فجر يعقوب: حاجة الإنسان للسرد اللغوي لن تتوقف

فجر يعقوب: حاجة الإنسان للسرد اللغوي لن تتوقف

الرواية نت – لندن

ينوّه الروائيّ والسينمائيّ الفلسطيني فجر يعقوب إلى أن حاجة الإنسان للسرد اللغوي لن تتوقف، وأنّ الرواية تتمظهر بأشكال مختلفة، وتخترع لنفسها صنوفاً جديدة من أشكال السرد، ولكنها ستظل متشبثة بالوجود الإنساني، لأن هذا الوجود متشبث بها أيضاً، وهي علاقة جدلية لا فكاك منها.

في حواره مع الرواية نت، يصرّح فجر يعقوب المقيم في السويد، بأنّه يجد واقع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى مهيناً للكاتب العربي، وللأدب العربي عموماً. ويلفت إلى أنّ هناك اختراقاً للشعور الأدبي العربي يدفع للإحساس بالذل، والانكفاء على الذات.

  • كيف تقيّم تجربتك مع القراء؟
  • أحياناً أشعر بأن رحلة اللجوء المضنية التي قمت بها للوصول إلى مملكة السويد قد نالت من تقييم هذه الفكرة بالذات، وأن قطيعة قد حدثت بالفعل لجهة التعاطي مع القراءة كفعل وديمومة وانتصار لإنسانية الانسان. على الصعيد الشخصي أفتقد جنون الكتاب الورقي، وأحاول التكيّف مع قراءة الكتاب الإلكتروني ما أمكنني ذلك، وأفكر بالفارق اللفظي بين الدلالتين، وأفكر أيضاً أن الاستمرارية في القراءة أمر حتمي لا يمكن الفكاك منه حتى لو توقفت عن كل شيء، مع الشعور بأن الرجوع للجنون الأول صار صعباً ومكلفاً نفسياً. أفتقد بالمقابل تلك الحاسة الفريدة في تقليب الأوراق، وما بقي أمامي اليوم لا يتعدى كتب اللغة السويدية التي خضعت أيضاً لهذه الموازنة المخيفة، وصار التخلي عنها في زمن كورونا أمراً عادياً. مع الوقت المتبقي لن يعود أمامي سوى المكتبة الرقمية، فقد تخليت عن فكرة المكتبة الورقية بعد أن فقدت مكتبتين في أقل من عقد بسبب ظروف الحرب في سورية والانتقال إلى لبنان أولاً ثم اللجوء إلى “جنة” إسكندنافيا المعتمة. لا أريد أن أشعر بأحزان إضافية مع خسارة مكتبة ثالثة. لم أعد أحتمل الفكرة أبداً.  
  • ما أهم الأعمال الروائية التي أثرت في تجربتك الإبداعية؟ ما الرواية التي تتمنى لو كنت مؤلفها؟ هل من رواية تندم على كتابتها أو تشعر أنك تسرعت في نشرها؟ ولماذا؟
  • الأعمال الروائية التي أثرت تجربتي الروائية كثيرة. ربما كل ما قرأت من هذه الأعمال التي أمكنني الوصول اليها، ولكل واحدة منها رائحة ولون وطعم مختلف. مع كل انعطافة في سرد متقطع أو مكتمل كنت أشعر بالزهو لأنني حي وقادر على تحسسه وشمه والاحساس به مثل أي كائن متفرد في اللحظة التي يكون منهمكاً في قراءته وتفكيكه. ليس هناك رواية كنت أتمنى أن أكون مؤلفها، والا لماذا أكتب؟! الروايات التي تستفزني وتستثيرني كثيرة أيضاً، ولكنها تحقق لي الدفق الشعوري والعاطفي اللذين ينقصانني كلما سلكت منعطفاً، أو كنت أمام فاتحة لنهاية أو بداية جديدة في اللغة والبنى الدلالية، أما ما أكتبه، فهو يحقق لي التوازن النفسي واللغوي في معاركي مع نفسي ومع الحياة.  لقد أنجزت ثلاث روايات حتى اليوم، وكتبت يوميات اللجوء بأسلوب روائي ستصدر قريباً جداً دون أن يساورني شعور بالندم، لأن حاجتي لـ “النسف” اللغوي الداخلي بغية التطهر من “آثام” الفيلم السينمائي غير المتحقق لأسباب كثيرة كانت كافية كي أنجزها. أعرف أن هناك وعورة في الكتابة ربما، وشعوراً بالرغبة في الاقتصاص من السرد نفسه، ولكن ليس ثمة ما يستدعي تسرعاً أو ندماً. بالعكس أشعر بأن كل واحدة منها استدعيت على حدة في الوقت الذي يناسبها ويناسبني.
  • كيف ترى مستقبل الرواية في عالم متسارع يمضي نحو ثقافة الصورة؟
  • لن تتوقف حاجة الانسان للسرد اللغوي، حتى لو أصبحت الصورة تعبر عن كل شيء في حياته. قد تتمظهر الرواية بأشكال أخرى، وتخترع لنفسها صنوفاً جديدة من أشكال السرد، ولكنها ستظل متشبثة بالوجود الإنساني، لأن هذا الوجود متشبث بها أيضاً، وهي علاقة جدلية لا فكاك منها، أما في اليوم الذي يستغني فيه البشر عن اللغات، فقد يتوقف الحديث عن مستقبل الرواية، وحينها حتى الصورة ستموت، لأنه حتى في التعبير الفوتوغرافي نحن نلجأ لعناصر واقعية مستلهمة من حاجاتنا الأولى للسرد في قصة أو في رواية بصرية متقطعة.
  • كيف تنظر إلى واقع النقد في العالم العربي؟
  • النقد في العالم العربي قاصر ومتورم في آن واحد. قاصر لأن معظم ما يُكتب في النقد لا يتعدى الانطباعات الصحفية، وهذه الانطباعات في معظمها صادرة عن علاقات شللية متخابثة، ولا علاقة لها بالنقد، بل بإدارة محسوبيات وتنفيذ أجندة شخصية تفرضها طبيعة العمل الصحفي، وهو متورم لأن الوسط الثقافي العربي عموماً محكوم بأجندة لا علاقة لها بالإبداع، ويدار بعقليات مافيوية ثأريةتضره ولا تفيده. لك أن تلاحظ إن أدوات انتاج الكتاب العربي عموماً متخلفة ولا تتعدى النظرة الاقطاعية وفهمها لطبيعة الإنتاج نفسه، وهي منهكة بحكم الجوع التاريخي لوسائل الملكية الخاصة. نادراً ما تجد كاتباً يستمر بطباعة كتبه في دار واحدة، لا لعيب في الكاتب، وهو الجهة الخاسرة دائماً حين يجري الحديث عن إشكالية العلاقة بينه وبين منتج الكتاب، بل بسبب نظرة الناشر التي لم تتخلص من الوعود الاقطاعية بأن هذه التشكيلة الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية مستمرة إلى الأبد، مثل أي شيء يستمر إلى الأبد في بلادنا.
  • إلى أيّ حدّ تعتبر أنّ تجربتك أخذت حقها من النقد؟
  • أصارحك أن قلقي لا يكمن هنا البتة، فنحن متفقون إلى حد ما أن الوسط الثقافي العربي كما أسلفت يدار بالذهنيات التي لا تعصف بما هو سائد، بالعكس هي تسعى إلى تكريسه، لأن نوافذ النقد الحقيقي مغلقة، ولن تجد ناقداً بعينه يقف أمام تجربة كاتب غير مهتم بنوع العلاقات السائدة، وليس معنياً بالانضمام إلى جور هذه الفئة أو تلك، ولا تضنيه فكرة الوقوف أمام الأبواب ليسوق ذاتاً بغير مهارات الكتابة.  
  • كيف تجد فكرة تسويق الأعمال الروائية، وهل تبلورت سوق عربية للرواية؟
  • نحن نفتقد لفكرة السوق، وهي فكرة ليبرالية بحتة، وما زلنا نصدر كل شيء في تلك البرهة الاقطاعية “الخالدة” كما أسلفت، ولا أعتقد أننا سنحظى قريباً بمثل هذه السوق، حتى تحدث تلك الثورة – القطيعة مع كل مخلفات هذا العصر. سوق الرواية العربية حاله حال سوق الكتاب العربي الذي لا يلامس المجتمعات العربية في الأعماق، ويكتفي بالملامسة السطحية التي تنتهي عادة ببعض التقارير الصحفية المكرورة للضرورة، وليس كيف تُدار سوق هذا الكتاب، وبأي أدوات، وما هو المرتجى منها؟!
  • هل تحدّثنا عن خيط البداية الذي شكّل شرارة لأحد أعمالك الروائية؟
  • بالتأكيد سأحدثك عن روايتي الأولى (نقض وضوء الثعلب). لقد شكل العنوان التحدي الأول على صعيد الكتابة الروائية. كنت قد أرسلت نصاً نثرياً لي إلى إحدى الجرائد العربية “الحداثوية”، ولكن لأن الجهة الممولة كانت تفرض رقابة متزمتة عليها، وهذه الجريدة “المتفوقة” كانت تصدر في بلد حداثوي غارق في شكلانية مفرطة، ولكن ليكفنا شر الحداثة في بلادناالمنتجة التي تهب المال بسخاء لمحرريها، قامت بنشر النص بعد حذف هذه المفردات الثلاث تحديداً، وهذا سبب لي أرقاً شخصياً لازمني فترة لا بأس بها قبل أن أجلس وأقرر كتابة روايتي.هذا واقع الحال الذي يمكن أن تسحبه بالطبع على بعض قطاعات انتاج الثقافة المختلفة في العالم العربي، وهو الأمر الذي ولّد عندي هذه الدفقة الشعورية اللغوية التي كتبته بدفعة واحدة في روايتي الأولى.
  • إلى أيّ حدّ تلعب الجوائز دوراً في تصدير الأعمال الروائية أو التعتيم على روايات أخرى؟
  • إنها تلعب الدور الأساسي في الحالتين، ولكن ليس كل ما يلمع ذهباً كما يقال. فهي قد تضيء على أعمال عادية بحكم العلاقات الشللية الآنفة الذكر، وقد تعتم على روايات مهمة جداً. الحال أن “البرهة التاريخية” كما يطلق عليها الناقد الراحل يوسف سامي اليوسف قد تستدعي الإضاءة على أعمال أقل من المستوى لتحظى بالتمجيد والجوائز، وقد تغطي لآجال مسماة أو غير ذلك على بعض أعمال الموهوبين. ليس قليلاً أن تتدافع التغطيات الصحفية لبعض الأعمال المرشحة لهذه الجائزة أو تلك قبيل الإعلان عن الجوائز، لأن الجهات “العميقة” التي تقف وراءها تريد تنصيب هذا الاسم أو تلك الرواية لأسباب كثيرة مختلفة، بعضها معروف لنا، وبعضها غير معروف على الإطلاق.
  • كيف تجد واقع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى؟
  • أجده واقعاً مهيناً للكاتب العربي، وللأدب العربي عموماً. إنه لا ينشأ من علاقة تكافؤ وتوازن انسانيين، وجل ما يدور أمامنا هو استجداء الطرف الآخر، إلا فيما ندر، للتعريف بنا وبأعمالنا. هناك اختراق للشعور الأدبي العربي يدفع للإحساس بالذل، والانكفاء على الذات. حتى من يقدم على ترجمات للأدب العربي، يقدم عليها بدافع الشعور بالتفوق على أصحابها، فيكرر مأساة وقوع أصحابها في مرمى نيران الأصدقاء المتعاطفين معها قبل الأعداء. عندما تتضح علاقتنا بالإبداع في عالم اليوم، ومسميات انتاجه وتوزيعه والترويج له كمؤسسات تقف وراء هذا الكاتب أو ذاك، ويصبح مشروعاً أمامنا أن نفكر بعقلية الاستدامة الأدبية التي لا تقف عند اسم بعينه، حينئذ يمكن أن نفكر بأن ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى تتعدى الشعور بالذل والإهانة التاريخيين. 
  • يعاني المبدع من سلطة الرقابة خاصة (الاجتماعية والسياسية والدينية) إلى أي درجة تشعر بهيمنتها على أعمالك؟ وهل تحدّ من إيصال رسالتك الإبداعية وهل أنت مع نسف جميع السلطات الرقابية؟
  • في رواياتي الثلاث لم أقف عند أي نوع من الرقابة التي لا أعترف بها بجميع مسمياتها. ودائماً كنت أردد لا سلطة تعلو فوق سلطة الخيال. هذا أمر محسوم وغير قابل للجدال. “الكشف عن العالم -كما يقول رينيه شار-يظل أبداً في حاجة للكشف”، وعندها لن يكون هناك رقابة. لا أزعم بالطبع أنني خرقت هذه القوانين من باب الرغبة باختراقها، ولكنني أدرب نفسي على أنني لن أقف أمام أي حاجز من حواجزها. أصلاً لم يعد هناك أدنى مبرر للخوف من هذه الرقابات التقليدية مع هذا الطوفان المعلوماتي غير المسبوق في التاريخ البشري، مع الشعور الملزم بطبيعة الحال أن هناك رقابة شرسة من نوع مختلف يقف الآن وراءها “الأخ الأكبر”. لكن العقل البشري قادر على تفكيكها، والايغال في لذة القول.

  • ما هي رسالتك لقرّائك؟
  • بصراحة لا أعرف من هم قرَّائي حتى أوجّه لهم رسالة، وان كنت أعرفهم، أو أعرف بعضهم على الأقل، فإن شعوري بالخوف يتقد بداخلي لمجرد التفكير بالأمر، لأن الرسالة في هذه الحالة يجب أن يقف وراءها حكيم لم يعد متشبثاً كثيراً بأيامه المتبقية.