدِّين الغَرِّيق في ظُهورِهِ الثَّانِي، بَعد غيابٍ طوِيل، قد تغيرَّت وما عَادت هيَّ ذَات الفَضَّاءاتِ القَدِيمَّة. كُل شئٍ بات يَستمَّد نُورَّه مِن نُورِ الغَرِّيق! الذِّي كَانَ النَّاس يَشعُرون به وكأنَّهُم يكتشفونَه للمَرَّةِ الأولىٰ، جُزءً من جُغرَّافيا وتارِيخِ المكان!

بيته الشَّامِخ الذِّي تُحَاصره الشُعب المُرجانيَّة مِن كُلِ جَانب، وتنتصب أمامه شجرَّة غريبة! لم يستطع أحد إكتشاف سُلالتِها وأُصولِها بالضَّبط. ظَل مَثار رَهبَّة في نُفوسِ الأهالي البُسطاء!

في البَدءِ البعيد لم يهتم أحد. وشيئا فشيئا ملأت حكاية الغَرِّيق عن نفسهِ الأسمَاع، وعندما عَاد مؤخراً، استيقظت في النَّاس كل الحكايات القديمة، التي حكاها الأسلاف عن الصَّبي الغارِّق في أعماقِ النِّيل.

وهكذا أخذوا يَتقرَّبون إليه، وكلٌ يَسعىٰ أن يكون له صفِيٍّ أو نَديم! ولم يكن الشَّيخ يفتأ يردد في قيلولاته المُهيبَة:

“كنتُ دون السادسة، عندما غرقت في (بحر أبوروف). لم أشعر بما يشعر به الغَرْقَىٰ. كل شئٍ تَمَّ حسب المشيئة الإلٰهيَة..”

ثم يتوقف ليُتَمتِم متلفتاً بعينيه، مستقرئاً الوجوهِ الضَائعة بعيونها الجاحظة حوله، قبل أن يواصل:

“ربما كُنت والحورِّية في بطنِ حُوت..”

ويتلَمَس القرَّعة أمامه..

“أخذتني تلك الحورِّية إلى مدنٍ مائيَة بَعيدة.. ساحرَّة. حفظت فيها على يديها عُلومِ الآخرَّة، ولم يَفُتني من علم الدنيا شيء!.. علمتني أسرَّار الزَّمان والمكان، وذات يومٍ سألتني:

“ماذا ترىٰ في أمرنا؟!”

فأجبت دون تردد:

“حبيبتي ونور عيني. أنت مني وأنا منك”

“وبعد؟”

فعلمت مرماها وأدركت أن آوان رحيلي إلى البَّر قد أزِف، وأنني للبلاد الكبيرَّة خارج مَرَّة أُخرَّىٰ لا محالة!

“سأفعل”

“إذن يمِّم وجهك شِطر عطبرَّة”

فمضيت، ودلفت إلى دارٍ أُلهِمت أن فيها بُغيتي. دخلت إحدى غُرفها، تُحيطُني وتَسبِقُني هَالة نورانية، يتقدمها شُعاع قادني إلى فتاةٍ شاحِبة تغط في نومٍ عَميق..لا أدري ما خَطبُها، فقط وجدت نَفسي أنقاد.. أتحسس أنفها، فاستيقظت..

وخفتت هالة الضوء التي تُحيطني، وعاد للمكان اظلامِه. فلم أشعر بنفسي إلا وأنا خارج عطبرَّة!.. بدت لي عطبرَّة، كأنني لم أطاها أو أدخل أحد بيوتها من قبل!.. ولم تمض على هذا الإحساس، سوىٰ هُنيهات، حتى وجدت نفسي، قد عُدت إلى أعماقِ النَّهر مَرَّةً أُخرَّىٰ! فسألت الحُورِية:

“ما بها.. تلك الفتاة؟”

“تشكو من ألمٍ شديد في أنفها. تحسنَّت الآن”

وفي الليلة الثانية خرجت من البحر على مشارفِ عَطبرَّة، دخلتها وتكرَّر مني ما حدث في الليلةِ السابقة. كُنت مذهولاً لهذه القُدرَاتِ التي فجرَّتها الحورِّية فيَّ.

“والآن سترحل إلى وادي النِّحاس”

قالت الحورِّية بصوتٍ قاطع، وهكذا أفترقنا!

انقضت أيام وادي النِّحاس ووجدت نفسي بهذا البيت، أعيش كأهل البَّر، منذ فارقت تلك العوالم المائية الساحرَّة!

كان الخشوع والصمت المهيب قد رانَّا على أنصَّارِ الشيخ، وعيونهم تلتمع في إيمان تام.. وكانت الشمس وقتها.. شمس الصَّباح، في طريقها لمغادرة البِچلاد الأسيرَّة!

كان باناو الذي لم يُفرِّط في طَبل القرّية المقدَّس مُطلقاً، قد امتلك الشِّعار الملكي royal emblem مُنذ وقتٍ مبكر. إذ قاتل لوقتٍ طويل، في سبيل الاحتفاظ بالطَبلِ والشِّعار الملكي، وتنامىٰ حُلُمه بالسُلطة، وهو يَرَىٰ الرَّث السابق يُمْعِن في ظُلم الأهل والعَشيرَّة.

جلس باناو على عَرشِه، وقد التف حوله الشيوخ يُقدمون له النُّصح، كما جرَّت العَادة في أول كل عهدٍ جديد:

“لن تقف مع الحكومة ضد أبناء جلدتنا أيها الرَّث”

“نعم يا أبتي”

“ولن تظلم أحداً”

“قطعاً يا أبتي”

“وستحكم بشريعةِ الأسلاف”

“أجل يا أبتي”

واستمرَّت إحتفالاتِ تنصِّيب باناو رثاً، برقصة (البَول) بلبسها المُمَيز، حيث ارتدت الفتيات جِلد العِجل فوق (اللاَووْ)، وتحلَّين بالخرَّز الملوَّن. فيما بدت أجسَاد الشبَان والشابَات لامعة بالزيوت وزَاهِيَّة بالأصبَاغِ..

وقد وَضع الشِّبَان –دون غيرِّهم– على رؤوسِهم الرِّيش الملوَّن، وحملوا العِصِّي والحرَّاب اللامعَة، المُزينَة بالرِّيشِ والصُّوف الأبيَض. وكانت رائحة (المَرِيْسَّة) قد ملأت الجو بعَبَقِها الزَّنخ! فيما صَوت الطبول وصيحاتِ الشِبان وتلويحاتِهم بالعِصِي والرِّماح، تُضفي على المكان طقساً رائعاً. ينداح فيه كل فتىًّ مع فتاتهِ وهو يُراقصها، فترفع يديها معه إلى أعلا في حرَكة مُثيرَّة، وهما يدوران في إيقاعٍ مُتسِق، تكاد فيه أجسادهما تلتصق.

يقول الذين يدَّعون إمتِلاك ناصِية العِلم بالأنسابِ في البِلاد الأسيرَّة، أن حكاية الشيخ وَلِّي الدِّين الغَرِّيق عن نفسه، لا تشوبها شائبة شك. فهو في الأصل إبن تُرب الدِّين فودي، الذي جاء في القرن التاسع عشر إلى البلاد الكبيرة من غرب أفريقيا. عندما كان في طريقه إلى الأراضي المقدَّسة، مثل كل الذين يحجون من غرب أفريقيا وقتها، يعبرون البلاد الكبيرة عن طريق درب الأربعين!

وهو في منتصف المسافة في درب الأربعين، سمع بالمهدي، وكان قبلها بأكثر من عقد من الزَّمان، قد رأى رؤية تفيد أن مهدي آخر الزمان، سيظهر في البلاد الكبيرة، وهكذا ما أن سمع بمحمد أحمد إبن عبدالله، يعلن مهديته، التي كان عبدالله التعايشي، قد أقنعه بها، بعد أن فشل في إقناع تاجر الرقيق الزبير باشا، الذي كان قد كاد يقتله نتيجة هذا الزَّعم، حتى أصبح تُرب الدِّين فودي، أحد أكثر مريديه المتحمسين!

قال البعض أنه سكن إلى جوارِ الأمير أبوروف، في أرض اقتطعها له من ريعه الشاسع، وزوجه من إحدى سرَّارِّيه، اللاتي جاء بهن بعض رفاقه من تجار الرقيق، الذين كانوا قد خاضوا مع الزبير باشا رحمة، غزواته في خط الاستواء.

أنجب تُرب الدِّين فودي من تلك الاستوائية تُرب الدِّين الثاني، الذي وَرِّث أباه وحل محلَّه بعد أن قُتل الأخير في مكة لإدعائه النبوَّة!

وعندما كبر تُرب الدِّين الثاني، تزوج من إحدى بدويات حي العرب، التي انجبت له وَلِّي الدِّين الغَرِّيق، هذا الذي كان يعشق نهر النيل منذ زغب طفولته –قيل– حتى أنه كان يُمعِّن في التصريح بمقته للتعايشي، تيس الخلاء المكاَّدي، سليل الوِديَاَن والقيزَّان والصحارى، (عشا البايتات كُحل السراري)، كلما وردت سيرَّة البحر وأولاد البحر.

كان ثمَّة حنين جارف يدفعه لعشق البحر والنخيل، وكان دائم الجلوس القرفصاء أمام النه‍ر، إلى أن أخذه الهدَّام في إحدى الصبيحات الموغِلَّة في البعد.

لكن ثَمَّة رواية أخرى تفيد أن أباه ثمرَّة زواج جَدَّه من جِنِّيَة، وثَمَّة رواية أخرى تعارض هذه الرِّواية، إذ تؤكد أن جَدَّه فودي إنما أتى به الانجليز فيمن أُتيٰ بهم من غرب إفريقيا، للعمل بمشروع الجزيرَّة، بدلاً عن العمالة الهندية الكسولة ومرتفعة الكُلفَة، وهكذا تنقلب الرِّوايتان رأسا على عقب في إنكفاء مبهم تضيع تحته التواريخ والأزمنة والحقب!

ولكن الثابت أنه شيخ واصل –كما يؤكد كثيرون– حتى يقال أنه (يروِّب) الموية، ويحوِّل اللبن إلى خمر معتق!

مرَّت شهور الحزن الثلاثة، وشعر الرَّث باناو، بإحساس عميق بالراحة، فآخيراً أنهىٰ أولى واجباته كرَّث جديد، بتقسيم ميرَّاث الرَّث القتيل، دون مشكلات تعترضه مع الورَّثة!

وفي تلك الصبيحة الهادئة، تمطى باناو وهو يقف أمام كوخه. تفقد (اللَوَّاك) ليطمئن على الماشية، ولم يفته أن يلتفت إلى العشش التي تحيطها، وتحوِّي زوجاته التسع. وفيما هو غارق في خواطره، قَدِم إبنه الأكبر مجوك، ليرفع التقرِّير الصباحي اليومي عن أشقائه، خاصة الصغير (لانجور) الذي كان باناو يحبه كثيراً. لما رآه فيه من علائم الذكاء الحاد دوناً عن أخوته الآخرين!

هزَّ باناو رأسه وأشار إلى مجوك بأن ينصرف، ثم قفل راجعاً إلى عُشته. جلس على جلد الجاموس الذي دُبغ في كمبالا بعناية، ومدَّ يده ليأخذ آنية الفخار، فسبقته زوجته الصغيرَّة الجميلة (يينادي) التي لفرط جمالها لقبها على بقرته السمراء، التي هي أكثر ما يحب في هذه الحياة بعد صغيرِّه لانجور وأشقائه.

مدَّت له يينادي طبق اللحم المجفف، الذي أتى به الصيادون من (شجرَّة اللحم) الموسم الماضي:

“كيف ستسَوي أمر مجوك؟”

بادرته فيما كان يلتقط قطعة كبيرَّة من اللحم المجفف، ثم قال:

“تقصدين زواجه؟.. لاشيء سوى أن نبدأ بعد الأبقار منذ الآن”

“لا أعني هذا، أقصد هل تأكدت أن لاقرابة تجمع بينها وبيننا؟”

“أن قبيلتها مختلفة فلا تقلقي، لقد تأكدت أن لا قرابة تجمعهم بقبيلتنا. فهي مثل هيلدا. منْشأها يرجع إلىٰ جِنْ”

“حسناً، لماذا لا ينتظر مجوك حتى نصل إلى الأرض الجديدة؟”

“الرَّحيل إلى الأرض الجديدة ليس مؤكداً بعد”

“هناك أمر آخر.. مجوك يريد بعض أبقار قريبنا الميت”

“أنه لا يُطيعني!.. أخبرته عن رغبتي في تزويجه بإسم قريبنا الميت فرفض! قال أنه يُريد أن تكون أول زوجة خالصة له، وبعد ذلك سيفكر في أن يقبل بزوجة ثانية بإسم قريبنا الميت”

“لكن هكذا لن تهدأ روح قريبنا الميت يا باناو؟”

“أعلم ذلك.. أعلم، لكن ماذا ترين؟”

“طالما مجوك رفض، يجب أن تعرض الأمر على شقيقه أويل، فقد يقبل، وإلا ستحل علينا اللعنة!.. لكن لماذا قُلت أن الرَّحيل إلى الأرض الجديدة ليس مؤكداً.. ما الذي تخفيه عني؟”

“أنت تعلمين يا بقرتي السمراء، أنني لا أستطيع إخفاء شيئا عنك، حتى لو رغبتي في ذلك، كل ما في الأمر أنني لا زلت أُفكر مع الشيوخ، في البحث عن مكان أفضل. لقد عاد بالأمس (لابساً جلد الفهد) الذي أرسلته خلف الثَّور. الذي لاحظنا على رَّوثه حبوب الذُّرَّة”

“لقد غاب طويلاً!.. أين أنتهت مراقبته للثَّور؟”

“لقد قطع الثَّور مسافات طويلة، تتخللها الغابات والوديان والجبال، إلى أن وصل إلى أرض خضراء خصبة كجنة دينق.. مثلما توقعنا.. كان الثَّور يختفي حيث المزَّارع الخضراء و(الدوكات) الكبيرة”

“وإذن هل ستَكفي تلك الأرض عشيرتنا كلها؟!”

“نعم، ستكون للجميع مزارع كبيرَّة أكبر وأخصب من مزارعهم هنا. وسنتمكن آخيراً من زراعة (التنباك) والقطن والذُّرَّة واللوبيا”

“لكن هل تأكد لابساً جلد الفهد، أن تلك الأرض لا تخص عشيرَّة أُخرَّىٰ، وهل أن ثَمَّة من يسكن قريبا منها أم لا؟!”

“نعم.. نعم، لقد رأى قريباً منها بعض القوم لكنهم قِلَّة”

“ماذا لو حاولوا منعنا؟!”

“سنقاتلهم ونقتلهم أونطرُدهم مثلما طرد نِيْكَانْجْ الفونج”

وادي النِّحاس.. هذه البلدة التي شَهِدَّت صباي، بقبابها المسطحة المصنوعة من القش والطين، وخلاويها العارِّية من الجدران والأسقف، وشيوخها الغلاظ المغرمين بالغلط في أتفه الأمور إلىٰ درجة الفجور في العدَّاوة!

في وادي النِّحاس اليوم بألف سنة!.. وفي وادي النِّحاس يُعبد الله وفقا للمزاج والصدفة، وبطريقة خاصة جداً، خالية من أي مشاعر دينية صادقة.. طريقة ابتكرها النَّاس مزيجاً من تراثهم الغابر، وتداخلات عناصر الثقافات الأخرى التي مرَّت على وادي النِّحاس عبر العصور.

ربما يرتلون القرآن ويصلون وهم سُكارىٰ.. وربما تُفتَضْ بكارة البنت دون عقد فلا يقال سوى (البنت كُسِرَّت). في وادي النِّحاس لا قصاص، فلا أحد يُجلد أو يُغرَّب لعام أو بعض عام، حتى لو شاهده أكثر عدداً من الأربع العدول، فقاعدة المِروَّاد في المكحلة، لا وجود لها إلا في المتواتر الذِّهْنِّي دون جُغرَّافيا بعينها.

لا أحد يُرجَم بأي نوع من الحجارة، فالشيخ هو الحاكم بأمر الله، الذي دائماً تكون عقوبته غرَّامة يُلقيها على مسامع الحضور، ويمضي كلٌ إلى حال سبيله، سواءً ألقىٰ التحية أو لم يُلقِها.. كأن الأمر لا يعنيه! وربما يُنسب المولود لكاسِر البنت في حال قبوله الزواج منها، وقد يحمل المولود إسم غيرِّه إذا تزوجها دون غضاضة! فعلى العموم مثل هذا الأمر ليس من الأمور التي تُهدد مستقبل ومصير وأمن شعب وادي النِّحاس، أو أيٍّ من الشعوب المجاوِرَّة التي تربطه بها صِلات الدَّم.

في وادي النِّحاس ليس ثَمَّة شيء إسمه السُكْر! فالخمر البلدي (المَرَّيْسَة) هو الغذاء الرئيسي لشعب وادي النِّحاس. فشعب وادي النِّحاس ينتمي لحضارة عرِّيقة لا تجد من يتفهمها! فالديار المجاوِرَّة التي رُغم صِلات الرَّحِم ضاربة الجذور، بعد أن تقمصَّت ثقافة بدو الصحراء، الذين يعيشون خلف تخوم البحر الملوَّن، حيث تُشرق الشمس مكتئبة، فتنكرَّت لثقافة أسلافها البائدين، تمرَدت على حضارة وادي النِّحاس، ولم يعُد لها هم سوى محاكمتها!

أول واقعة جلدٍ في وادي النِّحاس بسبب الجنس –أو الحب أو الرِّيد– وما أصبح اسمه المعاصر في وادي النحاس (زنا) حدثت عندما وفد من تُخوم الصَحراء ما وراء البحر الملوَّن، شيوخ أقحاح معممين، موشومين الجباه، يتبخترون في عباءات زاهية ترتج تحتها أردافهم المكتنِزَّة!

كُنت في أوج مراهقتي وأنا أُشارف على خَتم القرآن في خلوىٰ الفكي إبراهيم قرض، وفي ذات شبقٍ عارم تآمرت وصديقي الغَرِّيق على صُغرى زوجات الشيخ، الذي كان قد اعتاد ارسالنا لجلب طعام الحيرَّان من بيته، الذي يُلاصق الخلوىٰ!

في ذلك اليوم عندما دخلت تعمدت الاحتكاك بجسمها اللدن، فارتعشت من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، كان جسمها الغض منفعلاً، كأن تياراً مائياً عنيفاً يغادر وادي أزوم الهادِر، ليعبر متخللاً شرايينها. الأمر الذي شجعنِّي على مباغتتها بجُرأة، أدركت بعد وقت طويل أنها إنما كانت وقاحة مني:

“يجب أن نفعل ذلك”

فردت كالمسحورة التي لا حول ولا قُوَّة لها:

“تعال عندما ينشغل الشيخ بدرسه”

وهكذا بدأت اتغيب عن حلقة الشيخ، إلى أن فوجئت به يوماً يقف عند رأسينا!.. وأنا وزوجته الصغيرَّة الجميلة شبه عاريين! هتف بالحيرَّان مزبداً ومتوعداً وتكالب معهم علىَّٰ.

ربطوني على جذع شجرَّة قاسية الساق، وجُلِّدتُ كما لم يُجلد أحداً من قبل. وعندما أُطلِّق سراحي لم أرتاح للأمر، فبحثت فيه وعلمت أن الغرِّيق الخبيث هو من وشىّٰ بي، وكشف أمري. فأزمَعت في نفسي الانتقام.

كَمِنْتُ للشيخ وأنا أترصد مجيئه وذهابه في الوَّادي، إلى أن انفردت به ذات يوم وهو يمشِّي وحده، يتقدمه حِمارَّه الهَرِّم، فهجمت عليه وأوسعته ضربا مبرحاً. وظللت بعدها أكمن للغرِّيق حتى استفردت به.

ما أثار دهشتي اكتشافي أن الغَرِّيق كان غُلام الفكي قرض.. في البَدءْ رَوَّعَنِّيْ هذا الاكتشاف، إذ لم أتصَوَّر يوماً أن الفكي قرض، على علاقةٍ سِرِّية بالغرِّيق وأي علاقة!

تنهد تَقِي وَد زَهَرَّة، رَيثما يبتلع غَصَّةً اعترضت حلقه!