تولستوي في مرايا يومياته: ستة أجزاء بترجمة يوسف نبيل

تولستوي في مرايا يومياته: ستة أجزاء بترجمة يوسف نبيل

نوال العلي

بالكاد اكتشف أي كاتب القيمة الروحية والوجودية لليوميات بالشكل الذي اكتشفه ليو تولستوي (1828 – 1910)، التي بدأ أول دفتر فيها وهو في سن الثامنة عشرة، في آذار/ مارس 1847، أثناء وجوده في سرير المستشفى وهو يتعالج من مرض تناسلي، كان بالفعل على وشك طرده من الجامعة بسبب أدائه الأكاديمي الضعيف، ودفعَه الحجز القسري في المستشفى إلى بدء رحلة استكشاف الذات التي ستمتدّ طوال حياته.

ما يجعل هذه اليوميات – التي ينقلها المترجم المصري يوسف نبيل إلى العربية في ستّة أجزاء، صدر منها ثلاثة والرابع على وشك الصدور عن دار “آفاق” – مثيرة للاهتمام بشكل خاص هو وجودها الموازي في ماضيه ومستقبله، كانت بالنسبة إليه مشروعاً تجريبياً يهدف إلى استكشاف طبيعة الذات من خلال مفاهيم مثل الأخلاق والذاكرة والوعي والوقت.

في يوميات كتبها وهو في منتصف عشرينياته وعنونها “يوميات الضعف”، قام تولستوي بتمييز تطوّره الأخلاقي، وركز على حماقاته بدلاً من مآثره ودوّن عيوبه ورآها في الكسل والتردّد والغرور. وخصص صاحب “الحرب والسلام” أحد دفاتره للماضي والمستقبل؛ مقسّماً الصفحة إلى عمودين يُخصّص الأول لـ”الماضي” ويدوّن فيه المهمة وأسباب الإخفاق، والثاني لـ “المستقبل”، ولم تكن توجد خانة للحاضر في يومياته. وكان لديه دفاتر لـ “قواعد للحياة” و”قواعد من أجل تطوير الإرادة” و”قواعد لعب الورق في موسكو”.

تتضمّن معلومات كثيرة عن حياته وأفكاره وقراءاته وعلاقاته

يتحدّث يوسف نبيل لـ “العربي الجديد” عن تجربة نقل هذه اليوميات قائلاً: “أنا مغرم بتولستوي منذ فترة طويلة، وعند بدء عملي بالترجمة لاحظت أن هناك جزءاً كبيراً مفقوداً في ترجماته، يتمثّل في أعماله الفكرية، فبحثتُ عن طريقة لتقديم أعماله الفكرية للقارئ العربي بمشاركة دار آفاق، فترجمت ثلاثة كتب قبل اليوميات: “طريق الحياة”، و”في الدين والعقل والفلسفة”، و”في العلم والأخلاق والسياسة”. الثاني والثالث هو تجميع لعددٍ من أشهر وأهمّ مقالاته ورسائله”.

يكمل: “بعد ذلك، بحثتُ عن كتب أُخرى له لم تترجَم، وكانت عيني على اليوميات، ووجدتها كنزاً في الحقيقة. كمية هائلة من المواد مكتوبة بعفوية شديدة جدّاً، تتضمّن معلومات هائلة عن حياته وجدوله اليومي وقراءاته وعلاقته بأسرته وأفكاره الدينية والفلسفية والأدبية. لا يوجد شيء يمكن أن يعطينا صورة صادقة عن تولستوي أكثر من هذه اليوميات”.

ولكن ما الفرق في صناعة اليوميات نفسها كأسلوب ونمط كتابة عند مؤلّف “آنا كارنينا” عن غيره؟ نسأل نبيل فيُجيب: “إلى جانب أنّها تتضمّن تفاصيل كثيرة جدّاً، فإن أهم ما فيها أنها مكتوبة بعفوية شديدة جداً وبدون تنميق أو ترتيب إلى حدّ كبير جدّاً”، ويتابع: “لم يكن في بال تولستوي من سيقرأ ومتى ولماذا. ثمّة قدْر كبير جداً من الصدق في ما يتعلق بأحداث حياته وعلاقاته الأسرية وعلاقاته بالأدباء والأصدقاء. 

يصف المترجم اليوميات بـ “أنها تشبه تياراً مستمرّاً بلا توقُّف يقول فيه كل ما يشاء دون تنميق أو تعديل. يمكن أن يُخطئ في تواريخ الأيام والأحداث، أو أن يقول أشياء ما زال يفكّر فيها ولم يحسم أمره حولها ثم يعدّلها مئة مرة، لذلك فمجموعات يومياته هذه تتيح لك أن تعيش داخل ذهن تولستوي خطوة بخطوة، ولا أعني أنه يقدّم إنتاجاً فكرياً وإنما يتأمّل كيف يتكوّن”.

في يومياته، يمكن أن يطرح الكاتب الروسي سؤالاً على نفسه ويستمر في تقديم أجوبة عنه على مدار عام كامل، كأن يفكر في ماهية الزمن أو تعريف للحياة، يكتب القليل في الصباح والقليل في الليل ثم ينسى ويعود إلى التذكر، وهذا كلّه أمام أعيننا على الورق. إنها “مرآة صادقة جداً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها يوميات تمتد إلى فترة زمنية طويلة جدّاً: من عام 1847 حتى رحيله في 1910”.

لا شيء يمكن أن يعطينا صورة صادقة عنه أكثر من يومياته

عن ترجمة أعمال تولستوي إلى العربية يقول نبيل: “صدرت في سورية منذ أعوام طويلة أعماله الأدبية الكاملة في 18 جزءاً، مترجمة عن الفرنسية. أغلبها ترجمه صياح جهيم، وشارك سامي الدروبي في “الحرب والسلام”. الترجمة كانت متوسّطة من وجهة نظري. ترجمتُ لتولستوي مثلاً نوفيلا عن الروسية بعنوان “السند المزيّف”، وقارنتها بترجمته عن الفرنسية التي قام بها صياح جهيم، ووجدتُ فارقاً كبيراً لصالح ترجمتي. حتى العنوان نفسه كان مختلفاً. ترجمَها بعنوان “العملة المزوّرة” في حين أنها كانت سند (شيك) وليس عملة، لكن في النهاية كانت خدمة عظيمة أن تصل لنا هذه الأعمال بهذه الكمية”. 

يشير إلى أن “الكتب الفكرية تقريباً كانت معدومة. ولم يخض أحد في هذا المجال غير مترجِم عن الروسية هو هفال يوسف، الذي ترجم “ملكوت الله بداخلكم”، وكتاباً آخر يضمّ مقالات فلسفية”.

ما يفعله يوسف نبيل أنه يحاول أن يسدّ الثغرة والعجز الواضح في تقديم كتب تولستوي الفكرية، مشيراً في حديثه إلى “العربي الجديد” إلى أنه قد يفكّر في المستقبل في ترجمة أعماله الأدبية الضخمة عن الروسية، “وإن كان الأمر يحتاج إلى تفكير عميق”.

(العربي الجديد)