نائل العدوان: القادم خطير ولن تصدق القلوب والأعين ما سيجري

نائل العدوان: القادم خطير ولن تصدق القلوب والأعين ما سيجري

الرواية نت – لندن

يطلق الروائي الأردني نائل العدوان صافرة الإنذار بتأكيده على أنّ الرواية المطبوعة ستنتهي وستحل محلها الرواية الرقمية التي لا تعرف شكل الورق ولا تأبه بدار نشر أو حفلات توقيع.. ويلفت إلى أنّ التغير في ثقافة القراءة وشكل الرواية سيأتي بشكل سريع غير متوقع.

في حواره مع الرواية نت يشدّد مبدع (مذكرات من تحت بيت الدرج) على أنّ الرقابة قد تكون سببا في فشل العمل الروائي، خاصة إذا أخذ الروائي في الاعتبار الابتعاد عن التابوهات المفروضة من المجتمع أو الدين أو السياسة، وهو مثلث خطير قد يودي بالعمل الروائي الى مستوى متدنٍّ.

يكشف الروائي نائل العدوان عن بعض آرائه في عدد من المسائل الأدبية والنقدية في عالم الرواية والأدب بشكل جريء وبصراحته المعهودة..

– كيف تقيّم تجربتك مع القراء؟

 من أهم ما يميز كاتب عن غيره هو قربه من قلوب القراء دون أن يكون هنالك مصلحة أو مجاملة، وهي في اعتقادي سر نجاح العديد من الكتاب المشاهير الذين تربطهم علاقة قوية مع قرائهم.

تجربتي الشخصية مع القراء من التجارب التي أعتز بها كون أن العديد من القراء الذين تواصلوا معي لا تربطني بهم صلة الا من خلال التجربة الإبداعية، وقد نمت هذه العلاقة نتيجة حرصي على الكتابة التي تحترم عقل القارئ وذائقته، والحرص على إيصال الرسائل المجتمعية أو الفلسفية بكل روية ودون ادعاء أو مغالاة، ومعظم هذه الرسائل جاءت في النص لهدف يحترمه القارئ وعادة فإنها تعالج بعض القضايا والمشاكل السائدة في مجتمعنا، وفي ذات الوقت  أسعى دائماً للحيلولة دون ضياع الفكرة الرئيسية من النص والاهتمام بالبناء السردي دون مبالغة قد تخل بنسق السرد أو أي حشو زائد قد يفسد متعة القراءة لدى القارئ، وهذه المعادلة يحكمها قوة اللغة عند الكاتب وقدرته على جذب القارئ وتشويقه لإكمال الرواية حتى الصفحة الأخيرة، وهي مهمة شاقة لا يقوى عليها غير الكتاب المتمرسين، ممن لديهم القدرة على اثراء نصوصهم باللغة الرصينة والاحداث المشوقة.

– ما أهم الأعمال الروائية التي أثرت في تجربتك الإبداعية؟

لا أستطيع الحكم جازماً بالروايات التي أثرت بتجربتي بشكل مباشر، لكن ولحسن حظي فقد كانت لي فرصة الاطلاع- ومنذ الصغر- على تجارب العديد من الروائيين العظماء الذين حتماً قد أثرت أعمالهم بلغتي الروائية وقدرتي على السرد والتخييل، وكان من أهمهم همنجواي في روايته الرائعة الشيخ والبحر ودوستويفسكي بالجريمة والعقاب وميلان كونديرا في الضحك والنسيان وكامو في الغريب وتولستوي في الحرب والسلم وغيرهم.

– ما الرواية التي تتمنى لو كنت مؤلفها؟

 لا توجد رواية تمنيت أن أكون كاتبها، لكن رواية التبر لإبراهيم الكوني من الروايات القريبة إلى قلبي وذلك للغته الشعرية الفائقة الجمال، وقدرته الغريبة في السرد الحكيم، هذا الروائي الساحر حسب رأيي وارتباط كتاباته بالصحراء وأهلها استطاع أن يخلق حالة جديدة ونادرة في الرواية العربية والكتابة عن إرث وتأريخ أهل الصحراء ومن سكنها، متحدياً الأدب المدني الذي طغى على معظم الكتابات والروايات الحديثة.

– هل من رواية تندم على كتابتها أو تشعر أنك تسرعت في نشرها؟ ولماذا؟

لم أندم يوماً على نشر أي رواية أو مؤلف، وربما يعود هذا الأمر للتأني والصبر الذي يسبق نشر أي رواية لي، فمدة كتابة الرواية لدي قد تأخذ عدة سنوات، وأذكر على سبيل المثال رواية غواية لا تود الحديث عنها التي استمرت مدة كتابتها ما يزيد عن الخمس سنوات، أما النشر فهو قصة أخرى، وهو لا يرتبط بانتهاء الرواية بل يرتبط بأسباب ومواقيت عائدة للرغبة بالنشر من عدمه. بعض المؤلفين قد ينشر في نفس العام رواية أو روايتين وقد يكتب في نفس العام ثلاث روايات، وهو أمر باعتقادي في غاية الخطورة وقد يفضي الى التكرار وضياع هوية الكاتب وسط الزخم الكتابي ومحاولته إنتاج العديد من الروايات في وقت قياسي، فالنوع هو الذي يحدد جودة العمل وليس الكم، وكثرة مؤلفات الروائي قد تكون مقتلاً له لدى القارئ العارف خاصة إن لم يحسن التنوع ووقع في فخ التكرار والرتابة والحشو.

– كيف ترى مستقبل الرواية في عالم متسارع يمضي نحو ثقافة الصورة؟

الرواية المطبوعة ستنتهي وستحل محلها الرواية الرقمية التي لا تعرف شكل الورق ولا تأبه بدار نشر أو حفلات توقيع، ستكون الرواية مقرونة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتقنيات الفيديو والصوت، خاصة مع ما نشهده من بوادر الثورة الصناعية الرابعة والتي وطئت كل القطاعات ومناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالطبع فان التغير في ثقافة القراءة وشكل الرواية سيأتي بشكل سريع وكما حصل في زمن الاتصالات حيث انتقل المستخدم للهاتف النقال من الجيل الثاني إلى الجيل الثالث من الاتصالات بكل سلاسة، وفي غضون عدة سنين غدت الهواتف الذكية ضرورة ملحة بعد أن كانت سلعاً كمالية لا يقتنيها إلا الأغنياء، وتقبل الناس البيانات والتطبيقات كمحدد أساسي للاستخدام وليس الصوت.

سيكون الانسان الآلي في المستقبل روائياً وشاعراً ومعلماً وسيفوق ذكاؤه في العام 2030 ذكاء الإنسان وسيغدو قادراً على كتابة رواية في بضع ساعات بنفس الجودة والإبداع البشري. القادم خطير ولن تصدق القلوب والأعين ما سيجري، فدور النشر سيتضاءل دورها مع توافر الكتاب الرقمي وقدرة الألة على انتاج أي كتاب في زمن قياسي، أما الثقافة فسترتبط ارتباطاً كلياً بظهور الآلات الفارهة والتي سيقتنيها أصحابها كعمال أو مساعدين، وهذا سيساعد على تردي الثقافة وميلها للكسل وظهور جيل من الكتاب الذين يستخدمون اللغة العامية بدلاَ من اللغة الفصحى، ربما ما نراه اليوم من الزخم الرديء للكتابة هو مؤشر على ما أقول، وحرية الكتابة على سطوح الشاشات الزرقاء ووسائل التواصل صنعت جيلاً من الكتاب والروائيين السطحيين دون صاد أو رقيب على نوعية الكتابة وجودتها، وبالمثل فقد صنعت التكنولوجيا جمهوراً من القراء الذين لا تعنيهم جودة اللغة ولا يضيرهم تدني مستوى الكتابة.

– كيف تنظر إلى واقع النقد في العالم العربي؟

واقع النقد مؤلم للأسف وهو سبب مباشر لشيوع وازدهار بعض الاعمال الرديئة التي حصدت الآلاف من المعجبين والجوائز بسبب حملات التلميع لبعض الأعمال الروائية الركيكة، النقد قد يكون أداة خطيرة لوأد  أعمال مهمة أو إعلاء أعمال رديئة، وما يزيد الطين بلة أن النقد السائد غدا فقط لمن يعرفون بعضهم في الوسط الثقافي وتربطهم علاقات شخصية، لم يعد النقد مركزاً على الأعمال التي لا نعرف أصحابها أو لا تربطنا معهم مصلحة ما، وهذا الأمر ساهم في بعد النقد عن هدفه الرئيسي وتركيزه على أعمال الأصدقاء والمعارف وأضعف لغة النقد ورسخ مفهوم الرداءة أكثر إلا من رحم ربي.

– إلى أيّ حدّ تعتبر أنّ تجربتك أخذت حقها من النقد؟

حقيقة لم أبحث في يوم من الايام عن النقاد للكتابة عن مؤلفاتي وذلك لإيماني القاطع بأن الناقد هو المعني بالبحث عن المؤلف وليس العكس، وهي مهمة منوطة بإبداع الناقد وقدرته على ابراز الأعمال التي تستحق النقد واثراء تجربة المؤلف، وقد كتب بعض النقاد عن رواياتي واختلفوا في الرؤية وتحليل النص، فمنهم من ابتعد عن مكنون الطرح ومنهم من كتب نقداً في عمق الرواية ومنهم من أخذ الموضوع بشكل شخصي فكان يكتب عني وليس عن النص الذي بين يديه، التجربة برمتها لم تأخذ حقها من النقد ولكن قد يشفع لذلك النقد الذي يأتيك من بعض القراء، وهو برأيي أصدق وأقرب إلى النقد ذي القوالب الجاهزة والمصطلحات المقعرة والتي بتنا ككتاب وقراء نجهل معناها في زمن السرعة.

– كيف تجد فكرة تسويق الأعمال الروائية، وهل تبلورت سوق عربية للرواية؟

تسويق الرواية وصناعتها ما زال في مراحل مبكرة في الوطن العربي، مقارنة مع الغرب، العديد من المؤلفات الجيدة لم تجد طريقها للقارئ لضعف دور النشر وضعف قنوات النشر، ولكن ذلك لا يعني أن بعض الكتاب لم ينجحوا في تسويق رواياتهم على صعيد واسع ومنهم من تفرغ بعدها للكتابة ونشر الروايات، حتى ان بعضهم أبدع في نشر أكثر من رواية في نفس العام بسبب دعم دور النشر له، وعلى الرغم من رداءة بعضها، فهي كما قلت صناعة.

– هل تحدّثنا عن خيط البداية الذي شكّل شرارة لأحد أعمالك الروائية؟

معظم رواياتي جاءت لحدث ما، اختمر في ذهني، وأثّر فيّ بشكل شخصي لأقرر بعدها أن أكتب عنه، في روايتي الأولى مذكرات من تحت بيت الدرج، صادفت أحد المتشردين في وسط البلد الذي فقد وجهة عقله وطالت لحيته وشارباه وبدت ثيابه مهملة وشعره أشعث وأغبر، لكنّ عينيه كانتا تتقدان عن تاريخ مجهول، تاريخ رجل فقد عقله وأصبح هائماً في شوارع عمان، كان يحمل في يده دفتراً ويضع بجيبه قلماً، استوقفني وطلب مني ديناراً، فدفعني الفضول لسؤاله عن حاجته للدفتر والقلم ففتح الدفتر أمامي وبدأ يقلب صفحاته الفارغة ثم أطلق بعدها ضحكة مجلجلة  قائلاً: هل أنت أحمق، أنا أكتب مذكراتي، ألا ترى هذا البياض.

 أيقنت حينها أنني أحمق إن لم أكتب رواية عن هذا الشخص.

– إلى أيّ حدّ تلعب الجوائز دوراً في تصدير الأعمال الروائية أو التعتيم على روايات أخرى؟

الجوائز بوضعها الحالي لعبت دوراً مهماً في العقد الأخير في نشر العديد من الأعمال الجيدة والتي تستحق القراءة، وكانت سبباً في معرفتي بالعديد من الكتاب المرموقين، لكن للأسف وبمدى الأهمية التي أبرزت مؤلفات مهمة، فقد أبرزت أعمالاً في منتهى الرداءة وتكريس بعض الأسماء لمجرد رغبة الجائزة على استقطابهم للظهور الإعلامي، ولا أعرف السبب الذي يدعو إدارة أي جائزة لنسف النجاحات التي احرزت بمجرد ترشيح مؤلف رديء للجائزة، هل هي العلاقات الشخصية أم المحاصصة الجغرافية ام العرقية؟ على أن الأصل في منح الجوائز أن يتسم بالشفافية وعدم التحيز لعرق او دين أو مكان.

– كيف تجد واقع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى؟

لست خبيراً في هذا الشأن، لكن الباحث عن الترجمات من اللغات الأخرى سيجد أمهات الكتب مترجمة ومعظم الروايات الغربية المهمة، لكن الترجمات من اللغة العربية للغات الأخرى ما زالت تعتمد على شهرة الكاتب أو نشاطه مع دور النشر الغربية، وأعتقد أن هذا المشروع المهم ليس من مسؤولية الكاتب بل من مسؤولية الدولة ممثلة في وزارات الثقافة ودور النشر.

– يعاني المبدع من سلطة الرقابة خاصة (الاجتماعية والسياسية والدينية) إلى أي درجة تشعر بهيمنتها على أعمالك؟ وهل تحدّ من إيصال رسالتك الإبداعية وهل أنت مع نسف جميع السلطات الرقابية؟

الرقابة قد تكون سببا في فشل العمل الروائي، خاصة إذا أخذ الروائي في الاعتبار الابتعاد عن التابوهات المفروضة من المجتمع أو الدين أو السياسة، وهو مثلث خطير قد يودي بالعمل الروائي الى مستوى متدنٍّ. تجربتي مع الرقابة ارتبطت أحيانا بحدود الدين خاصة مع روايتي الأخيرة (كأنه الموت) ورواية (غواية لا تود الحديث عنها)، ولذلك كنت حريصاً على المواربة أحيانا والتحدث عن العموميات وعدم الخوض في التفاصيل المربكة للإفلات من مقص وسلطة الرقابة.

– ما هي رسالتك لقرّائك؟

رسالتي كما أحب أن أقولها دائماً، لا تكملوا العمل الرديء ولا تمجدوه لمجرد شهرة صاحبه، بل تعاملوا مع الكتاب بشكل منفصل عن مؤلفها، فالإعلام يخدع، والكثير من أعمال المشاهير ليست بمستوى نتاجهم الأول والذي كان سبباً في شهرتهم.