جائزة أورويل تحتفي بالأدب الأفرو-أميركي وتناهض العنصرية

جائزة أورويل تحتفي بالأدب الأفرو-أميركي وتناهض العنصرية

كاتيا الطويل

تمّ مساء أمس الخميس في لندن الإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة جورج أورويل البريطانيّة بفئاتها الأربع. وجائزة أورويل البريطانيّة التي تأسّست العام 1993، هي جزء من مؤسّسة أورويل الخيريّة التي نشأت بهدف تشجيع الكتابة السياسيّة وتعزيز وعي الجمهور بالقضايا السياسيّة، وهي رغبة الكاتب البريطانيّ جورج أورويل (1903- 1950) الذي كان يؤمن بأنّ الكتابة السياسيّة هي فنّ قائم بذاته يحمل قضيّة وهمّاً ويقوم بشؤون المجتمعات والبشريّة. وقد اشتُهر أورويل طيلة مسيرته الأدبيّة، على غرار سارتر وميرلو-بونتي، بكتاباته السياسيّة والمدافعة عن حرّيّة التعبير والتفكير، هو صاحب رواية “1984” الذائعة الصيت والرواية القصيرة “مزرعة الحيوان” وغيرهما من الكتب ذات التوجّه السياسيّ والاجتماعيّ والإنسانيّ.

وتقوم هذه المؤسّسة على مدار العام بنشاطات ثقافيّة وفكريّة تروّج للكتابة السياسيّة ومحاربة الفساد والديكتاتوريّة وتشجّع الكتّاب والصحافيّين للنشاط في هذا المجال عبر تقديم منح وجوائز ومساعدات مادّيّة وثقافيّة لهم. وتروّج هذه المؤسّسة لأعمال فكريّة في السياسة لدى الكتّاب منذ سنّ صغيرة، فقد خُصِّصت أخيراً جائزة للناشئة أو الكتّاب الصغار في السنّ الذين يُعنون بخير مجتمعهم، ومن الجدير بالذكر أنّه قد ترشّح لهذه الجائزة حوالى ألف عمل هذا العام وحده.

 الفائزون لعام 2020

تقدّم جائزة أورويل في كلّ عام أربع جوائز مخصّصة للكتّاب والصحافيّين والناشرين البريطانيّين أو الإيرلنديّين، أو المقيمين في بريطانيا أو إيرلندا، أو الذين يكتبون في شؤون المجتمعين البريطانيّ والإيرلنديّ. وتقدّم الجائزة مكافأة مادّية بقيمة 3000 جنيه إسترليني (حوالى 3800 دولار) لكلّ فئة، والفئات الأربع هي: الكتابة السياسيّة، وكتابة الخيال السياسيّ، والكشف عن قضايا اجتماعيّة في بريطانيا، والصحافة.

وفازت هذا العام عن فئة الكتابة السياسيّة الكاتبة الإسكتلنديّة الخمسينيّة كايت كلانشي عن كتابها “تلامذة علّمتهم وتعلّمت منهم”. (Kate Clanchy, Some kids I taught and what they taught me). وقالت كلانشي في كلمتها القصيرة التي ألقتها في بثّ مسجّل أنّها تتمنّى أن يمنح هذا العمل الأساتذة والمعلّمين شيئاً من الاحترام والتقدير اللذين يستحقّونهما، فالمعلّم إنسان مُهمَل مهمّش لا يُعدُّ من طبقة المفكّرين ولا من طبقة الفنّانين. وأكّدت كلانشي أنّ محنة وباء الكوفيد-19 أظهرت للعالم أهمّيّة الأساتذة وسلّطت الضوء على دورهم في المجتمع وفي حياة أفراده وتطوّرهم.

وفاز عن فئة كتابة الخيال السياسيّ الكاتب الأميركيّ الخمسينيّ كولسون وايتهيد عن روايته “صبيان إصلاحيّة نيكل” (The Nickel Boys, Colson Whitehead ) التي سبق وفاز عنها بجائزة بوليتزر الأميركيّة عن فئة الرواية لهذا العام وقد تناولناها هنا في اندبندنت عربية. وتعالج رواية وايتهيد هي الأخرى، على غرار كتاب كلانشي، قضيّة اجتماعيّة بالغة الأهميّة في عالمنا اليوم. فيتناول وايتهيد في روايته، عدا عن مسألة العنصريّة والتفرقة على أساس العرق، قضايا الاضطهاد والتعذيب والتنكيل والعنف والاستبداد التي يعانيها الأولاد، فيسلّط الضوء على معاناة المراهقين المسجونين في إصلاحيّة “نيكل” الموجودة في ولاية فلوريدا والتي كانت تُعدّ أكبر إصلاحيّة للصبيان قبل إغلاقها العام 2011 لأسباب إنسانيّة. فيصف في نصّه معاناة تلميذين أسودي لون البشرة يتعرّضان لشتّى أنواع التعنيف والتعذيب والتنكيل.

أمّا عن فئة الكشف عن قضايا اجتماعيّة في بريطانيا، فقد فاز بها الصحافيّ البريطانيّ إيان بيريل محرّر خطابات رئيس وزراء بريطانيا الأسبق دايفيد كامرون، وقد فاز بيريل لتناوله قضيّة فساد الجسم الطبّيّ البريطانيّ الذي يسيء معاملة مرضى التوحّد من بين غيرههم من المرضى النفسيّين. وقد أوردت لجنة التحكيم في إعلانها أنّ بيريل كاتب صارم ولا يعرف الخوف وهما خصلتان تبحث عنهما لجان هذه الجائزة في النصوص المرشّحة.

أمّا عن فئة الصحافة، فقد فازت بهذه الجائزة الصحافيّة والمدوّنة البريطانيّة جانيس ترنر المحرّرة  في جريدة التايمز البريطانيّة التي ساهمت برأي لجنة التحكيم في توضيح صورة ما يحصل في بريطانيا للرأي العام بموضوعيّة وجرأة وصدق وشفافيّة.

وفي كلمته التي ألقاها ريشار بلير ابن جورج أورويل، هنّأ مؤسّس هذه الجائزة الفائزين الأربعة وتحدّث عن ضرورة التمسّك بحرّيّة التعبير والوعي السياسيّ والنقديّ، فبرأيه إنّ الكاتب يجب  أن يقول الحقيقة وإن لم يكن الجميع راغباً في سماعها. كما تحدّث بلير عن والده وعن صراعه مع داء السلّ وهو داء ذكّره به الكوفيد-19، فقال عن والده: “كان والدي يمضي الكثير من الوقت في الكتابة، وكان يتمتّع بمنهجيّة وانتظام صارمين. عندما أصيب أبي بمرض السلّ أراد أن يمضي المزيد من الوقت معي لكنّه في الوقت نفسه خشي أن ينقل الداء إليّ فاضطرّ إلى عزل نفسه والابتعاد عنّي لحمايتي، وكنتُ أرى جيّداً أنّ هذا الأمر كان يسبّب له العناء.”

معايير الجائزة 

بدأت جائزة أورويل العام 1993 بفئتين فقط هما فئة الكتابة السياسيّة وفئة الصحافة، ثمّ تمّ منح الجائزة عام 2014 للمرّة الأولى عن فئة كشف قضايا اجتماعيّة في بريطانيا وذلك رغبة من المؤسّسة بفضح العنصريّة والاستبداد والشرور التي تسود المجتمع البريطانيّ. ثمّ تمّ إدخال فئة جديدة في العام الماضي، عام 2019 هي فئة كتابة الخيال السياسيّ وذلك على يد ريشار بلير إبن جورج أورويل (اسمه الأصليّ إريك آرثر بلير). وقد فازت بالجائزة عن فئة الخيال السياسيّ بدورتها الأولى العام الماضي الكاتبة أنا برنز عن روايتها “بائع الحليب”.

ومن خصائص هذه الجائزة أنّها تُمنح في حفلة خاصّة في 25 حزيران/ يونيو من كلّ عام وهو تاريخ ولادة جورج أورويل، فتعلن اللجنة عن قائمتها الطويلة في شهر مارس (آذار)، ثمّ تُعلن عن اللائحة القصيرة التي تتألّف من ستّة أسماء في مايو (أيار)، ليتمّ الإعلان عن الفائز النهائيّ في 25 حزيران/ يونيو. وتحترم اللجان هذه التواريخ في كلّ عام، إنّما، استثنائيّاً، ونظراً للظروف التي مرّ بها العالم هذا العام تمّ تأجيل حفل منح الجوائز حتّى تاريخ 9 يوليو (تموز).

وتتشكّل في كلّ عام أربع لجان تحكيم للفئات الأربع، وتتألّف هذه اللجان من محكّمين بارزين وكتّاب ونقّاد لهم مكانتهم في عالم الكتابة والثقافة والفكر وتتغيّر أسماؤهم في كلّ عام، مع الحرص على أن يتمّ اختيار محكّمين مستقلّين نزهاء وقادرين على التزام معايير الجائزة وخصائصها. ومن أعضاء لجان التحكيم لهذا العام مثلاً، وضمن لجنة الكتابة السياسيّة نجد إليف شفق الكاتبة التركيّة الأصل، الصحافيّ بول لايتي، وعالمة الاقتصاد الصحافيّة ستيفاني فلاندرز وغيرهم.

وتلتزم لجان تحكيم جائزة أورويل معايير عالية عند منحها الجائزة لأحد الأعمال، فالأعمال الفائزة يجب أن تمتلك خصائص مميّزة وعناصر فنّيّة متعدّدة يبحث عنها النقّاد والقرّاء على حدّ سواء، منها: الحرفيّة والفنّيّة في الكتابة، الوضوح في التعبير والتمكّن من اللغة، التفكير النقديّ المتماسك، القيمة الاجتماعيّة والتربويّة العالية. وتبحث لجان تحكيم جائزة أورويل عموماً عن قيمة العمل ومقدار مساهمته في تعزيز وعي القارئ في الشؤون السياسيّة والقضايا الاجتماعيّة، كما أنّ المحكّمين يتوقّفون عند ما يسمّى “الشجاعة الفكريّة” أو الفكر الناقد وهي سمة طالما روّجت لها مؤسّسة أورويل بنشاطاتها كلّها عملاً بمبادئ أورويل الذي طالما حارب الفساد والاستبداد ودعا إلى حرّيّة التعبير.

(اندبندنت العربية)