إمبراطورية العبيد: رواية الكواليس المظلمة لتجار الكراهية

إمبراطورية العبيد: رواية الكواليس المظلمة لتجار الكراهية

زياد الأحمد

بدءاً من الغلاف كفضاء بصريّ أول؛ نقرأ رواية “إمبراطورية العبيد” للكاتب السوري قصي أبو قويدر والصادرة في طبعتها الأولى عن دار نون4 حيث نتبين عتبات نصية واضحة تقودنا نحو مضامين الرواية وتنبّئنا بالرؤيا السرديّة التي أرادت طرحها.

ففي هذا الفضاء البصري الأول –الغلاف-  نرى تمثال الحرية؛ ذاك النصب العملاق الذي يوجد على مدخل  خليج نيويورك  في الولايات المتحدة، نراه منفرداً بمساحة الغلاف الذي جاء بلون سماوي حيادي، واللافت للنظر  لون التمثال المخالف  للون الأصل وهو الخضرة المائلة إلى الزرقة لكنه هنا جاء متدرجاً عن اللون الأحمر،  فهو أقرب إلى البرتقالي، أما الشيء الآخر المخالف بشكلٍ متعمّد للأصل هو المِشعل المتأجج اللهب، فقد ظهر في الغلاف خامداً، من غير شعلة، وإلى يسار الذراع التي ترفع المشعل المنطفئ وبلون أقرب إلى الأحمر  جاء عنوان الرواية “إمبراطورية العبيد”

ومن خلال متابعة الرواية التي تمتد على مئة وسبعين صفحة من القطع المتوسط سنكتشف أن الإمبراطورية تلك هي الولايات المتحدة الأمريكيّة، والمؤسسات التي يموّلها المالُ السياسي؛ والتي تتحكم بمصاير الشعوب وتعيّن حكامهم، وذلك كله من خلال المؤسسات الإعلامية المسيّسة. ويصرح الكاتب بهذا في العتبة النصيّة الأخيرة التي جاءت على الغلاف الأخير بقوله:

“تلقي الرواية الضوء على الكواليس المظلمة لطواغيت الحكم والمال الذين يتحكمون في مصائر الشعوب وفي مستقبل أجيالها عن طريق نشرهم للكراهية العمياء بين الأديان، والتي تُعتبر الوقود الأساسي لنار الحروب التي يسعَوْن لإضرامها”

يقدم الكاتب هذه الرؤيا من خلال حكاية شائقة تدور بين شخصيات من الشرق والغرب؛ أهمها شخصية ماغي وهي شخصية ناجحة ومشهورة، هي كاتبة ومحللة سياسية ومحاضرة في الكثير من الجامعات، والأهم أنها معروفة بتطرفها وعدائها للمسلمين، وقطب مهم للإسلاموفوبيا في أمريكا.

ماغي مطلقة وتعيش مع ولدها جاك، وأمها اليزابيت المعترضة على كراهية ابنتها للمسلمين.

يتعرض ولدها جاك لحادث سيارة ويسعف إلى المشفى، وهناك يكون اللقاء مصادفة بالشخصية المحورية الثانية؛ الدكتور الجراح يوسف السوري الأصل، ورئيس قسم الجراحة في المشفى، ففي الوقت الذي يقرر فيه قسم الإسعاف أنّ الطفل سليمٌ إلا من رضوض خارجية، وتكاد الأم تعود به إلى البيت يصادفهم الدكتور يوسف  في الممر، ويلفت نظره شحوب الطفل  فيقرر إعادة التشخيص ثانية رغم جفاء الأم وخشونتها في التعامل معه بسبب سحنته المشرقية، وحين يكتشف أن الطفل يعاني من نزف داخلي يجري له عملية جراحية، وينقذه من الموت الذي لم ينتبه إليه الطبيب السابق.

هنا وبشكل سحري تبدأ خطوة التحول الجذري في شخصية ماغي، تكتشف كم كانت مخطئة ومُضلَّلَة في نظرتها للمسلمين… وتبدأ مع هذا التحول الحربُ ضدّها من المؤسسة الإعلامية التي كانت قد صنّعتْها لنشر الكراهية ضدّ المسلمين في محاضراتها، وخاصة حين تعتذر عن كل أفكارها السابقة في بث مباشر على القناة العاشرة. كما تبدأ قصة حب بين يوسف وماغي التي تعترف له وللعالم بأنها كانت مغفّلة، ومن خلال تحذيرات يوسف لها نكتشف مدى تغوّل تلك المؤسسات في الشر ضد المحبة والتآخي الإنساني ومن ذلك ردّ يوسف على ماغي المتوهمة أنها تعيش في بلد ديمقراطي حرّ، ومن حق المرء فيه أن يعبر عما يؤمن به:

“هذا البلد يحكمه المال السياسي والقوة، الجبارة الناجمة عنه، أنتِ لم تجربي من قبل أن تقومي بالإبحار بعكس التيار في هذا البلد، سيكون الأمر خطيراً وشاقاً. ص91.

وتفضح الرواية بشكل مباشر تشويه تلك المؤسسات وخاصة الإعلامية للحقائق، وتحكمها بمصاير الشعوب:

“إن أغلب المؤسسات الإعلامية هنا في أمريكا مسيسة ومحكومة بالمال السياسي وطواغيت ذلك المال القذر هم من يسيّرون تلك المؤسسات وفق رغباتهم ومصالحهم وبما يناسب تحقيق أهداف سادتهم. ص105.

ومن هذه النقطة وبطريقة مبدعة تتطرق الرواية إلى ما حدث للثورة السورية، وكيف قام الإعلام بتصويرها على أنها حربٌ أهلية، وليست ثورة على نظام غاشم قام بقصف شعبه بالبراميل المتفجرة والغازات السامة فقتل وشرد الملايين.

وبخلاف الكثير من كتاب رواية الحرب في سوريا يصرح الكاتب دون مواربة باسم رأس النظام الذي دمّر شعبه وبلاده، ويفضح دور تلك المؤسسات الإعلامية في تضليل الراي العام العالمي عن حقيقة الثورة السورية التي سماها زوراً بالحرب الأهلية وذلك لإيهام الرأي العام الأمريكي وتغييب الحقيقة فيقول على لسان يوسف:

“هي أعظم ثورة قام بها شعب على مر العصور، ولكن الشعب الأمريكي يمكنه أن يتقبل مصطلح الحرب الأهلية، ولكنه لن يرضى أبدا عن مقتل الآلاف من الشيوخ والأطفال والنساء الذين ثاروا في وجه الطاغية وقتلوا في الشوارع وهم يحملون الورود وأغصان الزيتون… الناس هنا غاية النبل والإنسانية إنهم يبكون من أجل قطة فما بالك لو علموا بمئات الأطفال الرضع الذين ماتوا جوعا في بيوتهم بسبب حصار السفاح بشار الأسد لهم وعدم السماح بإدخال الطعام إلى مناطقهم” ص106.

  وبعد أن تتضح كل هذه الحقائق تتابع الرواية أحداثها بما يؤكد الرؤيا السابقة فتحاول المؤسسة تصفية ماغي؛ لأنها خرجت عن تيّارها وسياستها وما صنّعوها له، فيستثمرون لذلك طليقها فيليب الراغب في استعادتها إلى حِضنه والحاقد على يوسف المسلم الذي يريد الزواج بها، وبعد أكثر من محاولة قتل تنتصر ماغي ويوسف، وبمعنى آخر ينتصر الحب والتآخي الإنساني على مخططات قنوات الشر التي تبث سموم الكراهية بين الشعوب.

البنية الفنية للرواية:

رغم الحبكة السردية المحكمة والأسلوب الشائق الذي يمسك بقارئ الرواية من أولها حتى نهايتها إلا أننا نلمح بعض الضعف في تقنيات السرد الروائي وأول ما نراه من ذلك: لغة الحوار التي جاءت جزلة فخمة ذات سوية واحدة لا تختلف من شخصية إلى أخرى، فحديث الطفل جاك لا يختلف في سويّته وجزالته عن لغة الطبيب يوسف، ولغة ابن المشرق لا تختلف في تراكيبها ومكنوناتها الثقافية عن لغة ابن الغرب. فحين نقرأ لغة أي سهرة من سهراتهم نتوهم أنهم من بيئة واحدة بمفرداتهم وتراكيبهم ومجاملاتهم.

  كما جاءت بعض التحولات في البنية الفكرية للشخصيات غير مقنعة كتحول ماغي الذي كان كمسحة سحرية انتقل بها من عالم إلى عالم دون أن يبرر الكاتب ولو بشيء من القلق أو التردد أو إعادة التفكير قبيل تغيير فكر كانت تتبناه خلال عقود من الزمن.

 ولعل أهم ما يبتعد بهذا النص عن تأطيره تحت عنوان رواية عدم تكامل المكونات التي تمنح العمل الصفة الروائية فنلاحظ طغيان الحوار على النص بأكمله أما الوصف والسرد (نقل الحدث) فقد جاء على هامش الحوار الطاغي وهذا ما يجعل العمل أقرب إلى السيناريو أو المسرح ويمكن القول إن الرواية قد كتبت بغرض تحويلها إلى مشاهد سينمائية، ولا شك عندها أنها ستكون عملاً ناجحاً ويتضمن رؤية مبدعة مغايرة للكثير مما قدمته الرواية العربية وخاصة في مجال تعرضها للثورة السورية.

وعلى الرغم من كل ما سبق تبقى لهذا النص خصوصيته الإبداعية فقد استطاع أن يقدم رؤيا جديدة لما يدور في هذا العصر من مؤامرات تحاك ضد الإنسانية والأهم أنه ككاتب سوري لم يغفل قضيته وثورة شعبه فأبرز من خلال الفكرة التي أراد طرحها أثرها على أمته وشعبه وما سببت لثورته من تشويه وتضليل، وما لحق بذلك من ظلم وتهجير وقتل نام أو نُيّمَ عنه الضمير الإنساني.