كارلوس زافون: الأدب أولاً

كارلوس زافون: الأدب أولاً

ترجمة محمد فتيلينه

    (أكتب لأولئك الذين يُحبّون القراءة)، يقول المؤلف الكاتالاني كارلوس رويز زافون، (إلى الذين يهتمون بالكتابة وباللغة وبالخيال والمُهتمين بجمال الكلمات وبجمال السرد).

     منذ صدور “ظل الريح” الرواية الأكثر مبيعا على الصعيد العالمي، والصادرة باللغة الإسبانية سنة 2001، أذهلت جمهور عريضا تفاعل معها مثلما تفاعل ومع باقي أعمال زافون. نبوغه جمع بين الحقب القوطية والرومانسية، بين الأحجية والتاريخ، وسبغ ذلك بحبه المثالي للأدب، استطاع [الكاتب سريعا] أن يأسر القرّاء عبر العالم (…)

     عندما نتحدث عن كارلوس زافون، صاحب أكبر المبيعات للروايات، خصوصا في الأدب الإسباني، لن يكون السؤال عن الأرقام بعيدا عنا، إذ تم ترجمة أعماله إلى أربعين لغة وبيع من رواية “ظل الريح” لوحدها [حتى سنة 2001] 12 مليون نسخة عبر خمسين بلدا. روايته الموالية “لعبة الأرواح” لاقت بدورها نجاحا منقطع النظير في موطنه الأصلي [وفي العالم]، ففي الأسبوع الأول لصدور الرواية، تهافت عليها القرّاء وبلغ عدد النسخ التي بيعت الـ 300 ألف.

     الروائي [المولود في الـ 25 من سبتمبر 1965 والذي وافته المنية شهر يونيو الفارط في لوس أنجلوس]، بدأ حياته الأدبية مع مطلع التسعينيات، مع روايات خُصصت لفئة الناشئة، والتي كانت تستهدف شريحة من المراهقين والشباب. هذه الكتابة أمدته بدافع كبير في بلده إسبانيا من خلال رواية “مارينا” (سنة 1999) التي سبقت ظهور روايته الشهيرة “ظل الريح” بسنتين. دارت أحداث “مارينا” كعادة نصوص زافون في مدينة برشلونة “القوطية” و”الأسطورية” لـ ماندوزا وبيريز ريناريت، مزج فيها قدرا لا بأس به من العجائبية والغرائبية والانفعالية، بما يمكن أن نسميه تكرارا عاما لـ “ظل الريح” في هذه الرواية، أين يُحلّق الموتُ ويهيمن الشعور بالفقد على الشاب أوسكار. في متاهات وسراديب المدينة ومع حبّ أوسكار لمارينا يتعلّم كيف لا يستذكر “إلا الأشياء التي لا يمكنها الوقوع أبدا”. حضور الكائنات المتوحشة في الرواية من أشباه فرانكشتاين يمكنها أن تُشبع فضول المعجبين بالمؤلف، وحتى اعجاب أولئك الذين ليسوا ضمن فئة قرّاء الرواية “الصغار”.

ما يهمني في برشلونا حقا هو “جوهرها”، هي “الروح” التي شكّلتها على مدار الحقب والأزمنة.

عبر البريد الالكتروني، تحّدثنا عن كل ذلك مع كارلوس رويز زافون، الذي عاش في كاليفورنيا، وفيها واصل كتابة الروايات وسيناريوهات الأفلام والموسيقى.

س1/ ملهمة دائما هي برشلونة، لماذا؟ رغم أنك تقيم بعيدا عنها؟

ج1/ في الحقيقة، أقضي جزءا من السنة في برشلونة، التي تعيش معي هي أيضا، وتُشكّلُ جزءا مهما في حياتي. استعين ببرشلونا كي تُلهمني، لأنها المدينة التي وُلدت ونشأت فيها، ما يهمني في برشلونا حقا هو “جوهرها”، هي “الروح” التي شكّلتها على مدار الحقب والأزمنة. في رواياتي تبرز برشلونا الأدبية لا الحقيقية. هي ملهمة شخوص رواياتي، هي أقرب إلى مُلهمة على طريقة المنمنمات.

س2/ ما الذي تملكه برشلونة ولا تملكه مدن العالم الأخرى؟

ج2/ لكل مدينة خصوصيتها. اهتم بالمدن وبتاريخها وببنائها وبأسرارها، والكثير من المدن عبر العالم تبدو كبرشلونا وقد تكون أكثر ثراء منها، لكن الذي يميز برشلونة في رأيي هو إرثها الفنّي والمعماري، وكذلك بنيتها الحضرية المتميزة، والتي كانت نتيجة لتمدّد المدينة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما تعتبر برشلونة من المدن القليلة التي لم تدمر [بالكامل أو جزئيا] على مدار ألفي عام من التاريخ، بينما تم تدمير قرابة كل الأماكن الحضرية وسط حواضر أوروبية عديدة مرات أو مرة واحدة على الأقل خلال القرون الأخيرة.  في برشلونة، يمكننا المسير 20 دقيقة، نلمس خلالها أحجارا عمرها 20 قرنا، مما يعطينا شعورا مليئا بالذاكرة والتاريخ.

س3/ هل تعتبر “مارينا” كتابا مُوجّها للناشئة؟

ج3/ لا أعرف أبدا ما الفئة التي تُعنى بالكتاب، كما لا أعتقد أن ذلك له أهمية. في الأصل، طُبع الكتاب على أساس أنه موجه “للناشئة”، لكن الكتاب مفتوح في اعتقادي على أكثر من شريحة. بالنسبة لي، يتعلق الأمر بكل بنص روائي، بقصة شخصية، أكتب لأولئك المولعين بالقراءة، المُهتمين بالكتابة وباللغة وبالأفكار وبالخيال، المحبّبين للكلمات وللسرد. مهما تكن اللغة الناس وأعراقهم وأعمارهم وجنسياتهم، بالنسبة لي القرّاء عبر العالم هم أمة واحدة.

س4/ هناك أوجه شبه كبيرة بين مارينا وظل الريح: السارد شاب، والبحث يتم في الماضي، داخل الغرائبية، هناك أقنعة وأسرار… هل كنت لتكتب ظل الريح لو أن مارينا لم تسبقها؟

ج4/ أعتقد أن المسار المهني لكل الروائيين يعتبر عضويا، وأن ما نكتبه من أثر أدبي تدعمه عناصر تم اكتشافها في نصوص سابقة، وقمنا بتطويرها في اتجاهات متجددة. كل واحد يتقدم بخطوات صغيرة، مليئة بالتجربة وبالاكتشاف. بدون شك، مارينا هي تقديم لـ “ظل الريح”.

س5/ ما أهمية “مارينا” في أثرك الأدبي؟

ج5/ بالنسبة لي، كل الكتب مهمة بالنسبة إلى كاتبها. بعيدا عن نجاحاتها المتحققة أو شعبيتها الجارفة. ولكن لأسباب شخصية بحتة تعتبر “مارينا” من القصص المفضلة لدي.

س6/ كل هذه الأرقام القياسية للمبيعات، هل تهمّك وتجعلك فخورا؟

ج6/ لا أهتم بالأرقام القياسية في أي سياق كان، وليس بالشيء الذي أفكر فيه، رغبتي الحقيقية والمهمة هي كتابة الروايات الجيّدة، والتي تقدّم للقارئ المهتم بالأدب شيئا يرضيه [ويُمتّعه].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] https://www.lapresse.ca/arts/livres/201101/22/01-4362793-carlos-ruiz-zafon-la-litterature-dabord.php